ميرفت عوف

5

ميرفت عوف

5

761

لا تفتر همة المرأة الإيرانية التي لا تريد فرض الحجاب عليها، عن استخدام وسائل الاحتجاج واحدة تلو الأخرى، حتى أصبحت صور وفيديوهات الحملات المناهضة نهجًا معتمدًا لدى تلك النسوة، تارة تراها حليقة الرأس وأخرى خلعت حجابها لتضعه على رأس زوجها، وثالثة تنشر صورتها بدون حجاب في المناطق العامة بإيران.

يفرض القانون الإيراني الحجاب على جميع النساء، وتتعرَّض من لا تلتزم به للضرب والاعتقال والغرامة، لكن ما يميِّز عهد الرئيس الحالي  «حسن روحاني» هو أن بإمكان الإيرانيات ارتداء غطاء رأس قصير يُظهر الوجه والرقبة وبعضًا من الشعر، وعادت قضية الحجاب الإيراني إلى الساحة قبل أيام، عندما ظهرت إعلامية مشهورة اعتادت الترويج لأهمية الالتزام بارتداء «التشادور» دون حجاب بل وتشرب «الجعة»، الأمر الذي أثار ضجة من قبل المتشددين الإيرانيين ومن قبل الحركة النسوية الإيرانية التي تدعو لخلع الحجاب، وذلك لما اعتبر نفاقًا كبيرًا من هذه الإعلامية.

أشهر المدافعات عن الحجاب.. تظهر بدونه وهي تشرب «الجعّة»

«عليك أن تؤمن حتى تصبح شادوري، وإلا سوف تُفضَح، أشكر الله أنني ظهرت على التلفزيون وأنا شادورية. شعرت بالأمان وشعرت بالاحترام. كل هذه النعم منحها لي الشادور»، هذا القول لن ينساه الإيرانيون للإعلامية التلفزيونية الشهيرة «آزادي نمداري»، كما لن ينسوا قولها: «أنا آسفة لقول ذلك، ولكنَّني أكثر جمالاً بهذا الشادور».

لقد استُحضرت مقولتها السابقة وغيرها خلال الأيام القليلة الماضية، بعد تداول صورها دون حجاب وهي تشرب «الجعة»، أثناء إجازة قضتها في سويسرا، فقدت «نمداري» الدعم والتضامن معها من المجتمع الإيراني، والذي حدث مع أخريات ظهرن بدون حجاب في مواقف سابقة، فحظ نمداري العاثر كان بسبب اعتيادها الدفاع عن فرض التزام الإيرانيات بقواعد اللباس الذي تقره الحكومة، ولإظهارها دائمًا تأييدًا لقوانين اللباس المحافظ في إيران، حتى أصبحت نموذجًا لهذه الإيرانية التي يريدها النظام المحافظ، لقد نقلها هذا الظهور لتمثل نموذجًا للنفاق حتى لدى من يردن من الإيرانيات خلع الحجاب، أمثال مجموعة «إيران بدون رجال دين» التي خاطبت «نمداري» بالقول: «ليست لدينا أي مشكلة في ارتدائك الحجاب أو شربك الجعة. ولكن مشكلتنا هي أنك.. تعتقدين أن الشعب الإيراني أحمق».

وفي ردها على الحادثة، قالت «آزادي» في مقطع فيديو مدته دقيقتان، أنَّها كانت جالسة مع أفراد العائلة وأصدقاء مُقربين عندما التُقِطَت الصور، ولم تشعر أنَّها مُجبرة على ارتداء الحجاب أمامهم، و لم تقدم أي تفسير لشرب الجعة.

في عهد «بهلوي» ضُربت الإيرانيات ونُزع حجابهن بالقوة

عرف عن مؤسس الدولة البهلوية وشاه إيران «رضا بهلوي» تأثره الشديد بمؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، فعندما زار بهلوي تركيا أعجب بأفكاره، وأخذ يطبقها، وهو ما أدخله في صراع مع رجال الدين الإيرانيين. وصل الصراع بين «بهلوي» و المرجعيات الدينية ذروته، في الثامن من يناير (كانون الثاني) العام 1936، فنجم عنه إصدار مرسوم ملكي يمنع ارتداء الحجاب للنساء ويفرض حتى اللباس الغربي على الرجال في الأماكن العامة، ليصدر لاحقًا قرار بمنع الحجاب، وهو القرار الذي لم يكن سهل التطبيق بسبب عقلية الإيرانيين المحافظة، ولذلك أقدم بهلوي على تنظيم مؤتمر المرأة في الشرق الذي ترأسته ابنته «شمس بهلوي» عام 1932 في العاصمة طهران، وأخذ المؤتمر يسوق لكون الحجاب يتعارض مع الحضارة.

احتجاج الإيرانيات بعد قرار «خمينئي» فرض الحجاب

كما أسست ابنة بهلوي «جمعية المرأة الإيرانية للبحث عن الحرية» عام 1935، كخطوة أخرى لحثّ المسؤولين على تشجيع خلع حجاب نسائهم، ومع هذا كانت خطوات بهلوي وابنته والمؤيدين له غير مجدية في إقناع المجتمع الإيراني بخلع الحجاب، حتى استمرت الشرطة بمعاقبة من ترتدي الحجاب، خاصة من قبل الطبقات العاملة الفقيرة التي تمسَّكت بالحجاب، واللواتي اضطررن للمكوث في المنزل، بينما خرجت أخريات محجبات فواجهن الضرب أو نزع حجابهن بالقوة من قبل الشرطة.

بعد الإطاحة ببهلوي، لم يعد قرار منع ارتداء الحجاب إلزاميًا، بل ألغاه ابنه الذي خلفه، محمد رضا بهلوي، وبقي الأمر كذلك حتى اندلعت الثورة الإسلامية في عام 1979، ليصدر «آية الله خميني» مرسوم فرض الحجاب على النساء، بل يجبرن على ارتداء التشادور، هذه الثياب الفضفاضة مع حجاب يغطي الشعر والرقبة، وتفرض غرامات على المخالفات، وقد يصل الأمر إلى اعتقالهنّ، لكن وبمرور الوقت فإن بعض السيدات الإيرانيات لا يلتزمن بهذا الزي، ويرتدين حجابًا خفيفًا يغطي جزءًا من الشعر.

«روحاني».. الأكثر تسامحًا مع مسألة الحجاب

«رحيل مريم ميرزاخاني، عالمة الرياضيات الإيرانية والدولية، يحطم القلب تحطيمًا»، أرفق الرئيس الإيراني حسن روحاني النعي السابق لعالمة الرياضيات الإيرانية «مريم ميرزاخاني» بصورة لها دون حجاب، فعنونت «الغارديان» البريطانية عنوانها بـ«إيران تتخلى عن الحجاب في وداع ملكة الرياضيات».

الصحف الإيرانية تنعي «مريم ميرزاخاني» (نون بوست)

لقد أبدى «روحاني» التسامح مع مسألة الحجاب رغم تأكيده على الامتناع عن اتباع النمط الغربي في مسألة حقوق النساء، وفعليًا كان لتعهد روحاني بكبح جماح الشرطة الدينية أثرٌ واضح، فلا يقارن دور شرطة الآداب الإيرانية في عهد روحاني بعهد سلفه المحافظ «أحمدي نجاد»، إذ تقلَّص دورها بشكلٍ ملحوظ، فقد قال خلال حملته الانتخابية عام 2013: «إنّ هؤلاء اللواتي لا يرتدين الحجاب ليسوا سيداتٍ سيئاتٍ بالضرورة، وإن المجتمع الإيراني قبل الثورة كانت عديد من النساء فيه لا ترتدين الحجاب»، كما قال: «على نسائنا أن يشعرن بالأمان والارتياح بوجود قوات الشرطة، إذا كان يجب توجيه تحذير، على الشرطة أن تكون آخر من يعطيه».

سيدة إيرانية

ولذلك وصف «روحاني» بأنه الأكثر تساهُلا من قبل المتشددين الإيرانيين في قضية الحجاب، كما تعرَّض إلى سلسلة من النقد على مواقفه مع النساء اللواتي لا يردن الالتزام بالحجاب، أشهرها ما حدث بداية عام 2014، عندما وقَّع (195) نائبًا في البرلمان على رسالة تحذِّر روحاني من «عواقب وخيمة يواجهها المجتمع الإيراني بسبب الهجمة الثقافية الغربية التي تسعى إلى تغيير أسلوب حياة الإيرانيين، لا سيّما من ناحية العفة والحجاب»، وقد دعا روحاني هؤلاء بالتوقف عن التدخل في حياة الناس، وانتقد معارضيه الذين وصفهم بأنهم «يعتقدون أننا ما زلنا نعيش في العصر الحجري».

الشرطة الإيرانية بالمرصاد لـ«السافرات»

«يعجبني جدًا أنه بموجب القانون الإيراني يجب عليّ ارتداء الحجاب، ولكن سيعجبني أكثر إذا كان القانون، هو أن أقرر أنا بنفسي كيف علي أن أرتدي الحجاب وأي جزء علي أن أغطي»، هذا ما قالته الإيرانية «زهرة» ذات الثلاثين عامًا بعد أن تم اعتقالها من قبل شرطة الآداب الإيرانية.

إيرانية في نادٍ رياضي

كانت «زهرة» وهي دكتورة في العلوم الفيزيائية والرياضية واحدة من مئات الآلاف من النساء اللواتي تم اعتقالهنّ لكونهنَّ غير ملتزمات بالحجاب الكامل، فبينما وصل الأمر في بعض الأحيان لرش الحامض الحارق على وجوه النساء من قبل بعض أعضاء «ميليشيات الباسيج» التابعة للحرس الثوري، تستمر السلطات الإيرانية في اعتقال النساء وتقديمهن للقضاء وفرض غرامات مالية عليهنّ، ليظهر تقرير مجموعة حملة «العدل» الصادر في 2014، أنه بين عامي 2003 و2013 تم اعتقال أكثر من 30 ألف شخص بسبب ارتداء ملابس غير لائقة، أما عام 2014 فقط، فقد «قامت الشرطة الإيرانية بتحذير، وتغريم، و اعتقال، (3.6) ملايين سيدة إيرانية، بسبب أزيائهن غير المُحتشمة»، حسب قائد قوات الأمن الوطني الإيرانية، إسماعيل أحمدي.

إيرانية ترتدي (التشادور)

في شهر مايو (أيار) 2015، أعلن مدير مركز (إيسبا) لاستطلاع الرأي في إيران، محمد آغاسي أن 25% من الشعب الإيراني فقط يرغبون بالحجاب وارتداء النساء للعباءة (التشادور)، مشيرًا إلى أنّ: «نسبة النساء اللواتي يرتدين العباءة (التشادور) خلال السنوات الثماني الأخيرة، أي ما بين عامي 2007 و2015 انخفضت بنسبة (10%)».

وتستمر السلطات الإيرانية التي تطلق لفظة «السافرات» على النساء غير الملتزمات بإجبار النساء على ارتداء التشادور، وتقوم بحملات تسمى «حملات أخلاقية»، تعتمد على قيام رجال الشرطة من النساء والرجال بدوريات على مدى 24 ساعة، تعرف بـ«دورية الإرشاد»، لإيقاف أي شخص يعتبرونه (خَدَشَ الحياء العام)، ويقومون بضربه وتأديبه على الفور، أو اعتقاله إذا لزم الأمر.

يقول الخبير في الشأن الإيراني حامد الكناني إنّ: «الأسلوب الذي مارسه النظام في فرض الحجاب والفصل بين المرأة والرجل تسبَّب في نفور الكثير من الإيرانيات من التعاليم الدينية بالطريقة التي يطبقها نظام ولي الفقيه، فبدلاً من (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، مارست الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسة العقوبات والعنف والاعتقال لنشر المبادئ الأخلاقية والمبادئ الدينية، الأمر الذي دفع المجتمع الإيراني إلى الهروب من الدين».

«ماسيه ألينجاد» رائدة معارك الاحتجاج

«لقد كان شعري مثل الرهينة لدى الحكومة.. الحكومة لا زال لديها الكثير من الرهائن»، قالت ذلك أبرز النساء الناشطات في محاربة فرض الحجاب على الإيرانيات، الصحفية «ماسيه ألينجاد» (39 عامًا) التي تمكنت من الخروج من إيران بعد أن خاضت معركة شرسة مع السلطات.

الصحفية «ماسيه ألينجاد» (صفحتها على فيسبوك)

اعتقلت ألينجاد بتهمة انتقاد أعضاء البرلمان حين كان عمرها 19 عامًا، وفي عام 2009، فرَّت إلى بريطانيا ثم إلى أمريكا، لم تنتهِ معركة ألينجاد مع القرار الإلزامي للحجاب في إيران بعد أن استقرت في نيويورك، لقد كانت وراء غالبية الحملات المناهضة لهذا القرار، وأرادت دائمًا تشجيع النساء على نشر صورهنّ دون الحجاب وسط العامة، وفي السيارات وفي أماكن العمل، ولتحقيق ذلك تواصلت مع الداخل الإيراني عبر إنشائها لصفحات على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وأهمها صفحة «لحظات حرية مسلوبة»، وصفحة «حريتي المسروقة» محققة حملاتها انتشارًا واسعًا، وباتت ملهمة بالنسبة لمئات الإيرانيات، اللواتي كن يعجلن مع كل حملة لإرسال الصور والفيديوهات التي تظهرهن بدون حجاب لتنشر على صفحات أنشأتها «ألينجاد».

تقول «ألينجاد»: «هدفي هو مجرد تمكين المرأة وإعطائها صوتًا، وإذا ما سمعت الحكومة وبقية العالم صوت هؤلاء النساء المدوّي الشجاع، فعليهم أن يقرّوا بمطالبهن»، وتضيف : «كثيرين يقللون من أهمية الحجاب الإلزامي في إيران ويعتبرون أن هناك أمورا سياسية أكثر إلحاحا ولكنها تصر على أن إجبار المرأة على تغطية رأسها هو طريقة الدولة في إثبات سلطتها».

احتجاجًا على فرض الحجاب: حملات عديدة بلا توقف

احتجاجًا على فرض الحجاب في إيران، قامت الإيرانيات بعديدٍ من الحملات، متنوعةً في السبل وأساليب الاحتجاج، ومنها:

القيادة دون حجاب

في يناير (كانون الثاني) عام 2016، أطلقت الإيرانيات حملة نسائية لقيادة السيارة دون حجاب، إذ يلزم القانون الإيراني النساء بارتداء الحجاب أثناء القيادة، ومن تخالف فهي عرضة للإيقاف. وانتشرت فيديوهات لعدد من النساء يقدن سيارتهن دون حجاب، وهن يضحكن ويلبسن تنورات قصيرة كنوع من الاحتجاج على قوانين ارتداء الحجاب بالكامل أثناء قيادة السيارة.

الرجال يرتدون الحجاب!

دخل الرجال الإيرانيون أيضًا على خطّ الاحتجاج ضد فرض الحجاب، وذلك عندما بدأوا ينشرون صورهم وهم يرتدون الحجاب بجانب زوجاتهنّ ضمن حملة «حريتي المختلسة» لمناهضة قانون الحجاب الإجباري. يقول أحد المشاركين بالحملة: «ارتديت الحجاب لعدة دقائق حتى أتفهم كيف تشعر زوجتي حينما تجبر على ارتدائه يوميًا». التقط الرجل صورة له بالحجاب بجوار زوجته وبذلك بغية «تحدي قانون الحجاب الإلزامي بإيران»، «فقط أريد أن تكون زوجتي وحدها صاحبة قرار ما ترتديه، وليس ما تحدده القوانين بإيران».

الأربعاء الأبيض

بعد بضعة أيام من إعادة انتخاب الرئيس حسن روحاني، وتحديدًا في 24 مايو (أيار) 2017 سارعت الإيرانيات اللواتي اعتدن الاحتجاج على فرض الحجاب لانتهاز فرصة فوز المرشح المعتدل لإطلاق حملة «الأربعاء الأبيض».

من حملة الأربعاء الأبيض (فيسبوك)

وتقوم الحملة على ارتداء حجاب أبيض (أو رمز آخر) كل أيام الأربعاء، عرضت الحملة فيديوهات نساء يضعن الحجاب فوق أكتافهن، تقول إحدى النساء اللواتي شاركن في الحملة: «أرتدي وشاحاً أبيض من أجل الاحتجاج ضد إلزامية ارتداء الحجاب، ودعوت أصدقائي إلى الانضمام إلينا في هذه الحملة».

حلق الرأس

في مايو (أيار) العام الماضي، حلقت فتاة إيرانية شعرها بغية التبرع بثمنه للأطفال المصابين بمرض السرطان، لكنَّها سرعان ما قررت تحويل الأمر من فعل إنساني إلى احتجاجٍ سياسيّ، فخرجت دون حجاب حليقة الرأس، لكنّ الشرطة الإيرانية لم تتقبل الأمر، وقالت حينها: «بعت شعري لأساعد الملائكة الصغار المصابين بالسرطان، وعندما خرجت إلى الشارع قلت في نفسي، لا شعر إذا لا شرطة أخلاق».