بين «حرية المرأة»، و«العادات والتقاليد»، يدور صراعٌ لا ينتهي، بين فريقين، كل منهما يدعي أنه الأكثر اهتمامًا وحرصًا على المرأة ومصلحتها. وبعيدًا عن هذا الصراع المحتدم، لا شك أن المرأة في عصرنا هذا، أصبحت أكثر انفتاحًا واستقلالية من جهة، كما أنها أصبحت أيضًا، الوسيلة الأهم للدعاية، للكثير من المنتجات، حتى بات لا يخلو إعلان تليفزيوني أو ملصق دعائي من وجود المرأة.

إنسان وليست سلعة

في عام 2014، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية، تقريرًا مميزًا طالب بمعاملة المرأة كبشر وليس سلعة. فالنساء والفتيات يجب أن يعاملن ككائن بشري، مساوٍ للرجل، طبقًا لما أعلنه عدد كبير من السياسيين حول العالم، في إحدى المؤتمرات الخاصة بالأمم المتحدة في ذلك الوقت.

هذا الأمر يظهر لنا أنه بغض النظر عن الصراع الدائر بين الفريقين، فإن هناك قطاعًا واسعًا من الناس، يؤمنون بشكل قاطع، أن المرأة تستخدم بالفعل كسلعة، بدءًا من العبودية بأشكالها البدائية في بعض المناطق، مرورًا بالاستغلال الجنسي وحتى الإعلانات التجارية. وإذا أخذنا وجهة نظر الفريق المنادي بحرية المرأة بصورةٍ مُطلقة، فنلاحظ إعطاءها إذًا حرية ممارسة الجنس، لكن دون أن تُمنح الحق الكامل في التحكم بجسدها كما تريد هي، لا كما يُريد الرجال.

بين الماضي والحاضر

تختلف طريقة النظر إلى النساء الآن عما مضى. فيما مضى، بالإضافة إلى الجنس، كان يُنظر إلى المرأة كمخلوق حساس ومصدر للسعادة والحب. في العصر الحالي، يختلف الأمر من الطرفين، لأسباب عديدة، يأتي على رأسها الحداثة ومتطلباتها الاستهلاكية، ماديًا وذاتيًا.

يُضاف إلى ذلك أيضًا طموح المرأة العصرية، نحو مزيدٍ من تحقيق الذات والاستقلالية والقوة، بخاصة في المجتمعات الغربية. عبر هذا المدخل تكوّنت الصورة النمطية للمرأة، باعتبارها سلعة جنسية، بعيدًا عن اعتبارات الأسرة والاستقرار العاطفي وما إلى ذلك. أصبح تعامل الرجل مع النساء، على أنهن آبار نفط، يسعى الرجل إلى استخراج ما فيهن مما يُحقق الإثارة، حتى تنضب البئر.

المرأة

المرأة إنسان وليست سلعة

من المهم هنا أن ندرك أنه ليست جميع آبار البترول على قدم المساواة، فبعض الآبار يسهل العثور عليها في حين أن البعض الآخر يلزمه أجهزة استشعار فائقة الحساسية حتى نجدها. بعض الآبار البترولية موجودة قرب سطح الأرض وبالتالي يمكن لأي منقب أن يصل إليها بسهولة، بينما هناك آبار مخبأة بعيدًا تحت أسطح المحيطات، مما يحتاج إلى آلات متطورة للوصول إليها. بعض الآبار تحتاج إلى معالجة خفيفة في حين أن البعض الآخر قد تكون تكلفة التنقيب به مرتفعة جدًا طبقًا لظروف السوق الحالية. وأخيرًا فإن بعض الآبار تستنفذ ما بها سريعًا بينما بعض الآبار تظل تضخ البترول لفترات طويلة جدًا.

نظرة الرجل للمرأة

ألم تلاحظ أن نوادي التعري الخاصة بالنساء الموجودة في الدول الغربية، أكثر انتشارًا من نوادي التعري للرجال؟ ألم تلاحظ أن هناك اهتمام خاص وواسع بعروض الأزياء النسائية عن عروض الأزياء الرجالية؟ ألم تلاحظ أن العالم كله، تتوجه أنظاره إلى مسابقات ملكة جمال العالم ولم نرى اهتمام بتظيم مسابقة الرجل الأكثر وسامة مثلًا؟

سمعنا كثيرًا عن المتجارة بالنساء جنسيًا، لكننا نادرًا ما نسمع عن تجارة جنسٍ رجالية. الرجال يدفعون المليارات حول العالم للوصول إلى جسد المرأة. لكن كم تدفع النساء للوصول إلى أجساد الرجال؟

يقول دينيس بريجر، مؤلف ومستضيف أحد البرامج الإذاعية الأمريكية، إن الرجال أُثّر عليهم مجتمعيًا وبيئيًا من أجل النظر إلى النساء كسلعة جنسية، وفي المقابل فلم يتم التأثير على النساء مجتمعيًّا، بهدف النظر للرجال كغرض جنسي. لكن هذه الفرضية ليست صحيحة بشكل كلي، فكيف سنفسر وجود رجال مثليين؟ في الواقع فإن هذه النظرة المتبادلة والمختلفة بين الرجل والمرأة، لا علاقة لها بالبيئة والمجتمع، فما يقوله العلم، إن هذا الأمر مُبرمج في جينات الرجل والمرأة منذ الأزل!

الرجل يستجيب للمؤثرات البصرية للمرأة بصورة جنسية، هكذا خلق الرجل. هذه النقطة من المستحيل أن تستوعبها المرأة، ويظهر هذا الأمر بوضوح في عدم قدرة المرأة على أن تفهم سر اهتمام الرجل بالدخول للمواقع الإباحية على الإنترنت، أو الاستمتاع بالنظر إلى نجمات السينما والتلفزيون.

هذا الأمر لا ينفي إمكانية أن تُعجب المرأة برجل تراه وسميًا، لكن ليس ثمة مُقارنة بين رد فعل الرجل، ورد فعل المرأة تجاه المؤثرات الجنسية البصرية، فالرجال يتفوقون بأشواط طويلة في هذا المجال.

المرأة

هل استغنت المرأة عن الحب؟

الإثارة عند الرجل والمرأة

يمكن للمؤثر البصري فقط أن يستثير الرجل دون أي عوامل أخرى مساعدة، لكن المرأة تحتاج إلى قدر كبير من الإثارة البصرية مقارنة بالرجل. يمكن للمرأة أن تتسبب في إثارة الرجل من خلال رؤية جزء من الجسد فقط، وليس كاملًا. ليس هذا فحسب، بل يمكن للرجل أن يستثار عبر التخيل أيضًا. لكن في المقابل هناك عدد قليل جدًا من النساء اللاتي يملكن نفس رد فعل الرجل هذا بشكل متكرر، فالغالبية تختلف بشكل جذري عن الرجل في هذه النقطة.

هنا نعود إلى ما كنا نذكره من اتجاه الرجل لاستغلال المرأة جنسيًا، بكل الطرق والوسائل، طالما خرجت عن إطار علاقات الاهتمام وحب الرجل لها. نلاحظ أن الرجل هنا أوجد ثقافة ما، واستحدث وظائف جديدة للمرأة، لم يعرف عنها التاريخ شيئًا، كل هذا كي يتمكن من إخراج كل ما لدى المرأة من إثارة، فيحصل هو على مراده، وتحصل المرأة على ما تظن أنه المزيد من الحرية والاستقلالية.

ألم تلاحظ أن هناك مجلات مختصة فقط بإظهار سيقان النساء العارية؟ وألم تلاحظ أن النساء أصبحن هن البطل الأساسي في معظم الإعلانات التجارية؟ ألم تلاحظ أن نسبة النساء المذيعات ومقدمات النشرات أكثر بكثير من الرجال الذين يعملون في هذه الوظائف؟

في المقابل فإن هناك بعض النساء القليلات اللاتي يمكن أن تثرن عبر النظر للرجال، لكن نحن نتحدث عن فئة معينة من الرجال غالبًا نجوم الفن والرياضة. لكن الرجال في المقابل، يُثارون عبر أي مؤثر بصري من أي نوع، بل قد يصل الأمر في هذه الحالة إلى النظر إلى نماذج غير آدمية للمرأة، مثل مجسمات النساء في محال الملابس.

وحتى يمكن للنساء أن يفهمن طبيعة الرجل الجنسية، فإنه يجب عليهن، أن يفهمن مدى قوة المؤثر البصري على الرجل. لعل هذا الأمر هو ما يوضح لنا، لماذا نلاحظ أن كل منتج يمكن أن يشتريه الرجل، لا بد أن يرفق إعلانه بوجود امرأة ما فيه، أو حتى جزء من المرأة مثل ساقيها. لكن هل لك أن تتخيل أن هناك منتجًا معروضًا في إعلان، ومعه ساقي رجل عاريتين؟ السؤال سيكون: ما الفائدة من وراء ذلك؟!

المرأة

لماذا خضعن لاستغلال الرجل؟

لماذا تتنازل المرأة؟

هنا نأتي للسؤال الأهم: لماذا هذا الاستسلام من المرأة تجاه ما يفرضه الرجل عليها من أمور تمنحه ما يحتاجه، بينما قد تمنحها شعورًا غير صائبٍ تمامًا للحرية؟

النساء مثل آبار البترول في أنهن لسن جميعًا على قدم المساواة فيما يتعلق بتقديم الإثارة الجنسية والتعبير عنها، وطبيعة الألاعيب اللاتي يستخدمنها في إثارة الرجال، ومقدار الوقت اللازم حتى يستسلمن، وكم يحتاج الرجل من تكرار حتى يحصل على المرأة بالكامل.

هذه النظرة ليست هي نفس نظرة أجدادنا للنساء. فقد كان أجدادنا ينظرون للمرأة على أنها موقع بناء مليء بالمواد الخام التي يمكن استخدامها لبناء منزل رائع يدوم لأكثر من 50 سنة. الرجل في السابق كان ينظر للمرأة على أنها استثمار بعيد المدى له ولأولاده، وبالتالي يجب أن يبني بها، ويحيطها بالرعاية والاهتمام. لكن الآن الرجل ينظر إلى المرأة على أنها سلعة يسعى للوصول إليها ثم يتركها بعد أن تنضب. المواد الخام الوفيرة في المرأة نظر لها الرجل في الماضي على أنها وسائل بناء، لكن الآن ينظر لها الرجل على أنها سلع استهلاكية سريعة النضوب.

هل خدع الرجل المرأة أم أن المرأة هي التي تنازلت؟ ربما في وقت آخر نحاول الإجابة على السؤال بمزيد من التفصيل، لكن المرأة ليست فريسة وضحية للرجل، فهي أيضًا شاركت فيما حدث.

عرض التعليقات
تحميل المزيد