إذا استطاعت امرأة أن تقوم بعمل الرجال فسريعًا ما ستنتزع الإعجاب لأنها استطاعت ما لا يتوقعه منها المجتمع، لكن ماذا لو تخطت حاجز المتوقع والممكن والمألوف وفعلت ما لم يجسر رجل على منازعته قبلها؟ حينها سننبهر بها مرتين مرة على حسن صنيعها ومرة على أنها لم تصدق الخطوط الفاصلة التي رسمها المجتمع لإمكاناتها وما يجب عليها فعله. عبر الكلمات التالية سنتعرف على ست نساء أشعلن الضوء في وجه ظلام من قبلهن.

 

1- سكينة يعقوب التي خدعت مسلحي طالبان وجَنّدتهم

سكينة يعقوب طبيبة أفغانية كانت محظوظة كفاية أن تحظى بأب يؤمن بأهمية التعليم للفتيات ويساندها كفاية حد أن يرسلها للولايات المتحدة لتدرس الطب لما تعسر ذلك في أفغانستان، فتصبح من قلائل النساء الأفغانيات اللاتي حصلن على درجة جامعية في ذلك الوقت، غير أن سكينة ليست اسمًا يعرفه الملايين حول العالم لذلك، نعم لقد حظيت بفرصة نادرة بسبب تقدمية فكر أهلها لكن كيف أصبحت الطبيبة المهاجرة الشابة مرشحة لجائزة نوبل 1995؟ تحكي سكينة أنها أنهت دراستها وقت استيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان وغزو روسيا لها، وكان أول ما فعلته الميليشيا هو منع ذهاب الفتيات للمدارس تمامًا وحظر خروج أية فتاة من منزلها دون رجل برفقتها! في زمن الحرب أدركت سكينة أن لديها وظيفة ومالاً ومستقبلاً وعزت ذلك لتعليمها في المقام الأول، فكانت حركتها التالية هي التفكير كيف تمنح الفرصة ذاتها لبنات بلدها؟

عادت سكينة إلى بلدها التي انتقلت إلى مخيم اللاجئين في باكستان، لتجد 90% من اللاجئين من النساء والأطفال بينما قتل الرجال أو ذهبوا للحرب، وعملت على بناء جسور من الثقة تسمح لها بالوصول للنساء وأن يفتحوا قلوبهن لها ولرسالتها، فاستطاعت أن تبدأ مدرستها الأولى برجل دين واحد كمدرس وبعض الفتيات والنساء، ثم سرى الخبر في مخيمات اللجوء كلها لتتعلم 150 ألف فتاة في 25 مدرسة.

وتروى سكينة على مسرح تيدكس – في دقائق شديدة الإلهام – كيف استطاعت خداع مسلحي طالبان الذين حاولوا قتلها إذ تجرأت على تعليم الفتيات في أفغانستان.

تروي سكينة كيف حدى بها لقاؤها المرعب الثاني بطالبان أن تشرع أبواب معهدها – المعهد الأفغاني للتعليم- للرجال بجوار النساء، محولة بذلك مجموعات من أعتى المقاتلين المعادين إلى أساتذة لتعليم الفتيات والصبية، ومرشدين لها في الجبال الأفغانية ومدافعين عنها وفريقها من بطش طالبان، بدأت سكينة توجهًا حقوقيًّا جديدًا بتعليم الصبية كما الفتيات تمامًا في مناطق الصراع والجهل إذ تنادى أن الرجل المتعلم لن يبتعد عن العنف فحسب بل يصب في صالح المرأة أيضًا، إذ يمكنه أن يقدر قيمة المرأة ولن يضيق عليها دوائر القهر من جديد، ومنذ عام 1996 استفاد من فصول سكينة ودوراتها التدريبية ما يقرب من 8 مليون أفغاني.

2- جيل تايلور: ماذا لو عالج الطبيب نفسه؟

نشأت تايلور مع أخ مصاب بالسكيزوفرينيا، أثار في رأسها أسئلة مستمرة حول خصائص المخ التي تتعطل ليصبح المرء منفصلاً عن الواقع في أوهامه الخاصة كمرضى الشيزوفرنيا السكيزوفرينيا والاضطراب ثنائي القطب، تخصصت تايلور في أبحاث المخ في جامعة هارفارد بحثًا عن هذه الأجوبة وفي عام 2008 قدمت حديثـًا على مسرح تيد حكت فيه في عرض مبهر عن الجلطة التي أصيبت بها في الفص الأيسر من مخها واستغرقت ثمانيَ سنوات لتتعافي منها ويعود مخها لأداء وظائفه كاملة وتعود هي أيضًا لممارسة حياتها، أصبحت تايلور ثاني أكثر المتحدثين على مسرح تيد مشاهدة على الإطلاق إذ تابع حديثها 18 مليون مشاهد حول العالم، ثم نشرت كتابها وقدمت عشرات المحاضرات تعرض فيها خلاصة تجربتها الشخصية مع جلطة المخ التي كان نتاجها تطور أبحاث علوم المخ عن علاقة فصي المخ ببعضهما وتأثيرهما في التفكير والسلوك.

في ثمان عشر دقيقة – لن تنساها أبدًا- شرحت تايلور الوظائف الأساسية للمخ وكيف اختبرت تعطلها تدريجيًا عند إصابتها بالجلطة ذات صباح، إذ استيقظت بألم شديد في النصف الأيسر من دماغها وبدأت مراكز اللغة والحركة والإدراك بالتوقف عن العمل واحدًا تلو الآخر في دماغها، بين إدراك حقيقة أنها تصاب بجلطة وبين غيابها عن الواقع إلى دنيا خيالية يقودها الفص الأيمن من دماغها استطاعت جيل أن تطلب المساعدة ليتم إنقاذها من الجلطة بحجم كرة الجولف.

ولثمان سنوات تالية مُنحت الفرصة التي لم تأت لأي عالم وباحث في المخ البشري من قبل أن يدرس الدماغ البشري من الداخل مختبرًا بنفسه كيف تتعطل وظائف الدماغ وكيف تعود للعمل واحدة واحدة، وما الذي يؤثر فيها سلبًا أو إيجابًا.

3- كاكينيا ومحاربو الماساي

كاكينيا التي يقترب اسمها كثيرًا من بلدها “كينيا” حاربت الجهل والقهر ومحاربي الماساي أنفسهم لتتعلم وتحظى بفرص أفضل في الحياة. كاكينيا واحدة من الفتيات في قرية صغيرة على أطراف كينيا حيث ينشأ الأولاد ليكونوا محاربين والفتيات ليكن زوجات جيدات وحسب، وسط تقاليد تفرض على الفتاة الزواج في طفولتها، وتحظر عليها أي نشاط سوي تعلم أمور البيت والحقل، وفي بيئة لا يوجد بها أي اتصال بالعالم الخارجي وأفكاره: اختارت كينيا أن تسير كيلومترات يوميًا إلى المدرسة، وأن تساوم والدها على تركها تذهب إلى المدرسة الثانوية مقابل خضوعها للختان الإفريقي التقليدي. نجت المحاربة – بمساعدة أمها- من مصير آلاف الفتيات اللائي ينزفن حتى الموت إثر الختان بسكين صدئ وانعدام المعرفة الطبية الأساسية لدى منفذيه.

حلمت كاكينيا باستكمال دراستها الجامعية وأقنعت كبار قريتها في قصة إصرار مذهلة لتفوز بمنحة دراسة في الولايات المتحدة أكملت الطريق بعدها حتى الدكتوراه وحتى أسست مدرستها الخاصة في قريتها لتمنح الفتيات فرصة التعليم. تروي كينيا كيف أقنعت القرية التي رفضت تأسيس مدرسة للفتيات دون الفتية – مفضلين تعرض الفتيات للاغتصاب في طريقهن اليومي من المدرسة الأساسية وإليها في أقرب مدينة- واشترطت على أهل كل فتاة تلتحق بالمدرسة ألا يجبرنها على الختان أو الزواج المبكر.

على مسرح تيدكس ارتدت كينيا زي الماساي التقليدي لقريتها وحكت في عنفوان وشغف كيف تغيرت حياتها من مسار فتيات قريتها التقليدي إلى ناشطة ومدافعة عن حقوق بنات أفريقيا في التعليم والحياة، مانحة الأمل لمئات الفتيات كل سنة أن يكن ما يحلمن به.

4- منال الشريف خائنة أم بطلة؟

يكفي أن تبحث عن منال الشريف على الإنترنت لتجد مئات الفيديوهات والجرائد والصفحات الشخصية على مواقع التواصل التي تصفها بالكفر والتشيع والتخابر لصالح جهات معادية للسعودية – موطنها- والدعوة لانحراف النساء أخلاقيًا، ويسبق كل هذا حديث منال على مسرح تيد، فما الذي فعلته منال لتستحق هذه الكراهية والعنف؟ منال الشريف السعودية الموطن نظمت حملة تدعو لرفع حظر قيادة السيارات عن النساء السعوديات وعينت يوم 17-6-2011 لمطالبة النساء بالخروج وقيادة سياراتهن في محاولة لكسر “التابو” وانتزاع حقهن الطبيعي بالقيادة.

منال التي تؤمن بالأفعال قامت بقيادة سيارتها في مدينة الخبر وسجلت مقطع فيديو نشرته على الإنترنت ليصل لمئات الآلاف من المشاهدات في يوم، ويردها ما يعادلهم من رسائل التهديد بالقتل والاغتصاب والتشويه إذا لم توقف الحملة. اعتُقلت منال وأخوها دون توجيه تهم رسمية وبدأت حملات تشويه مسعورة بحقها وأسرتها الحد الذي دفع أخاها إلى ترك عمله ومغادرة البلاد.

وفي المقابل خرجت النساء السعوديات بالفعل في اليوم المحدد للحملة وقدن سياراتهن في أنحاء المملكة، ولم تقبض السلطات على أية واحدة منهن رغم تواجدهن الأمني المكثف في الشوارع، المفاجأة كانت حين اكتشفت منال أنه لا يوجد قانون رسمي يمنع النساء من القيادة في المملكة، وإنما اتفاق عرفي تناقلته الأجيال، فرفعت دعوى قضائية على رئيس دائرة المرور لعدم منحها رخصة قيادة، وتقدمت بطلب لمجلس الشورى لمنح النساء تراخيص القيادة.

الفيديو الذي صورت فيه منال نفسها وهي تقود سيارتها

وبعد رفض الطلب الذي وقعته نساء رجال من كل أنحاء المملكة ودعم إعلامي دولي لقضيتها، في النهاية وافق المجلس على عريضة فبراير2013، ورغم أن القرار لم يُفَعّل حتى الآن إلا أن منال ومسانديها والمؤمنين بقضيتها حركوا الماء الراكد منذ جيلين وأثبتن للسعوديات أنفسهن أنه من الممكن أن تتحدي العرف المتعسف في حقوقك بل وتقهرينه.

5- ميسون زايد: من الشلل إلى الشاشات

فلسطينية أمريكية من مواليد نيوجيرسي، لم يكن أصل ميسون العربي فحسب هو ما جعلها موضع النظر طيلة حياتها وإنما إصابتها بالشلل الدماغي. تعد ميسون واحدة من القلائل المصابين بالشلل الدماغي الذين يستطيعون المشي وتعزي هذا إلى تربية والديها لها على أنها شخص طبيعي تمامًا كأخوتها غير المعاقين وإصرارهما على تمرينها على المشي والكلام بل الرقص كذلك! والدا ميسون اللذان لم يستطيعا تحمل كلفة العلاج الطبيعي أرسلا ابنتهما إلى دروس للرقص فكانت ميسون العاجزة عن المشي خطوة دون ارتعاش أو الجلوس لثانية دونه، ترقص كالفراشات لتمنع جسدها من الشلل وتستمر في الحركة، فما كان من مخها إلا أن استجاب في النهاية للعربية المهاجرة.

لن تتوقف عن الضحك بينما تحكي ميسون على مسرح تيد قصتها مع الشلل الدماغي الذي أصيبت به نتيجة خطأ طبي أثناء ولادتها وعاشت أربعين عامًا وهي ترتعش طوال الوقت.

ميسون التي عرفت في نفسها خفة الظل ونزعة الكوميديا اختارت أن تدرس المسرح وحصلت على منحة دراسية لأنها استحقت كل الاستثناءات ” عربية – مسلمة – امرأة – معاقة”، لكن فيما يخص الفرص الحقيقية لم تمنح إعاقة ميسون وأصلها لمستقبلها إلا الرفض من صناع الفن والمسرح الأمريكان، حتى إنها لم تمنح دور فتاة مصابة بالشلل الدماغي!

وبينما يداوم جسد ميسون على الارتعاش داومت هي على البحث عن الفرص حتى ظهرت في برامج كوميدية ذائعة الصيت منحتها فرصة العمل بدوام كامل على الشاشة، وانطلقت من هنا إلى البرامج والمؤدين والمسارح ثم أسست فرقة لتأدية العروض الكوميدية أبطالها جميعًا من العرب الأمريكان “كوميديا العرب الأمريكان”. تساهم فرقتها بروح ساخرة في تغيير الصورة النمطية عن العرب بأمريكا – خاصة بعد 11/9- وعن فرص ذوي الإعاقة، وبينما تستمر في تأدية العروض الكوميدية.

وبين ضحكات الجمهور وضحكاتها تسخر ميسون -ابنة فلسطين- من السياسة وتعرج على قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي وأبناء المخيمات وشتات اللجوء، كل هذا في قالب كوميدي وهي جالسة على كرسيها لا يستطيع أحد أن يتلفت عنها لقوة حضورها وخفة روحها، أسست ميسون مؤسستها لمساعدة أطفال المخيمات التي تعود إليها كل صيف لتشد روحها بجذورها العربية، وتساعد الأطفال أن يحصلن على فرص أفضل وتمنحهم ما منحها إياه أبواها.

6- ليزى فيلاسكويز: الفتاة التي تعرفها بـ « أقبح امرأة في العالم»

غالبًا رأيت وجه ليز في إحدى الصور التحفيزية التي تدعوك لتجاوز الصعاب والحراك بإيجابية، لكن ما الذي أصاب ليز ليصبح جسدها ووجهها على ها النحو؟ الجواب تحكيه ليز في خطاباتها المحفزة وكتبها التي تصل لمختلف الأمصار حول العالم. ولدت ليز بمتلازمة صحية لم يصل الأطباء لماهيتها حتى بعد 25 عامًا! أدى هذا المرض الغامض إلى انعدام الدهون في جسدها ما يمنعها من اكتساب أي وزن على الإطلاق، وأذهب البصر في عينها اليمنى وترك لها بصيصًا منه في الأخرى.

والدا ليز ربياها كطفلة صحيحة تمامًا حتى أنها لم تنتبه إلى اختلافها إلا حين احتكاكها بالعالم الخارجي في المدرسة. ورغم ما توقعه الأطباء عند ولادتها من انعدام قدرتها على المشي والكلام والتفكير، كبرت ليز كفتاة صحيحة جسديًا سوى مناعتها الضعيفة – إذا لم تتوقف عند مظهرها الخارجي-  واجهت الفتاة صغيرة الحجم تنمر الناس من شكلها منذ طفولتها إلى شبابها والذي بلغ حد تسجيل مقاطع فيديو لها ونشرها تحت عناوين كـ”أقبح امرأة في العالم”، تسجل المقاطع ملايين المشاهدات والتعليقات العنيفة التي تدعوها لقتل نفسها ليرتاح العالم من وجهها الدميم.

وعلى عكس ما يتوقع من أية فتاة مثلها أن تفعل، اتخذت ليز من كراهية كتلك دافعًا لصنع أهدافها الكبيرة ومحركًا لأن تحصل على درجتها الجامعية وتحول استجابتها تجاه عنف مماثل إلى حملات واسعة النطاق ضد التنمر وسياسة العنف في المدارس والجامعات، بمساعدة رموز عامة نجحت حملات ليز وبدأت في كتابة كتبها الثلاث التي تتحدث فيها- وفي خطاباتها التحفيزية- عن بناء الثقة وقيمة الجوهر ومفهوم الجمال.

تفعل كل هذا برؤيتها الممتلئة ثقة لذاتها حتى إنها تجعلك تنظر من منظورها للجمال، وتتعجب من أفكارك تجاه ذاتك ومشاعر النقص التي تنتابك. وبينما تتعجب أنت أن ليز قادرة على رؤية الجمال في نفسها وإظهار قدراتها الحقيقية للعالم دون وجل، تستمر هي في نشر رسالتها وإلهام الملايين حول العالم أن يتجاوزوا مكامن النقص لديهم وتبدأ حياتهم من النقطة التي يرون فيها حجم طاقاتهم ويدفعوها لحدودها القصوى.

https://youtu.be/sohGDfNQV7M

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد