ثمة نظرة ما تُقسِّم العالم إلى قسمين: بشر، ونساء. ويبدو أن لهذا الفكر مُريدين كُثُرًا، جعلوا هذا التفريق يبدو منطقيًا في أعيُن الكثيرين، فبات ذلك الفصل شائعًا في مجالاتٍ عِدة، إن لم يكن في معظم المجالات، أو على الأقل تلك التي استطاعت «المرأة» أن تدخلها من الأساس، ولو على استحياء.

تأتي السينما ضمن هذه المجالات التي لا يُفسَح فيها الطريق سوى للرجال؛ فقلَّما تجد مُنتجًا يهتم بصُنع فيلم تتصدَّره امرأة، وقلَّما يتحمَّس الجمهور بما يكفي لمشاهدة فيلمٍ تُحرِّك أحداثه امرأة، إلا إن كانت راقصة، أو فتاة ليل، أو حسناء تغوي أهل الحي والأحياء المُجاوِرة؛ فتلك قصة أخرى.

ليست هذه مشكلة العالم العربي وحده. تسير الأمور على نحوٍ ليس أفضل كثيرًا في «هوليوود». جَلَب العام الماضي لجمهور السينما الكثير من الأعمال التي تقوم إناث ببطولتها. لكن على الرغم من ذلك، أشارت إحصائية حديثة إلى أن البطولات النسائية لا تزال لا تُمثِّل سوى أقل من خُمس البطولات المُطلقة في أفضل 250 فيلمًا أُنتِجَتْ العام الماضي. حتى خلف الكواليس، لا تعمل إلا نسبة 19% فقط من النساء في مختلف المواقع الأخرى في مجال صناعة السينما في «هوليوود».

هذا الواقع يفرِض بدوره تفريقًا حتميًا جديدًا قد يُرسِّخ التمييز وربما يساعد في القضاء عليه، إذ علينا أن نطرح أسئلةً مثل: حسنًا، ماذا تفعل النساء عندما تتولى دور البطولة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، اخترنا لكم خمسةً من أفضل أفلام البطولات النسائية التي أُنتِجَتْ في مختلف بلدان العالم.

1. ساندرا: (Two Days, One Night (2014 – فرنسا

ربما توقَّعت من المقدمة أنك ستقرأ عن بطلاتٍ قويَّات يعكسن صورةً فوق العادة للمرأة. ليس هذا ما سيأتي في هذه القائمة على أية حال، ولا ما ستجده في هذا الفيلم بالتحديد.

تُجسِّد الفرنسية «ماريون كوتيار» (Marion Cotillard) شخصية امرأة عادية جدًا، أو ضعيفة إن شئت. زوجة، وأم، وموظَّفة في مصنع، تعود من إجازة مَرَضية إثر انهيارٍ عصبيّ لتجد أنها قد فقدت وظيفتها، وأن أمامها يومين وليلة لتُقنِع زملاءها بالتنازُل عن علاواتهم لكي تعود إلى العمل.

لا تزال «ساندرا» مكتئبة بحِدة، تحتاج إلى الدعم الدائم، وتخاف تقريبًا من كل شيء. نتنقَّل معها من بابٍ إلى باب، ومن ترحابٍ إلى صَد، ومن بقايا طاقةٍ تُعين على السعي إلى استنزافٍ تام ومحاولة انتحار. «كوتيار»، الحاصلة على جائزة أوسكار من قبل، لن تجعلك تحتقر «ساندرا» ولا للحظة واحدة. كل ما ستشعر به هو التعاطُف تجاه شخصٍ يُشبهك، يواجه ضغوط الحياة مثلك، لكن أصعب ما يواجهه في الحقيقة هو نفسه.

2. نيللي: (Phoenix (2014 – ألمانيا

تخيَّل أن ينظُر حبيبك في وجهك، ولا يعرفك. وأبعد من ذلك، تخيَّل أن تكتشف أن هذا الحبيب الذي لم يعُد يعرفك قد خانك. بالتحديد، خانك عندما كان يعرفك. هذا هو ما تعانيه «نيللي»، التي تُؤدي دورها الألمانية «نينا هوس» (Nina Hoss).

تنجو من معسكرات الاعتقال النازية، وتتعافى من جراحة تجميلية تغير ملامح وجهها، لتبحث عن زوجها الذي يبدو أنه قد خانها لصالح النازيين. وأبعد من ذلك مرةً أُخرى: عندما يدرك الشبه بينها وبين زوجته التي يظن أنها قد ماتت، يقنعها بانتحال شخصيتها لكي يستحوذ على تَرِكَتها.

بكثيرٍ من الصمت، وبعينين مُتسعتين تحاولان إدراك حجم الخِذلان، ستتمكن «هوس» من نقل الغصة التي في حلقها إلى حلقك، وستتركك نهاية الفيلم مشدوهًا.

3. هوشبوبي: (Beasts of the Southern Wild (2012 – أمريكا

إذا كان علينا أن نشير إلى قوة الأنثى، قوة الإنسان، فَلِمَ لا نبدأ من البداية؟ تتمنى نجمات كاملات النضج أن تحصلن على نصف الكاريزما التي تتمتع بها «هوشبوبي»، التي تُجسِّدها «كوفينزانيه واليس» (Quvenzhané Wallis).

تعيش الصغيرة ذات السنوات الست مع جماعةٍ مُنعزلة في ولاية «لويزيانا» جنوب الولايات المُتحدة. أعدَّها أبواها جيدًا لتكبر بصلابةٍ أقسى من الظروف التي يعيشون تحت وطأتها، لكن تغييراتٍ ضخمة على الأبواب، تدُقها، بل تخلعها، أقرب من المتوقع؛ إذ يجتاح بيوتهم فيضانٌ عاتٍ يُضيف أبعادًا جديدة إلى معاناة «هوشبوبي». أم مُتوفاة، وأب مريض، وظروف وحشية، هذا هو ما يتبقى، لكنها تعلَّمت أن تنجو دائمًا، مهما كان ما تواجهه.

4. ألما وإليزابيث: (Persona (1966 – السويد

ماذا لو عُدنا إلى الكلاسيكيات قليلًا؟ بالتحديد، إلى زمن المخرج السويدي «إنجمار بيرجمان» (Ingmar Bergman)، الذي تتميز أفلامه بعلاماتٍ لا يُخطئها مَن يعرف مدرسته جيدًا. «بيرجمان» مشغولٌ بالأسئلة والنفس البشرية والتفاصيل. يجمع هذا الفيلم ثلاثتهم معًا.

هذه المرة لسنا بصدد بطلة واحدة، بل اثنتين: «بيبي أندرسون» (Bibi Andersson)، في دور الممرضة «ألما»، و«إليزابيث فوجلر» (Elisabeth Vogler)، التي ما تُجسِّد إلا شخصية بنفس الاسم والمهنة: مُمثلة.

«ألما» هي الممرضة المسؤولة عن «إليزابيث»، الممثلة التي تبدو في أتم صحة، لكنها لا تتكلم أبدًا. تتحدث «ألما» إلى «إليزابيث» باستمرار، دون أن تتلقى أي إجابة، إلى أن تبدأ الأخيرة في البوح بكل أسرارها إلى ممرضتها العطوفة. وهنا تتداخل الشخصيتان، ورغم أننا قد لا نفهم الفيلم بشكلٍ كاملٍ أبدًا، إلا أنه يبقى تحفةً فنيةً عن النفس البشرية سيظل محبو السينما يعودون إليها إلى الأبد.

5. آمي: (Amy (2015 – بريطانيا

انتهينا من التجسيد. هذه إنسانة حقيقية على الشاشة لا تُمثِّل إلا نفسها. الفيلم الأخير في هذه القائمة وثائقي عن حياة المُغنية وكاتبة الأغاني البريطانية «آمي واينهاوس» (Amy Winehouse).

لم يكُن هناك المزيد لقوله عن الفنانة الراحلة؛ فطالما كانت حديث الصحف الصفراء التي اقتاتت على قصصها، فضلًا عن أنها كانت قصصًا من النوع الذي قد ألِفه الجمهور عن كثيرٍ من الفنانين، حتى ولو استطاع هذا الفيلم بالتحديد أن يصل إلى لقطاتٍ حميمية ومشاهد خاصة من حياتها. ما الذي لم نعرفه بعد؟

في الحقيقة، اتضح أن هناك الكثير. يمنحنا الفيلم فرصةً لنعرف مَن كانت «آمي» حقًا، بل ولنهدم كل أساطيرنا عن كونها فنانةً تراجيدية. أن تُشاهد (Amy) هو أن تفجع حقًا لفقدان نجمة برَّاقة مثلها.

وما بين نساء حقيقيات مثل «آمي»، وأخريات مُجَسَّدات كالبقية، يبقى المُشترك الأساسي هو الإنسانية، لا الأنوثة. ولا يبقى سوى أن نأمل أن يتَّسِع المجال، فلا تُقسَّم السينما ولا الحياة، إلى بشرٍ، و«امرأة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد