“زهرة الحنون”، “هل سنلتقي”، “المشهد مستمر”، “على خط النار”، أفلام تتراوح مدتها بين 90 دقيقة و4 دقائق، أخرجتها للنور أيادٍ “أنثوية” في تحدٍ واضح لمفاهيم وسلوك المجتمع الفلسطيني الذي طالما قصر العمل في الإنتاج والإخراج السينمائي على الرجال فقط.

لقد استطاعت المخرجات عبر مضامين أفلامهنّ المختلفة أن تُعبرن عن الواقع المُعاش في فلسطين وبخاصة غزة، فتناولنّ القضايا الشائكة والإنسانية، وتلك التي تُعبر عن تاريخ القضية والثورة، إلا أنهنّ يطمحنّ إلى المزيد من التطوير والارتقاء خاصة في مجال إيجاد أدوات ومعدات سينمائية تُمكنهنّ من إخراج أفلام قادرة على المنافسة في الصورة السينمائية وليس الوثائقية فقط.

 

نساء في عالم  الرجال

اعتماد_وشح_أثناء_تدريب_المخرجات.jpg (700×515)

اعتماد وشح أثناء تدريب المخرجات

ويأخذ مركز شئون المرأة بغزة على عاتقه مسئولية إيجاد سينما بديلة للطريقة التقليدية في التعامل مع المرأة، والكشف عن وجهة نظرهنّ كصانعات أفلام، ومنحهن الفرصة للتعبير عن قضاياهن ورؤيتهن لقضايا النساء والمجتمع.

تقول “اعتماد وشح”، منسق برنامج الفيديو بالمركز: “هدفنا الأول تمكين النساء من دخول ميادين العمل التي حُرِمت منها المرأة تاريخيًّا بحجة نقص التوجه السائد كصناعة الأفلام وخوض تجربة العمل الفني”، وتُضيف: “أن برنامج الفيديو نجح في إطلاق مهرجان “بعيون النساء” الأول في قطاع غزة منذ عام 2009 ويُعقد في دورة منتظمة كل عامين، موجدًا تصورات وأنماط بديلة تتحدى المفاهيم والسلوكيات التي تُحدد دور المرأة في قوالب محدودة الإبداع”.

وتُشير “وشح” إلى أن النسخ الثلاث للمهرجان خلال 2009، 2011، 2013 لاقت قبولًا مجتمعيًّا وحضورًا مكثفًا من الطبقة المثقفة، كما مكنت الأفلام التي عُرضت فيها من المشاركة في عدة مهرجانات عربية ودولية كمهرجان “الهرم السينمائي”، “كام السينمائي” بجمهورية مصر العربية، مهرجان “بصمات” بالمغرب، مهرجان “دبي السينمائي” بالإمارات ومهرجان “تورنتو” بكندا، في إشارة إيجابية إلى تقبل العالم للجهد السينمائي الفلسطيني رغم تواضعه من حيث إمكانيات التصوير والإنتاج.

زهرة الحنون

فيلم_زهرة_الحنون.jpg (1024×614)

فيلم زهرة الحنون

 

المخرجة “عايدة الرواغ” تؤكد أن المجتمع الغُزّي بات أكثر تقبلًا لجهد سينمائي بطلاته ومعداته ومخرجاته ومنتجاته نساء، غالبيتهن خرجن من رحم المعاناة المجتمعية في غزة وواكبن تقلباتها السياسية والأيديولوجية وقضايا الحصار والحروب والانقسام الفلسطيني الداخلي، وتقول: “نحاول أن نُسلط الضوء على قضايا المرأة بخصوصيتها في المجتمع الفلسطيني”.

وتمكنت “الرواغ” من خلال فيلهما “زهرة الحنون” الذي كان فيلم الافتتاح في النسخة الثالثة لمهرجان “عيون النساء” قبل بضعة أشهر؛ أن تعكس جزءًا من تاريخ القضية الفلسطينية من خلال حياة سيدة تُدعى “أم حسين” التي ترعرعت منذ نعومة أظفارها بين الأزقة الخشنة لمخيم “عين الحلوة” بلبنان، وشهدت ويلات النكبة ورصاص الثورة، بجانب الحنين إلى الوطن.

وتقول: “قَدَّمتُ حياة اللجوء في صورة روائية إنسانية تعكس معاناة الغربة، وما تخللها من آلام وحروب فكانت أقرب لقلوب الناس”، وتُضيف أنها اختارت اسم “زهرة الحنون” لارتباط هذه الزهرة وكثرة انتشارها في الأراضي الفلسطينية ولما لها من دلالات وطنية كثيرة كـ”الحب والوفاء” للوطن والقضية.

وتتمنى “الرواغ” أن تُنمّي قدراتها في مجال الإخراج وتصقل قدراتها بشكل يُمكنها مع مرور الوقت من محاكاة السينما العالمية سواء في عرض الفكرة أو آلية تنفيذها بالتصوير والمونتاج، مؤكدة أن الكاميرات المستخدمة في التصوير على الرغم من جودتها العالية إلا أنها لا ترقى إلى التصوير السينمائي من حيث حركات اللقطات وتحميض الأفلام.

نشر مفاهيم الثورة

وتقول المخرجة “رزان المدهون” أن المرأة من خلال السينما الفلسطينية وعبر الصورة الثابتة والمتحركة استطاعت توصيل ونشر مفاهيم الثورة إلى الجماهير والحفاظ على استمراريتها، وبيَّنت أن فيلمها الأول “هل سنلتقي؟” والذي تحدث عن قضية اللاجئين أظهر تعاقب الأجيال في الحفاظ على حق العودة وتمسكهم بها كحق أصيل وثابت لا بديل عنه لاستعادة حقولهم وبيوتهم.

رزان_المدهون.jpg (1024×591)

رزان المدهون

وعلى الرغم من فكرة الفيلم المستهلكة إلا أن “المدهون” استطاعت أن تُخرجه بقالب تمثيلي خالٍ من أي كلام سوى موسيقى تصويرية امتدت من دقيقته الأولى إلى الثانية الرابعة والأربعين بعد دقيقته الرابعة، مع التركيز على تغيير ملامح الممثل الذي عبّر عن الفلسطينيين المهجّرين جميعهم، ليؤدي رسالة أن الفلسطيني لن ينسى أو يتنازل عن حقه في العودة إلى دياره وإن رحل فالابن والحفيد سيكملون المشوار، تقول: “كانت الطريقة غير التقليدية في تنفيذ الفكرة سببًا في حصولي على الجائزة الذهبية عن فئة الأفلام القصيرة في مهرجان غزة الدولي للأفلام الوثائقية بنسخته الثانية عام 2010”.

قضايا خاصة

وتحاول المخرجات الغُزّيات قرع أبواب الصمت في القضايا المسكوت عنها والتي تتعرض لها المرأة الفلسطينية كالقتل على خلفية الشرف، فتقول “حنين كلاب” مخرجة فيلم “المشهد يستمر”: “نطرق أبواب هذه القضايا من أجل التنظير ومحاولة وضع الحلول السليمة”، وتُشير أنها سبق وتناولت في فيلم آخر لها بعنوان “كان حلمًا” قضية تعذيب الأسيرات داخل السجون الإسرائيلية وما تُلاقينه من معاناة تتعمق في نفوسهن ولا يتخلصن منها بعد التحرر.

مخرجات_خلال_مهرجان_بعيون_النساء_الثالث_عايدة_الرواغ_الأولى_جلوسًا_من_اليمين.JPG (800×529)

مخرجات خلال مهرجان بعيون النساء الثالث عايدة الرواغ الأولى جلوسًا من اليمين

وردًّا على سؤال حول أهمية المشاركة بالمهرجانات السينمائية سواء المحلية أو العربية والدولية، قالت: “هي “فرصة ذهبية” لإبراز إبداعات المرأة الفلسطينية في إنتاج وصناعة أفلام تُحاكي واقعها وتنقل تجربتها للعالم في ظل ما تُعانيه من أوضاع صعبة على مختلف الأصعدة الفنية أولًا والاجتماعية والسياسية أيضًا”.

سينما مميزة

وفي تقييمه لحال السينما في غزة قال المخرج فايق جرادة، رئيس الملتقى السينمائي: “إن السينما الفلسطينية عمومًا قطعت شوطًا مهمًا وكبيرًا مقارنًة مع ما كانت عليه في السابق”، لافتًا إلى أن الساحة الفنية شهدت في السنوات العشر الأخيرة صعودًا مميزًا لأفلام المرأة التي ناقشت قضايا وهموم النساء وحملتها للخارج عبر المشاركة في المهرجانات والحصول على جوائز.

وأضاف: “أن مهرجان الأفلام “بعيون النساء” الذي يُقيمه مركز شئون المرأة بدورية منتظمة كل عامين، نافذة لثقافة الصورة والاستفادة من تجربة باقي الدول التي لديها السبق في هذا المجال”، موضحًا أن المخرجة الفلسطينية في غزة في أشد الحاجة لفعاليات من هذا القبيل كونها محاصرة غير قادرة على الانفتاح على الآخر.

وقال: “المهرجان وعاءً سينمائيٌّ يحوي التجربتين معًا الفلسطينية والخارجية كونه يستقبل أعمالًا كثيرة متنوعة من دول عربية وأجنبية، ويمتاز بمشاركة مهمة للأفلام التسجيلية والدرامية بأياد نسوية”، ودعا إلى مزيد من الاهتمام بسينما المرأة لتقوم بدورها الكبير في تغيير الواقع إلى ما هو أفضل، ونبّه إلى أن الملتقى السينمائي سيعمل على النهوض بواقع الحياة الفنية الإخراجية والسينمائية الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة الذي يعاني من حواجز عدة في هذا المجال.

فايق_جرادة.jpg (3024×2706)

فايق جرادة

عرض التعليقات
تحميل المزيد