نساء حول العالم: هي سلسلة تقارير من بلدان مختلفة تعكس واقع المرأة الاجتماعي والاقتصادي، وتفاعلها مع المجتمع، وما تتمتع به من حقوق في ظل الظروف السياسية والاقتصادية للدولة.

“بعد إذنك ألبس الطرحة بس، حد يجيبلي الإسدال معلش، أنا بنت بردو، يا جماعة أنا بنت، هاتلي الإسدال لوسمحت…”.

كانت كريمة تردد هذه الكلمات بأنفاس متلاحقة ومتسارعة حين هجمت قوات الأمن التابعة للنظام المصري عليها وهي بالمنزل بمفردها للقبض عليها.

كريمة، الفتاة الصغيرة، أو الفراشة كما يطلق عليها أصدقاؤها، الطالبة بالفرقة الثانية بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، خفيفة الظل، سريعة الحركة، تصاحبها كاميرا خاصة بها تتنقل بها في معظم الأماكن، أتمت عقدها الثاني منذ عدة أيام.

في 29\3\2014 في تمام الساعة الثامنة والربع مساءً وصلت قوات الأمن عند باب منزلها، كانت القوة الأمنية مكونة من عدد 2 بوكس شرطة، و2 كابينة محملة بفرقة من قوات العمليات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، وبوكس شرطة عادي تابع لقسم شرطة ثاني القاهرة الجديدة، محمل بأفراد من المباحث بالزي المدني.

في تمام الثامنة والعشرين دقيقة، كانت كريمة تجلس في غرفتها بمفردها في المنزل وتتحدث مع واحدة من صديقتها على الهاتف لتسمع صوت باب الشقة يُكسر، ثم اقتحام غرفتها ليكون آخر ما تسمعه زميلتها وهي تستنجد لتستر نفسها.

تعرضت كريمة خلال فترة تواجدها بالسجن لشتى أنواع الإهانة النفسية والبدنية وسوء التغذية والضرب، الأمر الذي جعلها تلجأ إلى الإضراب عن الطعام لمدة ثمانية عشر يومًا كاملة، فما فكان رد فعل إدارة السجن إلا أن قاموا بتمزيق ملابسها هي وزميلاتها وإجبارهن على ارتداء ملابس الحجز البيضاء الشفافة، وتم الاعتداء عليهم بالضرب والسحل والسباب.

ولم يُسمح لها بمقابلة أي منظمة حقوقية من المنظمات التي طلبت مقابلتها، ولم يتم إجراء الكشف الطبي عليها.

ظلت كريمة في محبسها ما يقرب من سبعة أشهر ثم تم الإفراج عنها إفراجًا جزئيًّا بضمان محل إقامتها، حيث تذهب كريمة يوميًّا إلى السجن من التاسعة صباحًا وحتى الخامسة عصرًا، ثم تعود إلى منزلها، ويتعين عليها عدم مغادرة منزلها حتى اليوم التالي لتعاود الذهاب إلى قسم الشرطة مرة أخرى.

لم تكن حالة كريمة الصيرفي هي الحالة الوحيدة التي يتم اعتقالها وتتعرض لانتهاكات نفسية وجسدية داخل السجن بهذا الشكل، وإنما وفق تقرير المرصد العربي للحقوق والحريات فإنه في العامين الماضيين تصاعدت وتيرة العنف ضد المرأة المصرية المشاركة في الحياة السياسية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر، ويقدر المرصد عدد النساء اللاتي تم اعتقالهن في الأربعمائة يوم الأخيرة بـ 1858 سيدة وفتاة، وتقدرهم حركة نساء ضد الانقلاب بـ 1500 سيدة وفتاة، منهم 95 طالبة تم اعتقالهم من جامعاتهم، و75 حالة قتل، وما يقرب من 20 حالة اغتصاب، في صفوف الحركة النسائية بالإضافة إلى آلاف الإصابات على يد قوات الجيش والشرطة، وعدد من جرائم الاختطاف وحالات الاختفاء واعتقال بعض النساء أو الفتيات أثناء زيارتهم لأقاربهن في السجن.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“اعتقال أحد بنات الأزهر”

ولم يتوقف الأمر عند الاعتقال فقط، وإنما تتعرض المعتقلات لشتى أنواع العنف والإهانة النفسية والجسدية وسوء الرعاية الصحية وسوء التغذية، الأمر الذي جعل بعض المعتقلات مثل “سناء القاضي” تفقد مولودها أثناء ولادته بالسجن نظرًا لسوء الرعاية والإهمال الصحي الشديد، وأيضًا “دهب حامد عبد الله” التي وضعت مولودها بالسجن كذلك، والتي كادت أن تموت بسبب سوء التغذية وتركها لفترة طويلة جدًّا دون أي إشراف طبي.

دهب بالكلابشات في سريرها أثناء ولادة طفلها

وقد سجلت كثير من المنظمات الحقوقية بعض الفتيات التي وجدت لديهم جروح غائرة وواضحة في أجسادهن مثل سارة خالد، ودارين مطاوع، وعائشة عبد الفتاح، وأخريات وجدت عندهن كسور في الذارع أو الساق مثل جهاد الخياط.

سارة خالد

سارة خالد في المعتقل

جهاد الخياط بعد خروجها من المعتقل

كل هذه الملابسات والتضييق على المرأة المصرية والانتهاكات التي تتعرض لها جعلها تعزف بشكل كبير عن المشاركة في الحياة السياسية المصرية خوفًا من التنكيل بها، أو خوفًا من الاعتقال أو القتل.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“لو كان لي أمنية أعرف أنها ستتحقق في 2014 لاخترت أن أمتلك القدرة لقتل كل رجال العالم، وسأبدأ بمدرس الحساب في مدرستي ش.م. القديمة”… هدى

كتبت هدى.ع.م هذه الكلمات على حسابها على الفيس بوك في ليلة رأس السنة الماضية يناير2014، ضمن تدوينه طويلة لها حكت فيها عن عدد مرات التحرش اللفظي والبدني الذي تعرضت له، وذكرت أنها تعرضت لما يقرب من سبعين حالة تحرش، بدءًا من مدرسها في المدرسة الابتدائية وهي صغيرة، وصولاً لما تتعرض له كل يوم في أحد المواصلات العامة التي تضطر إلى ركوبها يوميًّا للذهاب إلى عملها بأحد المصالح الحكومية التي تبعد عن منزلها كثيرًا.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

أعلنت الأمم المتحدة في تقريرها الأخير في أبريل2014 وفق وكالة (فرانس برس) أن 99.3 من نساء مصر وبناتها تعرضن للتحرش الجنسي، وأصبح واقعًا حياتيًّا في حياة المرأة المصرية بغض النظر عن سن الضحية أو لباسها ومظهرها أو وضعها الاجتماعي، وأن النسبة الأكبر من حالات التحرش لم يتم الإبلاغ عنها.

كما وثقت منظمات نسائية عديدة 500 حالة اعتداء جنسي جماعي واغتصاب جماعي منذ تنحي الرئيس المصري حسني مبارك في 11\2\2011 حتى يونيو 2014، وقال التقرير إن جميع الجناة أفلتوا من العقاب، وأوضح التقرير أن جرائم العنف الجنسي شملت اغتصابات جماعية واعتداءات جنسية جماعية بالآلات الحادة والأصابع وطالت الآلاف من النساء.

واستطاعت الكثير من المنظمات النسوية توثيق أكثر من 250 حالة وقعت بين نوفمبر 2012 ويناير 2014، هذا بالإضافة إلى ما وقع أثناء الاحتفالات بفوز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتم بثه على الهواء مباشرةً من قبل بعض قنوات التليفزيون المصري من تحرش بكافة أشكاله، واغتصابات جماعية وحشية، وتم توثيق تسع حالات اغتصاب بآلات حادة، أسفر عنها إصابات جسدية بالغة للضحايا.

وقد أصدر الرئيس عدلي منصور قرارًا بتعديل قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد عن خمسة آلاف جنيه لكل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بأي وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية”.

وقد شهدت مصر أول دعوى قضائية من فتاة ضد رجل تحرش بها في منتصف عام 2008 وعوقب الشاب بالسجن لمدة ثلاث سنوات في أول حكم قضائي من نوعه في مصر، كما نشأت الكثير من الحملات على الإنترنت لمناهضة التحرش، من أشهرها حملة “شفت تحرش”.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

أشارت دراسة نشرت نتائجها مؤسسة تومسون (رويترز) إلى أن مصر أسوأ بلد في العالم العربي يمكن للمرأة أن تعيش فيه، بينما جاءت جزر القمر كأفضل دولة في معاملة المرأة على مستوى العالم العربي، واستخلصت الدراسة النتائج بناءً على آراء 336 خبيرًا اجتماعيًّا في مجال المرأة وجهت إليهم الدعوة للمشاركة في استطلاع على الإنترنت أجرته الذراع الخيرية لشركة رويترز للأخبار خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2013.

أسماء

نظرت لنفسها بحدة في المرآة، من هذه المرأة التي تراها، كيف ظهرت على وجهها كل تلك التجاعيد فجأة! لوقتٍ قصير كانت تستطيع إحصاء عدد الشعرات البيضاء في رأسها، كيف وصل إلى الدرجة التي أصبحت كل خصلات شعرها الأمامية بيضاء! لماذا أصبحت تبدو هكذا كأنها في الخمسين من عمرها بالرغم من أنها لم تتجاوز عقدها الثالث بعد؟!
تذكرت زواجها الأول، أول “سكشن” محاسبة في كلية تجارة الذي التقت فيه بزوجها، أولادها الثلاثة، المشاكل الكثيرة التي حدثت بعد ذلك، طلاقها المفاجئ، كيف مر كل شيء سريعًا هكذا ككابوس لم تفق منه بعد!
مسحت الدمعة التي فرت من عينيها، وأكملت ارتداء ملابسها سريعًا لتستكمل رحلتها اليومية المعتادة بحثًا عن عمل مناسب تستطيع به إنقاذ حياتها هي وصغارها، حياتهم البائسة التي أوشكت على الانهيار.

في الوقت الذي انخفضت فيه معدلات النساء التي تعول أسرهن إلى 2% فقط، تسجل مصر 35%، هي نسبة النساء التي تعول أسرهن، والمرأة المعيلة هي المرأة التي تتولى رعاية شئون أسرتها ماديًّا بمفردها، دون الاستناد إلى وجود الرجل، وقد تكون متزوجة وفقدت زوجها فهي أرملة أو مطلقة أو مهجورة، أو ربما زوجها موجود ولكنه مريض أو عاجز عن العمل والإنفاق، وقد يكون بخيلاً بدرجة لا يؤمن معها الموارد الضرورية اللازمة وبالتالي قد تضطر المرأة للعمل من أجل إشباع الحاجات الإنسانية الأولية، وقد تكون المرأة غير متزوجة وغاب عنها عائلها المتمثل في والدها أو أخيها.

بحسب الدراسة التي أعدتها وزارة التنمية الإدارية فإن نسبة المرأة المعيلة في مصر تصل إلى 35% في الوقت الذي فيه النساء العاملات يمثلن فقط 15% من قوة العمل الحالية في مصر، ويصل عددهم 3.7 مليون امرأة من بين 7.3 مليون امرأة، وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن معدل البطالة بين النساء والفتيات في مصر يصل إلى 22.6 %، الأمر الذي جعل بعض الحقوقيين ومنظمات حقوق المرأة المصرية تشن حملة على الإنترنت على هاشتاج #loqmet3ish، #anahunna، للفت انتباه المسئولين والحكومة لاحتياجات المرأة المعيلة ومعاناتها المستمرة.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

وبحسب منظمة الإسكوا (المنظمة العربية للعلوم والتكنولوجيا ) فإن نسبة كبيرة من نسبة الـ 15% من النساء العاملات يعملن في القطاع غير الرسمي (غير المسجل) مثل الإنتاج المنزلي (حياكة الملابس، المصنوعات اليدوية، المنتجات الغذائية… إلخ) كما أن 80% منهن ينتمين إلى الطبقات ذات الدخل المنخفض التي ترتفع فيها نسبة الأمية.

ذكرت المنظمة أيضًا أن هناك قدرًا كبيرًا جدًّا من الانتقادات والضغوط النفسية التي تتعرض لها المرأة المعيلة، الأمر الذي يجعلها في كثير من الأحيان تخرج أولادها من المدرسة وتسارع في تزويج بناتها من أجل رفع عبء النفقات من عليها.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن نسبة الأمية بين النساء في مصر تصل إلى 37%، الأمر الذي جعل واحدة من المنظمات المهتمة بتعليم الفتيات وهي منظمة “بلان” تطلق مبادرة “عشان أنا بنت” تركز جهودها على البنات في مصر، وذكرت بلان أنه يوجد في مصر 23 مليون شخص يعانون من الأمية 70% منهم فتيات ونساء، ودشنت المنظمة حملة بعنوان “القلم والكتاب قبل الطرحة والفستان” كجزء من مبادرة “عشان أنا بنت”.

ويعود سوء أحوال المرأة المعيلة وتزايد نسبتها بهذا الشكل، وسوء تعليم الفتيات إلى الحالة العامة الحالية للمجتمع المصري بسبب سوء أحواله السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى بعض الموروثات الثقافية والعادات والتقاليد السيئة التي أدت إلى تدهور الأحوال بهذا الشكل.

يمنى

الجامعة التي تدرس بها يمنى صُنفت كأحد أفضل عشرة جامعات على مستوى العالم، كانت ببساطة وبابتسامة على شفتيها تقف بجوار زملائها في حفل تخرجهم تنتظر اسمها لكي تستلم شهادتها من رئيس الجامعة، استرجعت تلك اللحظة التي اتخذ والدها قراره بالرحيل من مصر. مرت عشرة أعوام على رحيلهم وما زالت تتذكر كل أصدقائها وجيرانها ومدرستها الصغيرة التي كانت تحب فيها كثيرًا من الأشياء.

تذكرت أنها ما زالت تذكرهم جميعًا، وتذكر حكايات جدتها الطيبة. إلا أنها على يقين أن أحدًا منهم لم يعد يتذكر حتى اسمها، ماذا لو لم يكن والدي تراجع عن قراره في اللحظة الأخيرة؟ ماذا لو كان استجاب لأهلنا وأصدقائنا الذين حاولوا صرفه عن هذا القرار؟!

لماذا على الإنسان أن يحيا بعيدًا عن وطنه، ربما كان قرارًا غبيًّا! ربما..


المصادر

تحميل المزيد