نساءٌ منزويات في المنازل، ومحجّبات في الشوارع يُقِمن في غرف الحريم. يلبسن ثيابًا ثمينة مرصّعة بالذهب والأحجار الكريمة، ويتعطرن بالروائح الزكية، في انتظار أمر أسيادهن؛ فهنَّ مجرّد مملوكات، بلا أي دور في الحياة الثقافية والاجتماعية.

لطالما كانت تلك هي الفكرة السائدة عن النساء في الحضارة الإسلامية، وهي الفكرة التي صوّر بها الأدب العالمي نساءَ ذلك العصر؛ باعتبار أنّ المُسلمات كن إما مُلكًا لآبائهن أو أزواجهن، لا يستطعن إدارة ممتلكاتهن الخاصة بأنفسهن أو التحكّم بها. وقد كان الفكر كلّه يتمحور حول مهانة النساء؛ إذ لم يكن لهن حتى الحق في إبداء آرائهن عند الزواج، كما يُحرمن غالبًا من الميراث.

كانت الأفكار السابقة هي بالضبط ما يُناهضه غافن هامبلي، أستاذ التاريخ في جامعة تكساس الأمريكيّة، في كتابه «المرأة في العصور الوسطى الإسلامية»، مُشيرًا إلى أن النساء في تلك الفترة التاريخيّة قد لعبن أدورًا سياسية وثقافية مهمّة بالمجتمع الإسلامي، قائلًا إن هناك تيارًا إسلاميًا سعى لإقصاء المرأة من الحياة العامة استنادًا إلى الحديث: «لن يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».

ووفقًا للإمام البخاري، روى هذا الحديث سابق الذكر، أحد صحابة الرسول محمد من مؤيدي علي بن أبي طالب عقب انتصار الأخير على مؤيّدي زوجة الرسول السيدة عائشة في الموقعة المعروفة باسم «موقعة الجمل» عام 35هـ/ 656م، إلا أننا نجد ومنذ أيام الإسلام الأولى نساءً علا شأنهن، من الهند إلى اليمن وبلاد العرب، ووصولًا إلى إيران. وانطلاقًا من هذا الكتاب نستعرض في الأسطر القادمة، حياة نساء من مناطق مختلفة في «دار الإسلام» -الدولة الإسلامية مترامية الأطراف- واللواتي لعبن أدورًا استثنائيّة في التاريخ الاسلاميّ.

1-السلطانة رضية.. اعتلت عرش دلهي ووسّعت أطراف مملكتها

في العصور الإسلامية الوسطى، مارست الكثير من النساء السُلطة السياسية من وراء الكواليس؛ إلّا أن هناك قلّة قليلة منهن تجرأن على الظهور بوصفهن حاكمات فعليّات، منهن السلطانة «رضية بنت إلتتمش»، حاكمة سلطنة دلهي – الدولة الإسلامية التي سيطرت على معظم الهند – وحكمتها رضية لمدة ثلاث سنوات أو أكثر (634 – 637 هـ).

كانت رضية هي الابنة البكر أو الكبرى لوالدها شمس الدين إلتتمش حاكم سلطنة دلهي من زوجته الرئيسية، وهناك بعض الحكايا التاريخية غير الموثقة التي تشير إلى أن إلتتمش في سنواته الأخيرة كان يُخطط لأن تعتلي رضية العرش، حتى أنّه أمر ابنته بكتابة إحدى الوثائق باسمها باعتبارها السُلطانة القادمة، وعندما اعترض بعض المسؤولين، تنبأ السلطان زاعمًا أنه لا يوجد من بين أبنائه من يستحق الحُكم.

اجتمع للسلطانة رضية -رحمها الله- الحُكْم والحكمة، والعدل وجزيل الكرم، فأظلّت طلبة العلم بظلّها الوارف، وأقامت موازين القسط، وبسطت على رعيتها أجنحة رحمتها، قابضة على داهيات الحروب بقدرتها، وكانت وعاءً جامعًا لمآثر الملوك وحميد صفاتهم.
*سراج جوزجاني – شاهد العيان الوحيد على حكم السلطانة رضية

توفي شمس الدين إلتتمش عام 633هـ (1236م)، وتولّى الحكم من بعده ابنه الأصغر فيروز شاه، وأثناء فترة حكمه القصيرة، تخلى فيروز شاه عن إدارة شؤون البلاد بصورة فعلية لوالدته الشاه تركن، والتي انتهزت هذه الفرصة لتصفية حساباتها القديمة مع الحريم في قصر السلطان؛ وأصابت أحد أبنائه بالعمى، ثم أمرت بقتله، وسعت فيما بعد لقتل الأميرة رضية.

لم تمر أفعال الشاه تركن في سلطنة دلهي مرور الكرام؛ إذ قادت البعض إلى تمرد وعصيان واسع النطاق، فيذكر الرحّالة ابن بطوطة كيف كانت الأميرة رضية تقف في شرفة القصر الملكي فيستحضر الحاضرون ذكرى والدها، ويروي آخرون كيف ثار الناس وعصفوا بالقصر عندما حاولت الشاه تركن اعتقال الأميرة.

استطاعت رضيّة بنت إلتتمش اعتلاء العرش بفضل الرقيق الأتراك الذين كانوا يعملون تحت إمرة والدها شمس الدين إلتتمش، وذلك بعد أن تمرّد الأمراء الأتراك والرقيق على أخيها فيروز شاه بن إلتتمش؛ وأطاحوا بأمه الشاه تركن، ليعود فيروز شاه حينها إلى العاصمة بعد علمه بنبأ سقوط والدته ومُبايعة مدينة دلهي لرضية السلطانة، ليتم اعتقاله فور وصوله، ومن ثمّ قتله في 18 ربيع الأول من عام 634هـ.

وتشير المصادر إلى أنّ عهد رضية شهد عدّة إنجازات، فخلال فترة حكمها صُكّت العملات المعدنية لتحمل اسمها وحده عام 635هـ، كما يشير المؤرخ جوزاني إلى أنّ سلطة دولة دلهي قد امتدت في ظل حُكم السلطانة؛ من مقاطعة لاخناوتي غرب البنغال وصولًا إلى ديوال ودمريلا في السند الأدنى. واستمر حكم رضية حتى رمضان من عام 637هـ؛ إذ حدث انقلاب في طبرهند، وهو ما جذب السلطانة بعيدًا عن مدينة دلهي التي كانت تتمتع فيها بشعبية كبيرة، وبوصولها إلى طبرهند جرى اعتقالها وتتويج أخيها غير الشقيق معز الدين بهرام شاه، وأعلن الأمراء بيعتهم لبهرام شاه.

تمكن بعدها ألتون أبا من تحرير رضيّة، وتزوّجها وسارا على رأس جيش لاستعادة حكمها؛ إلا أن الأمر انتهى بهزيمتهم هزيمة ساحقة وقتلوا على يد الهندوس أثناء محاولتهما الفرار.

الهند التي لا تعرفها.. بها 720 لغة و9 أديان وروائع أخرى غير تاج محل

2-السيدة الحُرّة.. اليمنيّة الجميلة التي حكمت بالدين والسياسة

هناك نسوة قلائل تمكنّ من تولي المناصب السياسية بالعصور الوسطى في البلدان الإسلامية، أو ما كان يُطلق عليه اسم «دار الإسلام»، أما أن تتولى سيدة زمام القيادة الدينيّة، فإنّ ذلك لم يحدث إلاّ عند نسوة نادرات للغاية، إحداهن هي الملقّبة بـ«السيدة الحرة»، والتي عرفت باسم الملكة الصليحية الإسماعيلية، إذ يقول عنها غافن هامبلي في كتابه «المرأة في العصور الوسطى الإسلامية»، أن الملكة السيدة قد جمعت في حالة فريدة من نوعها في تاريخ العصور الإسلامية – بين القيادتين السياسية والدينية لليمن الخاضعة لحكم الأسرة الصليحية، والتي كانت مرتبطة بشكلٍ وثيق بالدولة الفاطمية، وبمقارّ الدعوة الإسماعيلية في القاهرة.

أصبح قبرها الكائن في مسجد ذي جبلة -الذي بنته بنفسها- مزارًا للمسلمين من مختلف الجماعات دون أن يدري أحدهم صلتها بالشيعة الإسماعيلية، حتى تم تدميره على يد بعض الجماعات المحلية في سبتمبر (أيلول) من عام 1993؛ وذلك لاعتبارهم زيارة قبرها هرطقة.

خلال القرن الحادي عشر للميلاد، كانت اليمن حينذاك واحدة من المناطق التي حققت فيها الدعوة الإسماعيلية الأولى نجاحًا خاصًا نتيجة لأنشطة الدُعاة، وبحلول العصر الفاطمي اختار سليمان بن عبد الله الزواحي لخلافته عليًا بن محمد الصليحي، والذي شرع فيما بعد في تأسيس حكم الأسرة الصليحية الإسماعيلية، واختار صنعاء عاصمةً له؛ إذ حكم الصليحيون اليمن ما يربو على قرن من الزمان تبعًا للفاطميين؛ وانتهى حكمهم بوفاة الملكة الصليحية.

يقال إن اسمها الحقيقي «أروى»، إلا أنها لُقبت بـ«السيدة الحرة»، وولدت عام 440هـ، وتشير بعض المصادر التاريخية بأن لها جمالًا باهرًا ممزوجًا بشجاعة استثنائيّة وذكاء وكبرياء؛ وأنها تمكنت من طلب العلم في الفترة التي كانت فيها الدولة الفاطمية تسعى لتعليم النساء والرجال جنبًا إلى جنب دون تفريق، مما ساعدها على تكوين شخصيّة مستقلة بذاتها.

نشأت أروى تحت رعاية حماتها لاحقًا وهي الملكة أسماء بنت شهاب، زوجة علي بن محمد الصليحي، والتي كانت خير معين لزوجها في إدارة شؤون دولته، وعقب وفاة أسماء، خلفتها السيدة الحرة في تولي زمام الدولة الصليحية، وفرضت الدعاء لها عقب خطبة الجمعة، اقتداءً بمن سبقوها من الحكام، وذلك بعد الدعاء للخليفة الفاطمي الإمام المستنصر؛ وجاء حُكْمها تاليًا لإصابة زوجها بالشلل في وجهه إثر إصابة حرب، مما أجبره على اعتزال الحياة العامة تمامًا؛ إلا أنّه ظل الحاكم الاسميّ للدولة.

يقول هامبلي: إنّ التاريخ يشهد على اقتدار السيدة الحرة؛ إذ منذ تولّيها السُلطة السياسية الفعلية للدولة اليمنية، بدأت تلعب دورًا هامًا في شؤون الدعوة اليمنية الإسماعيلية، وقد بلغ الأمر بتعيين الخليفة الفاطمي لها -عقب وفاة زوجها عام 477هـ- في منصب «حُجَّة» اليمن-أي الممثل الأعلى للدعوة؛ وهو منصب أعلى مكانة من «داعي البلاغ»؛ وبذلك تُعد السيدة قد حظيت بأرفع منصب في الدعوة اليمنية، في مرةٍ هي الأولى من نوعها التي ترتقي فيه امرأة في المراتب الرفيعة لتسلسلية الدعوة الإسماعيلية.

وقد قسّمت أروى إبان حكمها المناطق غير الخاضعة للفاطميين؛ إلى 12 جزيرة تمثل كلٌّ منهما مركزًا مستقلًا لنشر الدعوة، وكانت المسؤولة الرسمية عن شؤون الدعوة الإسماعيلية في الهند الغربية، وهنا لعبت السيدة دورًا بارزًا في نشر الدعوة الإسماعيلية في شبه القارة الهندية، وعندما بدأ ضعف وانهيار الدولة الفاطمية؛ انقسمت الدعوة الاسماعيلية، وتم تأسيس الدعوة الطيبية المستقلة في اليمن، وصارت السيدة الحرّة قائدة رسمية لهذا الفصيل، واستمرّت الدعوة حتى بعد انهيار الدولة الفاطمية بالقاهرة، ولاقى الطيبون دعمًا من الهند الغربية، وقطعت علاقتها بالقاهرة الفاطمية، وجعلت الدعوة الطيبية مستقلة حتى عن حكم الدولة الصليحية في اليمن، ممّا كان له بالغ الأثر، لدرجة استمرار وجود أقليّات طيبية مستعلية في اليمن حتى اليوم.

توفيت الملكة الصليحية عام 532 هـ (القرن 12م)، بعد فترة حكم عامرة بالأحداث، وكتبت وفاتها نهاية حكم الأسرة الصليحية في اليمن؛ إلاّ أن السيدة الحُرة ظلّت حتى يومنا هذا محتفظة بمكانتها القديرة في سجلات الدعوة الإسماعيلية.

«بلقيس المسلمة».. تعرف إلى أروى الصليحية «أول امرأة تحكم في الإسلام»

3-«بيجمات أوذه».. السيدتان الثريّتان تحملان السلاح ضد الإنجليز

إمّا محظيات صفيقات، أو كتل صامتاتٍ تافهاتٍ مستترات، لا تسمع لهن إلا حفيفًا في الأروقة الملتوية داخل الزنانة؛ أي الحريم.

كانت تلك هي النظرة السائدة للنساء في القرن الثامن عشر، إبان الحقبة الاستعمارية، وأواخر العصور الوسطى الإسلامية؛ إلا أن هناك سيدتين نبيلتين من دولة «أوذه»؛ وهي الدولة الأقوى في شمال الهند قد خالفتا تلك النظرة التقليدية للنساء من خلال مشاركتهنّ في الأحداث السياسية والاقتصادية للبلاد، بل وتجاوزتا حدود النوع في العالم الإسلامي بدرجة تبعث على الدهشة، وعُرفتَا باسم «بيجمات أوذه».

نساء هنديّات من العصور الوسطى

جاء ذكر السيدتين «صدر النساء بيجم» ابنة سعادت خان مؤسس السلالة الحاكمة في أوذه؛ وزوجة ابنها «شجاع الدولة» والذي اعتلى عرش أوذه المعروفة باسم «باهو بيجم»، في إحدى التهم المثيرة للجدل إبان الانتداب البريطاني في الهند.

كانت باهو بيجم الزوجة الأثيرة لشجاع الدولة حاكم مدينة أوذه، اتسمت باللباقة والذكاء، وكانت موضع ثقة شديدة لزوجها؛ حتى أنه ائتمنها على خزانة أمواله قبيل معركته مع البريطانيين عام 1764م، في موقعة «باكسار»، وبعد أن خسر المعركة، استمر شجاع الدولة في تحويل فائض الدخل السنوي إلى حوزة زوجته، فحوت الخزانة التي سيطرت عليها بيجم حوالي عشرين مليون روبية هندية.

وحتى بعد وفاة شجاع الدولة، عام 1775م، وتعيين ابنه آصف الدولة خليفةً له، وهو الشاب الكسول المدلّل المتهور كما تذكر المصادر التاريخيّة، ظلّت أمّه باهو بيجم هي المُسيطرة على خزانة الدولة، والتي كانت تحوي مكتسباتها ممتزجة مع أموال الدولة ونقود الضرائب، حتى أنها سيطرت على صك العملة في العاصمة فايز آباد.

كانت باهو بيجم تعلم أن كونها أرملة مُسلمة، لا يمكنها من التصرّف في هذه الممتلكات علنًا أو توزيعها؛ لذا قامت ببعض المناورات السياسية، جنبًا إلى جنب مع حماتها «صدر النساء»؛ إذ كوّنوا واحدة من ثلاثة مجموعات متساوية القوة تقريبًا في أوذه إلى جانب شركة الهند الشرقية. علمت السيدتان أن مواردهما السياسية تتمثل في وضعهما السياسي، وهو المركز الذي استخدمتاه لتجنب التخلي عن ممتلكاتهما الهائلة، والمتمثلة في الخزانة، وقد تمكّنوا من انتزاع امتياز من بين أنياب البريطانيين إبان حملة تمرّد على نهج آصف الأهوج في الحكم؛ إذ وافقا على تسليم ما يزيد عن 3% من الخزانة مقابل أن تظل بقيتها بين أيديهما دون مساس.

كان الحلف المتكون من باهو بيجم وصدر النساء من أقوى الأحلاف النسائية السياسية في زمنه؛ إذ وباستحواذهما على معظم أموال خزانة الدولة تمكنوا من تكوين مركز منافس للسلطة في شمال الهند، وفي عام 1781، سنحت لهما الفرصة بما لا يخطر على بال: وهو قتال البريطانيين أنفسهم، ومحاولة الاستقلال الذاتي.

قادت السيدتان المنبوذتان في فايز آباد تمرّدًا عُرف باسم «تشايت سينغ»، نسبةً إلى اسم مهراجا مدينة باناراس؛ إذ قامت السيدتان بنجدته في صراعه مع وارن هاستينجز الحاكم العام البريطاني للهند، كما قاموا بدفع الأموال في الخفاء للنبلاء ورؤساء القرى وزعماء القبائل لصد تجاوزات الإدارة البريطانية.

خلال التمرّد المسلّح، هاجم الثوار الذين قدّر عددهم بنحو 50 ألفًا قوّات ألكسندر هاناي مسؤول الشئون الداخلية للبلاد، مُنقضين على رجاله المُحاصرين، وقد صرّح بعضهم عن تلك الواقعة أن: «كل الضباط الذين حاولوا عبور النهر سُلبوا عتادهم وقُتلوا».

يروي المسؤول البريطاني هاناي كيف تطوّر تمرّد بقيادة الزعيمتيْن الهنديّتين حتى رفض الناس في فايز آباد إمداد موظّفيه بالطعام في الأسواق، وكيف تعطل البريد، حتى أصبح لزامًا عليه أن يرسل الرسالة الواحدة عدّة مرّات بعدّة وسائل، مؤكدًا أن هدف هؤلاء الرجال كان استئصال الإنجليز -على حد تعبيره- من هذه الأرض.

وبعد انكسار حدّة التمرد بعد سبعة أسابيع؛ جاء رد الفعل البريطاني عنيفًا؛ إذ قاموا بنهب أموال السيدتين؛ ومصادرة أراضيهم المتمتعة بإعفاء تام من الضرائب، والاستيلاء على الأموال النقدية التي ظلت بحوزة السيدتين ما يقرب من عقدين من الزمان، وتم اعتقال السيدتين دون تعذيب، وبقيتا في الحجز مدة عام كامل هو عمر المفاوضات بين المندوب السامي البريطاني ومفوضيه وبين السيدتين.

وعلى الرغم من سعي البريطانيين الحثيث للانتقام من السيدتين بسبب قيادتهما التمرّد المسلّح؛ إلا أنهما استطاعتا الحفاظ على سلطتهما وثروتهما بلا مساس حتى وفاتهما؛ إذ توفت صدر النساء عام 1796م، وقام كبير طواشيها بتوزيع ممتلكاتها على نائحيها وأصدقائها، أما باهو بيجم فقد كفلت إلى القانون الإنجليزي حماية وصيتها بعدما رأت ما حدث لأموال حماتها من تفريق. كانت وصيّتها تنصّ على تخصيص بعض الأموال لبناء مقبرتها، وتنظيم نفقات من تعولهم من المقرّبين؛ إضافةً إلى وقف كبير للمقام الشيعي في كربلاء العراق.

تاج محل ليس الوحيد.. 5 من أكثر القصور فخامة في الهند

4-الست نصرة.. نبيلةٌ سودانيّة بَنَت وطنًا لها وأدارته بنفسها

وُلدت الستّ نصرة بنت عدلان في مدينة سنار، عاصمة مملكة الفونج في السودان، وورثت مكانتها الاجتماعية من جدّها محمد أبو لكيلك القائد العسكري وأحد نبلاء مملكة «الفونج»، إلا أن مكانتها الاجتماعية هذه لم تأتِ من أبيها فحسب، فأمّها كذلك كانت من سيدات أسرة الفونج الملكية، وكانت التقاليد تقتضي نقل المكانة الملكية عبر سلسلة نسب الأم، ولذلك حازت الست نصرة على لقب «السلطانة».

Embed from Getty Images

امرأة سودانيّة

يُقال عنها أنها أعظم من بقي من نبلاء مملكة الفونج بعد أن غزتها مصر التركية بين عامي 1820-1821م، نهاية العصور الوسطى الإسلامية.

كان زائروها يقبلون الأرض بين يديها عن دخولهم مجلسها

يذكر غافن هامبلي في كتابه ما ذكره عنها الرحالة الأوروبيون من أن لها سلطة وقوّة فاقت تابعيها وغيرهم من النبلاء، ورجال السلطة كزوجها وأخيها وزوج ابنتها، حتى أن زائريها كانوا يقبلون الأرض بين يديها: «كانت قوّة هؤلاء الرجال تختفي في مجلسها؛ فتجدهم يركعون أمامها كما يفعل تابعوها، وينتظرون أوامرها وتعليماتها في صمت».

أنشأت الست نصرة مدينة «السوربية» والتي تبعد عدة كيلومترات عن النهر، واتخذتها مقرًا رئيسيًا لها يضمّ حاشيتها وأقاربها والعبيد، ووقعت السوربية على الطريق الرئيسي بين الخرطوم وود مدني وسنار والحدود الإثيوبية، وكانت إقطاعاتها تتكوّن من جزئين من الأراضي، الأول يقع بالقرب من النهر ويعتمد على مياهه في الري، والجزء الآخر يقع بعيدًا عن النهر في الضهارة – الأراضي المرتفعة.

زار العديد من الأوروبيين السوربية في عشرينات القرن التاسع عشر، وذهلوا لمساحة بيتها ومظهره، ووصفوا المدينة بأنها لم تكن مجرد مستوطنة زراعية ومركزًا تجاريًا صغيرًا فحسب؛ بل مكانًا يستريح فيه المسافرون ويقصده الموظّفون للترفيه عن أنفسهم.

جاءت نشأة مدينة السوربية تزامنًا مع التدخّل المصري التركي في شئون السودان، والتي أضرّت بطبقة النبلاء خاصةً وإقطاعاتهم التي كانوا يديرون ضرائبها، وكان لهم حق التصرف في العقارات الخاصة، ممّا جعلهم يتّجهون إلى تجارة العبيد والعاج والتي ازدهرت في ذلك الوقت على نطاق واسع، وشكّلت مصدرًا آخر لهم من مصادر الدخل، وكانت الستّ نُصرة تشكّل مع أقاربها الحفنة الباقية من نبلاء الفونجيين في ظل الإدارة التركية، إدارة تميّزت بقسوتها واستغلالها حسب المصادر التاريخيّة.

كانت الستّ نُصرة تعمل على تنمية العلاقات المباشرة مع الحكام الأتراك، بما فيهم الحاكم العام حينذاك، أحمد باشا أبو أضان، وكانت ذات شخصية مُستقلة ومكانة عالية وسيطرة ملحوظة، إلى الدرجة التي جعلت رجلًا مدّعيًا أحقيته في العرش يقصد منزلها طلبًا لدعمها، وظلت في مكانتها هذه حتى توفيت عن عُمر يناهز الستين عامًا.

حين حكم «المهدي المُنتظر» السودان وجنّد أهلها لتحقيق نبوءته!

5-النساء التيموريات.. ملِكات الظلّ وراعيات الفنون المعمارية

يعود نسب الأسرة التيمورية إلى جنكيز خان، ومؤسّسها هو تيمور قائد أوزبكي في وسط آسيا وأوائل حكامها، وكان لهذه الأسرة خاصةً باع طويل في رعاية مجالات الفنون المعمارية، ويشير غافن هامبلي في كتابه إلى حرص المؤرّخين على كتابة سِيَر النساء التيموريات المنتميات إلى مغول جنكيز خان، لما كان لهنّ من هيمنة على حياة العائلة.

سنتتبع هنا سير امرأتين من الأسرة التيمورية، نظرًا للمكانة التي احتلتاها في الأسرة التيمورية، وهما: أخت تيمور الكبرى: قوطلوغ تارخان، وزوجته الأساسية: سراي مُلك خانم.

مسجد بيبي خانم الذي أسماه تيمورلنك على اسم زوجته سراي ملك خانم

شكل النساء المنحدرات من مغول جنكيز خان الطبقة الأرستقراطية داخل العائلة، ولم تكن مسؤولياتهن تتوقف عند رعاية الأطفال كعادة غيرهن من النساء، بل وطبقًا لـ«الياسق»، وهي مجموعة القوانين التي وضعها جنكيز خان، كان على الرجال طلب المشورة من زوجاتهم واحترامها، وكان على النساء المغوليات ذوات المقام الرفيع تحمّل المسؤوليات الحكومية والعسكرية في حال غياب أزواجهن أو وفاتهم، وأن يكنّ وصيّات على الحُكم إلى أن يتم اختيار وريث من الرجال.

وفي عهد تيمور نفسه، الذي كان شديد التعلّق بأخته الكبرى، قوطلوغ تارخان، تولّت تارخان إدارة شئون الأسرة بعد وفاة والدتها؛ إذ كان تيمور يلجأ إليها من أجل الدعم حين تحيط به الأزمات؛ ويذكر هامبلي في كتابه أنها من أشارت عليه بغزو مازانداران، والقضاء على التمرّد الذي قد بدأ فيها، حتى إن وفاتها قد خلفت في نفسه جزعًا شديدًا، لما كان لها من شخصية قوية في محيط عائلتها.

كانت تارخان من كبار رعاية العمارة الدينية في الدولة التيمورية؛ فأسست المدارس والأضرحة والخاناقات من مالها الخاص، وحتى المقبرة التي دفنت فيها في سمرقند وما زالت باقية حتى الآن.

عرف عن تيمور أنه تزوج 18 زوجة، إلا أن زوجته الأساسية سراي مُلك خانم هي التي ورد ذِكرُها في سير المؤرخين. وقد دخلت سراي مُلك خانم حياته غنيمة حرب من حريم أمير حسين عام 771هـ، إلّا أن ذلك لم ينتقص من قدرها ومكانتها فيما بعد، بل كان لتزامن زواجهما وتنصيب تيمور حاكمًا على بلاد ما وراء النهر ما جعلها زوجته الأثيرة، وأضفى الشرعية على مُلكه كونها سليلة جاغاطاي بن جنكيز خان، وهو ما أتاح لتيمور أن يباشر سلطاته حاكمًا باسم السلطان سليل جنكيز خان.

كانت سراي خانم تمارس دورًا مُهيمنًا في حياة العائلة؛ إذ لم تتوقف سلطاتها عند تحضير مآدب الطعام والاحتفالات في المناسبات العائلية، بل وصلت إلى أنها أشرفت بنفسها على نقل غنائم حربه إلى سمرقند، أثناء حملته على الغرب عام 806هـ، وكانت سراي هانم تتولّى تربية ورعاية أبناء تيمور من زيجاته الأخرى، إذ كان هناك تقليد في العائلة التيمورية بأن يكفل الأطفال أم بالتبني لتعليمهم وهم صغار قبل الالتحاق بالجيش، وكانت خيمتها الخاصة مفروشة بأنفس غنائم الحرب التي ظفر بها تيمور من غزواته الكثيرة؛ إذ كان دور سراي مُلك خانم وصيّةً على قافلة غنائمه يُتيح لها فرصة أن تنتقي لنفسها ما يروق لها من هذه الغنائم، وكان لها ثروة كبيرة تعود إلى عادة المغول اشتراك النساء ذوات القدر العالي في التجارة.

وكعادة النساء التيموريات كان يوكل لها بشئون العِمارة والبناء، ويعود الفضل لها في بناء مدرسة ومقبرة في القطاع الشمالي من سمرقند، ومن أكثر المباني التي أنشأتها توثيقًا كانت تلك المدرسة التي تقع في الجانب الآخر من بوابة المسجد الرئيسية، والتي كان تصميمها وزخرفتها مرتبطين بتصميم هذا المسجد وزخرفته.

التاريخ غير المحكي عن جنكيز خان

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!