«لقد احتاج إلى الدم للتوقيع على كل لوحة من لوحاته: دم والدي، ودم أخي، وأمي، وجدتي، ودمي. كان بحاجة إلى دماء أولئك الذين يحبونه… لقد كان يخضعهم لميوله الحيوانية، يروضهم، يسحرهم، يبتلعهم، ويبصقهم على قماش لوحاته، بعد أن يقضي الليالي يمتص جوهرهم، وبمجرد أن يصبحوا كالجماد بلا روح، يتخلص منهم». *مارينا بيكاسو عن بابلو بيكاسو.

ربما يظن البعض أن توصيف مارينا لعلاقات جدها الأكبر بابلو بيكاسو قاسٍ بعض الشيء، نعم لقد تزوج مرتين بالرغم من أنه كان لديه عدة عشيقات، واستخدم تقريبًا كل النساء اللاتي عرفهن في حياته بوصفهن عارضات للوحاته واستنفذهن عاطفيًّا قبل أن يستنزفهن فنيًّا، نعم أغلب أحبائه انتهى بهم الأمر بالاكتئاب أو بالانتحار أو الاثنين، وألقوا اللوم عليه. حسنًا ربما لم تبالغ مارينا، لكن هل حقًّا هذه هي قصة بابلو بيكاسو مع النساء في حياته؟

نساء كثيرات حول الفنان.. ولكن

مثله مثل لوحاته، كان لبابلو سحر يخطف الأنظار، شخصية الفنان العبقري لم تستطع عديد من النساء مقاومتها، حتى وإن كان الفارق في السن يتخطى الأربعين عامًا. إلا أن أغلب نهايات علاقات بابلو كانت نهايات سيئة، بل وصلت أحيانًا للانتحار. نعرض لكم ستة من أكثر النساء تأثيرًا في حياة الفنان الإسباني، قصصهن معه وظهورهن في فنه، وكيف استخدمهن عارضات في لوحاته، وكيف انتهى بهن المسار.

1. فيرناندي أوليفيه.. السر وراء الفترة الزهرية في حياة بيكاسو

كانت فيرناندي أوليفيه السبب في  انتهاء فترة بيكاسو الزرقاء، تلك الفترة الأكثر كآبة في مسيرته الفنية، وكانت الإلهام خلف فترته الزهرية وبدايات التكعيبية.

فيرناندي أوليفيه والتي كان اسمها أميلي لانج، عاشت حياة صعبة قبل لقاء بابلو، فقد عانت من طفولة مريرة اضطرتها أن تتزوج من زوج مسيء للهروب من عمتها المستبدة. في التاسعة عشرة من عمرها هربت أميلي إلى باريس وغيرت اسمها تاركة خلفها زوجها وحياتها القديمة، وفي باريس التقت بابلو وأصبحت عارضته وعشيقته في 1904.

لوحة Les Démoiselles d’Avignon

أنتج بيكاسو أكثر من 60 لوحة عن فيرناندي يعد أشهرهم (Les Démoiselles d’Avignon 1907) و (Head of a Woman Fernande 1909). انتهت العلاقة بينهما في 1912 عندما أصبح بابلو أكثر شهرةً ونجاحًا، فتحول لشخص مضطرب لدرجة أنه كان يحبس فيرناندي في غرفتها عندما يخرج من المنزل، ومع خيانة الطرفين بعضهما لبعض كان الانفصال هو الحل المناسب.

بعد أن تركت بيكاسو؛ عملت فيرناندي في وظائف عديدة، وقررت أن تنشر مذكراتها «Picasso et ses amis» في 1933، الأمر الذي أغضب بيكاسو وقرر أن يرسل لها معاشًا، لتكف عن نشر المزيد من التفاصيل الحميمة التي كانت بينهما، فوافقت فيرناندي ولم تُنشر المذكرات إلا عام 1988 بعد وفاة الاثنين.

2. أولجا خوخلوفا.. عصر الدوقة!

زوجة بابلو الأولى، راقصة باليه روسية التقاها بابلو حينما كان يصمم الملابس والمسرح لفرقتها. وقع بابلو في غرامها وتزوجها في 1918 لينجب منها ابنه الأول باولو. ذهبت معه إلى برشلونة حتى تلتقي بأسرته، ونجد بابلو يرسمها بملابس إسبانية مثل لوحة Portrait of Olga in an Armchair (1918)  في محاولة منه لإقناع أمه بها، لأنها أرادت أن يتزوج من إسبانية.

بابلو مع أولجا

انتقل بيكاسو فنيًّا مع أولجا لمرحلة جديدة وبدأ يتوسع لما بعد التكعيبية ويدمجها بأشكال أكثر واقعية، وبعد ولادة ابنهما استكشف بابلو في لوحاته موضوعات جديدة مثل الأمومة والأسرة.

وصف جان كوكتو، الشاعر الفرنسي وصديق بابلو، فترة زواج بابلو وأولجا بـ«حقبة الدوقة»، في إشارة منه لتطلعات أولجا في حياة راقية بمكانة اجتماعية عالية. وظهر ذلك في عدم رغبتها في الظهور في لوحات زوجها بالطريقة التكعيبية، لكن بمظهر راقٍ وأكاديمي جذاب.

على الرغم من ولادة باولو، فإن بيكاسو أبقى على علاقاته النسائية، بل بدأ علاقات جديدة مثل علاقته بماري تيريز والتر، وعلى الرغم من طلب أولجا للطلاق، مما كان سيعني أن يقاسمها بابلو نصف ممتلكاته، فإن بابلو رفض، وظلت أولجا رسميًّا، ورغم انفصالهما، زوجة لبابلو حتى وفاتها عام 1955 بالسرطان.

3. ماري تيريز والتر.. العشيقة التي أحبته بجنون وانتحرت بعد وفاته!

كان في الخامسة والأربعين من عمره وكانت في السابعة عشرة من عمرها، لم يكن افتتان بابلو بجمالها افتتانًا شهوانيًّا بقدر ما تعجب من كيف أنه كان قد رسم بالفعل منحنياتها وشكل جسمها بوصفه الشكل المثالي لجسد الأنثى ولجسم المرأة المثالية. وعلى الرغم أنه كان متزوجًا من أولجا فإن بابلو لم يستطع منع نفسه من الوقوع في غرام ماري.

لوحة Le Rêve (1932)

بعد فترة من علاقتهما الغرامية بدأ بابلو برسم الأحرف الأولى من اسميهما في لوحاته سرًّا، ومع العام 1930 أخذت العلاقة منحى أكثر علانية، فبدأ بيكاسو يجسد منحنيات ماري بطريقة أكثر عاطفية في لوحاته ومنحوتاته. وفي 1935 أنجبت ماري ابنة بابلو الأولى مايا، والتي ظهرت في عديد من لوحاته.

ماري نفسها ظهرت بشكل جلي وواضح في (Vollard Suite 1930-1937) وهي مجموعة الرسومات الكلاسيكية الحديثة الشهيرة، كذلك لوحة (Le Rêve 1932) الشهيرة بألوانها الزاهية.

ترك بابلو ماري من أجل دورا مار، المصورة الفرنسية، حوالي سنة 1944، لكن قلب ماري تيريز والتر ظل معلقًا ببيكاسو، فبعد أن علمت بوفاته قررت الانتحار وكان ذلك عام 1977.

4. دورا مار.. ضحية بإرادتها!

كانت دورا مار مصورة سريالية وناشطة سياسية مناهضة للفاشية، التقت بيكاسو عندما كان على علاقة بماري، وبدأ التعاون بينهما في فترة الحرب العالمية الثانية، عندما قاما بتجربة التصوير الفوتوغرافي مع الرسم.

يمكن رؤية أثر مار في أعمال بابلو في استخدامه الزوايا القاسية والأشكال المفككة والألوان الجريئة، كذلك إنتاجه لفيلم (Weeping Woman 1937) والذي كان تصريحًا سياسيًّا.

بابلو استخدم مار لتمثيل شخصيته في العديد من اللوحات والرسومات، كما صورت مار عملية رسم لوحة بابلو الزيتية الشهيرة (Guernica 1937) والتي صورت مفاجع الحرب.

لوحة( Weeping Woman 1937)

لكن العلاقة بين بابلو ودورا كانت سامة، فكان بابلو مسيئًا جسديًّا وعاطفيًّا، ويستخدم الغيرة بين دورا وماري، فيقارن بينهما وبين شخصياتهما المتناقضة. فيقول بابلو «بالنسبة لي هي المرأة الباكية. لسنوات كنت أرسمها بأشكال معذبة، ليس من خلال السادية ولا بسرور أيضًا؛ مجرد طاعة لرؤية فرضت نفسها عليّ. لقد كانت الحقيقة العميقة، وليس السطحية».

بحلول عام 1946، ذهبت دورا وبيكاسو إلى طريقهما المنفصل، مما تسبب في إصابتها بانهيار عصبي وانعزلت عن العالم. لاحقًا لجأت دورا إلى المذهب الكاثوليكي، وأدلت بتصريحها الشهير «بعد بيكاسو، الله وحده».

5. فرانسوا جيلوت.. المرأة التي ثارت على بيكاسو المُسيء

علاقة بيكاسو بفرانسوا كانت جزءًا من أسباب دمار علاقة بابلو ودورا، الفنانة ابنة الواحد والعشرين عامًا، التقت بيكاسو عام 1943 ومع انتهاء علاقة بيكاسو بدورا مار انتقل بيكاسو وفرانسوا للسكن معًا وأنجبا ابنًا وابنًة.

بابلو مع فرانسوا

أعمال بيكاسو في هذه الفترة اتخذت الأسرة موضوعًا لها، وأظهر بيكاسو فرانسوا في لوحاته وتماثيله في هيئة ورود، وتعد أشهر أعماله التي تظهر فيها فرانسوا (Femme Debout). لكن العلاقة بينهما لم تدم طويلًا، فلم تستطع جيلوت تحمل  إساءة معاملة بيكاسو لها وعلاقاته المتعددة. فتركته عام 1953 وكتبت كتابًا عن علاقتهما، مما أغضب الفنان الذي تبرأ من أطفالهما. 

6. جاكلين روك.. الزوجة الأخيرة!

كان بيكاسو قد أتم عامه الواحد والسبعين، وكانت جاكلين ابنة الستة والعشرين حينما بدأت العلاقة الرومانسية بينهما. وبعد وفاة أولجا خوخلوفا بست سنوات في عام 1961، تزوج بابلو بيكاسو من جاكلين روك وبقيا سويًّا حتى وفاة بابلو سنة 1973. وقد اشتعلت الحرب بين جاكلين وبين فرانسوا بعد وفاة بابلو، حين رفضت جاكلين حضور فرانسوا وأبنائها الجنازة، ورفضت التخلي عن إدارة كل ممتلكات بابلو، لكن بعد فترة تصالحتا وسويًّا أسستا متحف بيكاسو الموجود في باريس.

وبعد 13 عامًا من موت زوجها، قررت جاكلين الانتحار للحاق بحبيبها، فأطلقت الرصاص على نفسها في 1986.

لوحة Buste de Jacqueline (1964)

بالنسبة لظهور روك في فن بيكاسو فقد رسمها أكثر من 160 مرة وظهرت في أكثر من 400 عمل، إلا أن هذا الظهور كان أكثر رمزية وتجريدًا؛ إذ كان تركيز بابلو في هذه الفترة على التجريد وخلط العناصر الثقافية والفنية سويًّا لإخراج منتج متكامل. ومن المهم ذكر كيف أن جاكلين كانت تذكر بابلو بإحدى فتيات لوحة (The Women of Algiers 1834) للفنان الفرنسي يوجين ديلاكروا، فألهمت بابلو وجعلته يقدم أعمالًا فنية مشابهة لتحفة ديلاكروا.

علوم

منذ 3 سنوات
«إديسون» لص اختراعات و«فورد» ملهم هتلر.. الوجه المظلم لشخصيات أضاءت العالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد