الحرب للرجال، يفوز بها رجال، يُهزم فيها رجال، يموت ويحيا فيها جنود رجال، تنفيذًا لأوامر قادة رجال. هذا هو المشهد الذي يخطر على البال كلما ذُكرت كلمة حرب، أو رأينا فيلمًا يحكي عن ملحمة حربية، لكن السؤال هنا: ألا توجد النساء في الحرب؟

إذا كانت عيناك تريان الحرب ساحة المعركة فقط، فسوف تجد النساء على هامش تلك المعارك يعملن على تضميد الجرحى، وإعداد الطعام لجنودهم من أجل الاستمرار في القتال. لا نقصد هنا أن التمريض والطهى أعمال أقل شأنًا، لكن إذا حرّكت عينيك قليلًا إلى الداخل، إذا أدركت للحظة أن الحرب تتضمن خطتين: الأولى الوصول إلى ما خلف خطوط العدو. والثانية الحفاظ على ما هو داخل حدود الوطن؛ هنا ستكتشف جبهاتٍ عديدة كانت تقاتل عليها النساء.

على سبيل المثال: فإن أكبر عملية إنزال بحري في التاريخ: إنزال نورماندي، لم تكن لتتم لولا جاسوسات بريطانيّات، عملن على دعم المقاومة الفرنسية. كتاب «فتيات يوم الإنزال» للمؤلفة سارة روز، وكتاب «الاسم الحركي: ليز» للمؤلف لاري لوفتيس يؤكدان تلك الحقيقة. «فتيات يوم الإنزال» يروي مدعمًا بالوثائق قصة خمس فتيات كوّن وكالة العمليات الخاصة عام 1940. مهمتهن كانت إشعال لهيب الثورة والحنق الداخلي في البلدان التي احتلتها ألمانيا النازية.

لكونهن أقل إثارةً للشبهات من الجواسيس الذكور، استطعن التنقل بين البلدان بحرية أكبر من أقرانهم الذكور؛ ما جعل قدرتهن على إيصال الرسائل أسرع، ووجود أجهزة راديو في حوزتهن أمرًا أقل خطورة. نجحت الفتيات الخمس في تجنيد الكثير من المخبرين استعدادًا لإنزال نورماندي.

هذه المرأة أوقفت حربًا أهلية

إذا أدرت رأسك للجهة المقابلة من الكرة الأرضية فسوف ترى أن المرأة لا تحب الحرب، أجل تشارك فيها إذا وقعت، لكن جهادها الأكبر يتجلى في محاولاتها أن لا تنشب هذه الحرب.

خلال الحرب الأهلية الليبيرية الثانية التي كانت قد نشبت عام 1999 حاصر عدة نساء القصر الرئاسي، ورفضن السماح للرئيس، أو ممثليه، بالخروج من قاعة الاجتماعات لأي سبب حتى يخضع الساسة لمطالبهن. قائدتهن كانت ليما غبوي، ناشطة ليبيرية رأت الحرب الأهلية تأكل بلادها، فقررت أن تتخذ موقفًا. كونت ليما اتحادًا غير مسبوق مع النساء المسلمات، وبدأت النساء تخرج في مسيرات أسبوعية بالآلاف للمطالبة بالسلام، وارتدين الملابس البيضاء، وأغطية بيضاء للرأس، أو أربطة بيضاء للشعر.

اضطُر الرئيس بعد استمرارهن في الاحتجاج إلى الجلوس معهنّ للحديث، وبدأن سويًا جلسات تفاوض أُجبر فيها ممثلي جميع الأطياف للجلوس سويًا. وعندما علمت النساء أن المفاوضات قد أُوقفت تجمهرن حول القصر الرئاسي، ومنعن خروج أو دخول أحد. وإذا حاولت الشرطة اعتقالهن كان يُهددن بخلع ملابسهن، إذ يجلب خلع المرأة لملابسها في العلن بسبب اضطهاد رجلٍ لعنةً للرجل، وسوء طالع يحيط به لا يفارقه، وذلك بحسب التقاليد الليبيرية.

وبالفعل كانت حركة ليما ورفيقاتها سببًا في اضطرار الرئيس للاستقالة ونفيه خارج البلاد، وتم توقيع معاهدة سلام تشكلت على إثرها حكومة انتقالية. فيما بعد حصُلت ليما على جائزة نوبل للسلام عام 2011.

إذا حذفت اسم ليما غبوي من الفقرات السابقة سترى أن الفقرة بلا اسم للرئيس فيها، ولا تاريخ مُحدد، لأنها تنطبق على قصة مليون امرأة أخرى منعت حربًا بطريقتها، ما وصل للأضواء من تلك القصص هو قمة الجبل الجليدي فحسب، ولعلّك تعرف قصةً على الأقل من تلك القصص المغمورة تحت سطح التاريخ.

النساء يؤمنّ البلاد ويذهبن للحرب أيضًا

في الحرب العالمية الثانية قُتلت 2 مليون امرأة، لكنّهن لم يُقتلن في منازلهن ينتظرن عودة أزواجهن؛ بل طالهن القصف أثناء مشاركتهن في الأعمال الحربية المختلفة مثل بناء السفن والطائرات، وصناعة الأسلحة والذخيرة، وقيادة شاحنات الدعم اللوجيستي. وحُرقت 2 مليون امرأة أخرى في المحارق النازية.

لكن 400 ألف امرأة قررن الذهاب للموت بدلًا عن انتظاره، فدخلن في الصفوف الأمامية ضمن القوات المسلحة التابعة للولايات المتحدة. تلك المشاركة هى التي أجبرت الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب على إقرار قانون الدمج عام 1948 الذي يسمح للمرأة بالتواجد رسميًا ضمن الجيش الأمريكي.

سبقت الكنديّات رفيقاتهن الأمريكيات في الدخول لمعترك الحرب المباشرة. ففي أواخر عام 1938 بدأت الكنديات حملة تطوعية للمشاركة في القتال ضمن جبهات منزلية تدافع عن البيوت الخاوية، وتمنع تقدم العدو عبر الأراضي الكندية. حين أقرت كندا التجنيد النسائي جعلت السن القانوني للتجنيد 18 عامًا في حين جعلته الولايات المتحدة 21 عامًا. ذلك الفارق جعل كثيرًا من الأمريكيّات يذهبن لكندا من أجل التجنيد مُبكرًا. كذلك أشارت الإحصائيات اللاحقة أن كثيرًا من الكنديات الصغيرات كذبن بخصوص أعمارهن للدخول إلى التجنيد.

لكن يبدو أن كون النساء يشاركن الرجال الموت بالرصاصات نفسها لم يكن مقنعًا كفاية لواضعي الميزانيات الحربية كي يساوين الرجال بالنساء في الأجور. فدُفع للنساء في البداية 60% من مرتبات الرجال في الرُتبة نفسها، ومع بروز قدراتهن وتأثيرهن ارتفع الراتب لأربعة أخماس مرتب الرجل. كذلك اضطرت النساء في المنازل لخفض نصيبهن من الحصص الغذائية ليتوفر غذاء كاف للجنود.

تجلى هذا الفعل في فنلندا خلال حرب الشتاء عام 1939، بعدما استنزفت الحرب غالبية الرجال في حرب ساحقة ضد الجيش الأحمر السوفيتي تجاوز المليونيّ مقاتل. فكان على النساء مهمة توفير الطعام منذ لحظة زراعته حتى وصوله لأفواه الجنود. أيضًا كان عليهن تأمين البلاد وعدم السماح للروس بالمرور منها قدر الإمكان، بجانب المُعتاد من تضميد الجرحى ورعاية المصابين ودفن الجثث المتجمدة. الجيش الروسي ذاته كانت تخدم فيه آنذاك 800 ألف امرأة معظمهن في الخطوط الأمامية، إلى جانب 300 ألف في سلاح المدفعية المضادة للطائرات.

في البدء كانت آلهة الحرب.. نساء

الجيش الألماني القوي كان ضمن صفوفه ما يزيد عن نصف مليون امرأة في القوات النظامية، وعملت 400 ألف امرأة في سلاج الجو الألماني متطوعات. وتجلت حقيقة فضل المرأة الألمانية في تسيير أمور البلاد عام 1945 حين قالت الإحصاءات أن 85% من الأعمال المدنية باتت تقوم بها النساء.

على الجهات الأخرى التي تحتلها ألمانيا كانت المرأة على الخطوط الأمامية من القتال مثل بولندا، وانتفاضة وارسو عام 1944 التي كان قوامها الأساسي؛ النساء حاملات السلاح. على رأس المقاتلات البولنديات كانت واندا جيرتز التي أنشأت وحدةً خاصةً أسمتها «وحدة التخريب النسائية».

تلك التواريخ التي تدور أغلبها في القرن العشرين قد تخدع بأن مشاركة النساء في الحروب أمر حديث، لكن ألم تقاتل النساء في الماضي؟ قديمًا، ربما قبل اختراع التدوين، كانت الآلهة القديمة تنقسم إلى ذكور وإناث. الآلهة الإناث كن يُرسمن دائمًا في ثياب محاربة، وتصور في جسد امرأة تتسامى فوق جسد النساء الطبيعي لتمتلك جسدًا قويًا وصلبًا كمقاتلة شرسة.

في القرن السابع عشر قبل الميلاد كانت إياح حتب قد أخضعت الجيش المصري القديم لها، وأخضعت كل من تحدّاها. كذلك في فترة القرن الثالث عشر الميلادي الزمان المُفترض لحرب طروادة، تقول السجلات إن هذه الحرب كانت أول حرب تلبس المرأة فيها لباسًا خاصًا مشابهًا لملابس الرجال لتخوض الحرب جنبًا إلى جنبٍ معه.

بعد أن ارتدت المرأة الملابس العسكرية لتشابه الرجال في قرون ما قبل الميلاد، وحين صارت شريكًا له في قرون ما بعد الميلاد، حملت الألفية الثانية أخبارًا سارةً للنساء المقاتلات. إذ شهدت ترقية عددًا من النساء لمناصب قيادية في الجيوش المختلفة. أصبحت هيكارو سايكي أول أميرال ولواء بحري في تاريخ القوات اليابانية. وقادت روني زوكرمان عام 2001 أول مقاتلة جوية لها لتصبح أول امرأة كطيار مُقاتل في إسرائيل. كما أصبحت يانج سونج سوك أول جنرال أنثى في تاريخ الجيش الكوري الجنوبي عام 2002.

لكن.. ألم تحارب نساء العرب؟

يبدو الأمر غربيًا بعض الشيء، أليس كذلك؟ كل القصص السابقة تدور في النصف الآخر من الكرة الأرضية، فماذا عن النصف الذي نحن فيه؟

في شمال المغرب وُلدت «السيدة الحرة» حاكمة مدينة شفشاون في القرن الخامس عشر الميلادي. تولت الحكم بعد وفاة زوجها، وصارت قائدة الجهاد في الشمال المغربي ضد البرتغال والإسبان. لم ينتصر الإسبان عليها، وزرعت الرعب في قلوبهم، فأطلقوا عليها بربروسا التطوانية، نسبةً إلى خير الدين بربروس أكبر قادة الأساطيل العثمانية.

كتاب «مكة: المدينة المقدسة» للباكستاني البريطاني ضياء الدين سردار يروي قصة الأميرة غالية البقمية، التي جمعت قبائل البدو والوهابيّة في شرق مكة متحديةً سلطة الدولة العثمانية، متمثلةً في جنود محمد علي باشا الذين كانوا في طريقهم إلى مكة للسيطرة عليها. أخفت غالية خبر وفاة زوجها، وظلت تُصدر الأوامر بلسانه، وتجتمع بكبار القبائل، وشيوخ البدو، حتى كونت جيشًا استطاع منع جنود محمد علي من التقدم.

وفي الجزائر شاركت 11 ألف امرأة في حرب التحرير الجزائرية. حصدت بعضهن الشهرة الواسعة مثل جميلة بو حريد وجميلة بو باشا. كذلك كانت المرأة حاضرةً بقوة في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بين الجيش المصري وإسرائيل. بالرغم من أن تلك البطولات تفتقر إلى التوثيق المناسب والإحصاءات الدقيقة، إلا أن بعض الأسماء والبطولات ترددت على ألسنة الضباط المشاركين في الحرب.

يروى بعضهم عن «السيدة مريم» التي تم تكليفها لرصد حجم القوات الإسرائيلية في وسط سيناء وتأمين الطرق للفدائيين. أيضًا ورد اسم «السيدة فهيمة» كأول سيدة من سيناء يتم تجنيدها من المخابرات الحربية لرصد المواقع الإسرائيلية على الضفة الغربية، ومعرفة نوع السلاح، وعدد القوات الموجودة على خط بارليف. كذلك يشتهر اسم فرحانة سلامة في الأوساط السيناوية بوصفها امرأة جريئة تحدت الإجراءات الأمنية المشددة، وأصرت على نقل الرسائل من القادة في القاهرة إلى الضباط في سيناء.

الكرة الأرضية الآن أمامك دائرة متحركة على مكتبك، أو خريطة العالم تمتد في لوحةٍ تعليميةٍ بخيالك، انظر فيها حيثما قامت حرب، قرّب الصورة واسأل محركات البحث عن دور المرأة في تلك الحرب؛ فسوف تجد أن المرأة قد خاضت حروبًا هي الأخرى، مثلها مثل الرجال، وربما إلى جانبهم.

المرأة

منذ 6 شهور
«واشنطن بوست»: هل يعم السلام العالم لو حكمته النساء؟ هذا ما تقوله الأبحاث

المصادر

تحميل المزيد