ميرفت عوف 4
ميرفت عوف 4

4,503

لم تنس بعد الذاكرة المغاربية حادثة مقتل بائع السمك «محسن فكري» «المطحون» في العام الماضي تحت شاحنة جمع النفايات في الحسيمة أثناء مصادرة بضاعته، حتى فاق هؤلاء قبل يومين على خبر مقتل 15 امرأةً من أجل «الطحين»، ليبدو أن الملك المغربي، شديد اللهجة عند التوعد بمحاربة الفاسدين، يحكم «بلد لا يحتدا به للإصلاح، عكس ما يدعي» بحسب تعبير هيومن رايتس ووتش، الأمر الذي جعل المغرب يبدو بلدًا ذا ثروة كبيرة، لمواطنين يعانون الفقر والحرمان والتهميش والإقصاء واللامساواة، في نظر بعض المراقبين.

فقراء المغرب.. الموت تحت «قفة غذاء»

في الثامن من الشهر الحالي، اعتقد العالم أن المواطن المغربي ينتشي فرحًا وهو يراقب إرسال بلاده قمرًا صناعيًّا بتكلفة 500 مليون يورو إلى الفضاء، كذلك يظن أن هذا المواطن فرح بإعلان وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية أن المغرب أنتج العام الماضي محصولًا قياسيًّا من الحبوب يصل إلى 102 مليون قنطار، أي بارتفاع 203% بالمقارنة مع الموسم الفلاحي السابق، وحسب الأرقام الحكومية فإن إنتاج المملكة الآن يصل إلى 49.9 مليون قنطار من القمح الطري، و23.3 مليون قنطار من القمح الصلب، و28.9 مليون قنطار من الشعير.

وعند «القمح» الموزع كطرد غذائي قبل يومين في منطقة سيدي بولعلام، في مدينة الصويرة ستُهدم الاعتقادات السابقة؛ إذ إن هذا المواطن رأى مشاهد تحمل واقعًا يخالف ما سبق ذكره من إنجازات، واقعًا مثله مقتل 15 امرأة بالتدافع أثناء محاولتهن الحصول على المعونات الغذائية، فتلك النسوة اللواتي لم تشملهن رقعة «العدالة في توزيع الثروات»، تجمعن قبل ليلة من موعد التوزيع من إقليم الصويرة وإقليم شيشاوة في منطقة سيدي بولعلام، في مكان حددته «جمعية أغيسي الخيرية»، وكان عددهن كبيرًا جدًا (حوالي 2000 امرأة).

المغربي محسن فكري (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

دفعت أزمة الفقر في «الصويرة» النساء إلى المخاطرة بأرواحهن للاستفادة من قفة مواد غذائية لا يتجاوز ثمنها 150 درهمًا مغربيًّا، وسافرن أميالًا من القرى النائية لأنهن يعانين من الحرمان، وكما ذكر تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية: «لا يمكن أن تخفى الظروف الصعبة التي يعيشها المغاربة في المناطق القروية والهامشية مثل منطقة سيدي بولعلام التي شهدت الحدث المأساوي، وقالت إن ما يقارب 19% من سكان البوادي يعيشون في الفقر، ويعيش نحو 15,5% من المغاربة على نحو ثلاثة دولارات في اليوم، أي أقل من 30 درهمًا».

على النقيض، كان هناك من لم يرحم فقيرات المغرب في نظر البعض حتى وهن موتى، فتارة توكل الاتهامات للجمعية التي تعمدت تصوير عملية توزيع الأكياس، وتارة تصفهن صحيفة «إلموندو» الإسبانية بالحمقاوات اللاتي يتدافعن من أجل المؤونة الغذائية، فهن ركضن من أجل لقمة العيش وكأنهن في «حالة مجاعة»، بحسب تعبير الصحيفة.

أين الثروة؟

أين الثروة؟ كثيرًا ما أصبح المغاربة يطرحون هذا التساؤل، حتى أن الملك تساءل أيضًا: «كيف يمكن للأغنياء أن يستفيدوا من النمو المتحقق فيما يبقى الفقراء في الحرمان والتهميش؟»، وهو تساؤل تكرر حتى أصبح شعارًا للاستهلاك الخطابي.

ما يجعل هذا التساؤل حاضرًا في الكثير من المناسبات هو أن المغرب يمتلك من المقومات التي من المفترض أن تجعله الأول إفريقيًّا من حيث نسبة الجلب اقتصاديًّا وسياحيًّا واستثماريًّا، ويمكنه أيضًا أن يكون ضمن الأربعين في التصنيف الاقتصادي العالمي في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال (Doing Business)، بحسب العديد من المراقبين الاقتصاديين.

فحتى تقرير الثروة الإجمالية للمغرب الذي صدر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبنك المغرب، قبل أيام، بناءً على توجيهات ملكية، وبالرغم من أنه «لا يقدم إجابات شافية عن سؤال: أين الثروة؟» كما يقول رئيس مجلس إدارة صحيفة «Les Inspirations ECO» المغربية، سمير شوقي، إلا أن التقرير قدر القيمة الإجمالية لثروة المغرب، بأنها «بلغت أكثر من 12 تريليونًا و833 مليار درهم خلال عام 2013، وهو ما يفوق تريليون دولار»، فهذا المبلغ الضخم إذا ما تم توزيعه على المغاربة، فسيكون من نصيب كل مغربي نحو 320 ألف درهم، الأهم أن التقرير يؤكد أن «الثروة الإجمالية للمغرب ارتفعت بما يفوق الضعف خلال الفترة ما بين 1999 و2013، بعدما كانت في 1999 في حدود 5 تريليونات و904 مليارات درهم».

صيد الأسماك في المغرب.

يمكننا التفصيل أكثر عند الاستعانة بأمثلة تظهر حقيقة الثروة المغربية، فنسبة الأراضي الصالحة للزراعة من مساحة المغرب تقدر بـ17,79%، أي أن المساحة الصالحة للزراعة بالمغرب ارتفعت إلى 7,8 مليون هكتار، وهي مساحة تمنح فرصة لأن يصبح القطاع الزراعي في المغرب المحرك الرئيسي للتنمية السوسيو- اقتصادية، وذلك بإمكانية إنتاج داخلي خام يناهز 19%.

ويمكن هنا دمج الحديث عن تميز الثروة البحرية المغربية التي تتميز بتنوع كبير بفضل امتداد المغرب على طول 3500 كم من السواحل، حيث يتوفر على ما يقرب من 500 نوع من الأسماك، إلا أن هذه الثروة لا يلمس خيرها المغاربة، بسبب نيل السفن الأجنبية حصة الأسد من التجارة البحرية بالمملكة، ويظهر تقرير مديرية الدراسات والتوقعات المالية في المغرب، أن هناك «تراجعًا مهولًا في الأسطول المغربي المخصص للتجارة البحرية، على امتداد عقدين من الزمن، عكس التجارة البحرية العالمية التي تعرف نموًا»، حيث يمتلك الأسطول التجاري البحري المغربي 14 سفينة تجارية فقط، الأمر الذي أفسح المجال أمام السفن التي تعود ملكيتها للأجانب الذين باتوا يتحكمون في 93% من النقل التجاري البحري.

إنتاج الفوسفات في المغرب.

وانتقالًا إلى ما يمكن أن تنتجه المغرب على مستوى العالم، يعد هذا البلد العربي من بين المصدرين الأوائل للفوسفات، فوحده يستحوذ على ثلث السوق العالمية من مشتقات الصخور النفطية، ويتميز فوسفات المغرب -الذي لا يلمس المغاربة أثر عائداته المالية الضخمة- بجودة عالية تنافس أهم الدول المنتجة، وبالرغم من أن تقرير المكتب الشريف للفوسفات المغربي يظهر أن المملكة «حصلت على إيرادات من تصدير الفوسفات للخارج في سنة 2016، تبلغ 42.471 مليون درهم، أي ما يقارب 4.2 مليار دولار»، إلا أن صحيفة «نورثيرن مينر» الأمريكية، تشكك في أرقام أرباح الفوسفات المغربي المعلنة، إذ من الصعب الاطلاع بشفافية على الأرقام الحقيقية لأرباح الفوسفات، فالشركة المغربية لا تدرج معاملاتها المالية في البورصة.

أمام أعين الحكومة.. الفساد نهب خيرات المغرب

يتهامس العديد من عامة المغاربة فيما بينهم عن تجار مخدرات وفاسدين قضوا عقوبات في السجن، ثم أصبحوا برلمانيين، ويقولون أيضًا إن هناك منتخبين يمتلكون المليارات من أموال الشأن العام دون حسيب ولا رقيب.

امرأة مغربية

تشير بعض التقارير إلى أن الحكومة المغربية خلقت نموذجًا من الفاسدين تمكنوا من تكوين مجموعات مالية تحميها السلطة السياسية؛ بل وتلبي احتياجاتها، فهناك «فئة اجتماعية قليلة مقربة من دوائر القرار السياسي في المغرب هي الوحيدة التي استفادت من الثروة التي أنتجتها المملكة في العشرية الأولى للقرن الـحادي والعشرين، فيما لم يتم توزيع هذا الكم من الإنتاج بشكل عادل بين كل فئات المجتمع»، حسب التقارير المغربية.

بالأرقام، يظهر تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر في عام 2016، أن المغرب «بلد لا يحتدا به للإصلاح، عكس ما يدعي»، فيما هو لا يتسامح مع المعارضين، خاصةً في الريف المغربي، ولا يفعل شيئًا لمحاربة الفساد، ومجابهة السلطوية والرشوة، فحسب منظمة الشفافية الدولية «المغرب راوح مكانه في مؤشر الفساد، إذ لم يحقق أي تراجع عما كان عليه في عام 2014».

يمكننا الحديث مثلًا عن الرشوة في المغرب، فهي متفشية كظاهرة في العديد من القطاعات الحكومية الحساسة في المغرب، من بينها الصحة والتعليم والشغل، ويظهر تقرير منظمة الشفافية الدولية أن الرشوة في المغرب لا تزال في ارتفاع مستمر، وذلك بعد ارتفاع مؤشراتها، لتحصل المغرب على 37 نقطة على 100 في مؤشر الرشوة لسنة 2016، مسجلة تراجعًا بنقطتين مقارنة مع السنة الماضية، كما يظهر التقرير تفشي ظاهرة المحسوبية، وضعف الحكامة في تدبير الشأن المالي العام.

وتعد واحدة من أخطر قضايا الفساد التي يعاني منها المغرب أيضًا، هي تهريب الأموال خارج المملكة، إذ ضيع هذا البلد 41 مليار دولار في 10 سنوات فقط، ويظهر تقرير منظمة النزاهة المالية العالمية أن «حجم الأموال التي تم تهريبها من المغرب إلى الخارج، خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 2004 و2013، فاق 41 مليار دولار أمريكي»؛ مما يعني أن تلك الأموال التي تكون وجهتها الأولى سويسرا تتزايد بمعدل 11.5% سنويًّا، ليصبح أكثر من 30% من الثروات التي تمتلكها الأسر الغنية في المغرب بحسابات في بنوك سويسرا وبريطانيا.

صورة تعبيرية عن الرشوة في المغرب.

وتساعد ثغرات قانونية المهربين على الاستمرار في تهريب الأموال المغربية إلى الخارج، كضعف المراقبة الجمركية، التي تسهل عملية التزوير والتلاعب بفواتير الصادرات والواردات، وتقصير رقابة مكتب الصرف والمجلس الأعلى للحسابات في التحقيق بالجرائم المالية، وتشديد المراقبة الجمركية.

يقول أستاذ الاقتصاد بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، عبد الخالق التهامي: «إن تقنين التحويلات المالية إلى الخارج، بخلاف دول أخرى تمتلك حرية أكبر في تحويل الأموال، دفع أعدادًا من المغاربة إلى امتلاك أرصدة مالية في البنوك الأوروبية، إما بطريقة مباشرة وإما عن طريق التحويلات، وذلك لعدة غايات منها توفير ظروف التطبيب، أو الدراسة، أو للسياحة أيضًا»، مضيفًا لـ«العربية نت»: «أن تهريب الثروات والأموال المغربية إلى البنوك الخارجية أدى إلى فقدان وضياع ادّخار وطني يُوَظَّف في الخارج في استثمارات خارجية، الأمر الذي يضيع على البلاد إمكانية الاستفادة من ثروات مواطنيها وأموالهم في إقامة مشاريع استثمارية تعود بالنفع والفائدة على المجتمع».

لماذا تحولت الوفرة بالمغرب إلى ندرة؟

تسببت سياسيات الحكومة المغربية في توليد مظاهر الفقر والهشاشة والحرمان واللامساواة بين فئات المجتمع المغربي، إذ تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن: «هناك أكثر من 5 ملايين مغربي يعيشون بأقل من 550 درهمًا في الشهر، ومليوني مغربي يعيشون بأقل من 300 درهم في الشهر، وأن 12.6% من المغاربة قريبون من عتبة الفقر متعدد الجوانب، مقابل 4.9% يعيشون فقرًا حادًا متعدد الأبعاد».

محتجون مغاربة (المصدر: موقع هسبريس المغربي)

كما أن تقريرًا صادرًا عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خاصًا بمحاربة الفقر والهشاشة في المغرب، يؤكد أن «44.3% من المغاربة لا زالوا محرومين من حقوقهم الأساسية من سكن وصحة وتعليم، الشيء الذي يصنف المغرب في خانة الدول التي ترتفع فيها معدلات الفقر إلى جانب كل من الصومال، والغابون، ومالي، وزمبابوي».

ويضعنا تقرير أعده الباحث الاقتصادي المغربي، يونس بلفلاح على وضع ارتباط الفساد في المغرب بإشكالية الريع الطاغية على المنظومة الاقتصادية، التي تكرس نظامًا احتكاريًّا يحمي الاستغلال غير القانوني، بحسبه. ويذكر «بلفلاح» في تقريره حول «تحدي الفساد في السياسة التنموية بالمملكة المغربية» أن من مظاهر هذا النظام الاحتكاري «منح رخص النقل العمومي، واستغلال المناجم، واستغلال مساحات شاسعة من كثبان الرمال، وتصدير بعض منها إلى الخارج، فتتوزع الإكراميات والرخص والهبات والامتيازات للرعايا المستندين إلى شبكات اقتصادية ودوائر سياسية»، وكذلك تقديم الإعفاءات الضريبية الكلية أو الجزئية لبعض القطاعات الاقتصادية، ودعم المواد الأساسية المقدم من صندوق المقاصة، وهي أمور يستفيد منها الأغنياء والمؤسسات الكبرى، بينما يصل أقل من ربع الدعم فقط إلى الفقراء، حسب «بلفلاح».

شاب مغربي يحاول الحصول على الماء.

على سبيل المثال، يمكننا الاستشهاد بأزمة نقص المياه في المغرب، إذ يبلغ حجم الموارد المائية في المغرب 22 مليار متر مكعب، وهناك تباين الكبير بين الحصة الكبيرة التي تستحوذ عليها الأقلية الغنية، وتلك التي تقتسمها الأغلبية الفقيرة ومتوسطة الدخل.

فمع تزايد السكان، وتوالي سنوات الجفاف نتيجة التقلبات المناخية حدثت هذه الأزمة، ويتوقع تقرير البنك الدولي، أن يرتفع العجز من الماء في المغرب في أفق 2025 إلى أكثر من ملياري متر مكعب، لكن هل كان السبب في تلك الأزمة هو الجفاف والتغيرات المناخية؟ يجيب كاتب عام جمعية أطاك المغرب، أزيكي عمر، بأن السبب هو خصخصة المغرب للخدمات العامة التي منها توزيع المياه الصالحة للشرب، وذلك بسبب تنفيذ ما يسمى بالاتفاق العام حول تجارة الخدمات (AGCS) وفق مقتضيات منظمة التجارة العالمية التي ينتمي إليها المغرب.

شيخ مغربي

ويوضح «عمر» في مقاله بصحيفة «الأخبار» اللبنانية «أن الحاكمين بالمغرب التزموا أكثر بتوصيات منظمة التجارة العالمية، وجعلوا من الثروة المائية ببلدنا ملكًا خاصًا للرأسماليين الأجانب والمحليين الذين استنزفوها ولوثوها لتنمية أرباحهم الخاصة على حساب الفئات الشعبية المُفقرة في المدن والقرى».

كذلك، يضاف إلى الخصخصة كسبب في أزمة المياه، وجود المشاكل في آلية تدبير الموارد المائية من قبل الحكومة المغربية، فنسبة إهدار الماء في المغرب تبلغ 35% من المياه المتوفرة؛ إذ لا تحدث الحكومة المغربية مواءمة لأنظمة التزود بالماء في المدن مع التغيرات المناخية.