في روايتها «جين آير»، قدمت الكاتبة الإنجليزية ابنة تقاليد القرن التاسع عشر، شارلوت برونتي، امرأة تقاوم تقاليد عصرها، مُلقية الضوء على وضع المرأة في «إنجلترا الفكتورية»، حتى أن الرواية صنفت أنها عمل هزَّ تقاليد المجتمع حينذاك؛ إذ كان من الأعمال الأولى التي ناقشت وجهة النظر النسوية بوضوح، في وقتٍ كانت فيه حقوق النساء الأوروبيات محدودة، كما كانت أدوارهن في المجتمع.

إذا دققت النظر في حياة النساء الغربيات في العصر الفيكتوري، لن تجد فرقًا كبيرًا بينها وبين وضع المرأة فيما أُطلق عليه الشرق، في الفترة من القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، رغم التصور السائد أن المرأة الأوروبية في عصر الاستعمار كانت ممتلكة لكل حقوقها أو على الأقل أفضل حالًا بكثير من نظيرتها في العالم الإسلامي. نأخذك عزيزي القارئ في السطور التالية على متن رحلة نستكشف فيها كيف عاشت المرأة الغربية في الفترة من القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين.

 لن نسمح لهن بالعمل ولا التصويت

استمرت الفترة المعروفة بالعصر الفيكتوري، من القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وترجع تسميتها بهذا الاسم إلى الملكة فيكتوريا (1837- 1901)، وهو العصر الذي امتدت آثاره إلى كل القارة الأوروبية وقد شهد تزمتًا كبيرًا تجاه المرأة. جرى تقسيم الأدوار في هذا العصر بين الرجل والمرأة في إطار ما عرف باسم «أيديولوجية المجالات المنفصلة»، والتي تعني فصلِ مجالات النوعين عن بعضهما البعض وفقًا لخصائصهما الطبيعية. فكان الرجل بحسب هذا الفكر يمتلك القوة البدنية والعقل الذي يمكنه من اقتحام المجال العام، في حين كان ينظر إلى المرأة باعتبارها كائنًا ضعيفًا أقل مكانة من الرجل، وبالتالي يجب بقائها في المجال الخاص بما يتناسب مع صفاتها الأنثوية، فهن بحسب النظرة في تلك الفترة غير عقلانيات وطيعات.

كان المجتمع ينظر للنساءِ في «العصر الفيكتوري» على أنهن غير متساويات مع الرجال، ويجري تمجيد أدوارهن المنزلية التي تتلخص في الاهتمام بالبيت وتربية الأبناء، وغير ذلك من الأمور مثل العمل والرغبة في تحقيق الذات لم تكن أمور مُعترف بها، بل جرت شيطنة النساء اللواتي فكرن بهذه الطريقة باعتبارهن وقحات، وكان يُنظر لهن بارتياب من قبل المجتمع.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
 ممنوعة من الحديث في اجتماعات الحزب الحاكم.. كيف تعيش المرأة في «كوكب اليابان»

كان يحكم بريطانيا حينذاك قانون عام، يحرم المرأة بمجرد الزواج من كافة حقوقها، المنزل الذي سكنته كان ملكًا لزوجها، كذلك أموالها وملابسها، وإذا حدث الطلاق كانت تُحرم أيضًا من الأولاد، وهو الوضع الذي استمر حتى عام 1975 لتتغير القوانين وتوضع تشريعات تمنع التمييز بين الجنسين.

لم تُعرف حركات تحرير المراة إبان «العصر الفيكتوري» إلا جزئيًا وعلى نطاقٍ ضيق من خلال حركات الإصلاح الاجتماعي في القرن التاسع عشر، والتي أخذت في التوسع حتى منتصف القرن العشرين. على سبيل المثال، تستطيع الإطلاع على مقالة الفيلسوف الإنجليزي المعروف جون ستيوارت ميل التي نشرت عام 1867، بعنوان «إخضاع النساء» وقد تناول فيها النظريات الأساسية عن وضع المرأة في العصر الفيكتوري، إذ جادل ميل أن الطريقة التي تعامل بها النساء بعيدًا عن الحرية والمساواة تقف عائقًا أمام التقدم الإنساني.

(المرأة الفيكتورية – المصدر Best Health Magazine)

قارن ستيورات حينذاك بين وضع المرأة في الزواج وبين العبودية، مُشيرًا إلى أن «مكانة المرأة في العلاقة الزوجية تشبه إلى حد كبير العبيد الخاضعين إلى أسيادهم»، على حد قوله. وهو ما جعله ينادي بحرية النساء في التحكم بمصيرهن. صنف العلماء المؤرخون تلك الورقة البحثية لجون ستيوارت بأنها ليست عملًا فلسفيًا خالصًا بقدرِ ما كانت ورقة سياسية تسعى للضغط من أجل اكتساب النساء الحق في التصويت، وهو حقٌ كان مسلوبًا بموجب القانون.

السذاجة شرط أساسي في المرأة

كان للمرأة دور رئيس في المجتمع في هذا العصر، هو الزواج، وبالتالي كان يجري إعدادها لتصبح ربة بيت، عليها أن تتعلم مهارات الطبخ والتنظيف والحياكة، من أجل أن تتولى مسؤولية منزل الزوجية، وكان يستثنى من ذلك النساء الأثرياء، اللواتي عزفن عن تعلم تلك المهارات، لأن هناك خادمات تقوم بها، إلا أنهن كن معنيات بالاهتمام بأزواجهن وأعمالهم. لكن كلتا الطبقتين لم يكن مسموح لهن الخروج إلى العمل، أو السعي للتعلم ونيل المعرفة خارج المنزل.

حينذاك كان مكان المرأة البيت، لأن خارجه مكان رجالي، لا يجوز لها التواجد فيه، وقد كان ذلك نتاج اعتقاد مجتمعي بأن النساء أدنى مكانةً من الرجال في جميع النواحي، كما كان ينظر للمرأة ككائن أضعف، لا تمتلك مقومات القوة البدنية التي امتلكها الرجال، وبالتالي لا يمكن أن تتواجد في المجال العام.

(المرأة الفيكتورية – المصدر History)

كان المجتمع «أبويًا» بامتياز، لا يسمح للمرأة بالحصول على امتيازات الرجال، كما تم تصنيف «المرأة المناسبة» تبعًا لمعايير الأنوثة وضعتها قيم هذا العصر، وقد كانت «البراءة» إحدى هذه الميزات التي يجب أن تتمتع بها الفتاة ليقبل الرجال على الزواج منها، وخلاف ذلك قد لا تتمكن من إيجاد شريك.

«كان من المتوقع للنساء الفيكتوريات أن يكن كسولات وجاهلات». *تشارلز بيتري عن العصر الفيكتوري

يشير المؤرخ البريطاني، تشارلز بيتري إلى أن الميزات التي يبحث عنها الرجل في العصر الفيكتوري في المرأة المناسبة، كانت تعتمد على صفة أساسية وهي البراءة والسذاجة، إذ كان يجب على المرأة أن تعطي الرجل هذا الانطباع. المرأة المناسبة كانت «ساذجة»، ويجب أن تعطي انطباعًا أنها لا تعرف شيئًا عن العالم الخارجي. أن تبدو وديعة وضعيفة ولا تمتلك من الآراء إلا القدر القليل. يضيف بيتري: «باختصار، يجب أن تعترف بدونية المرأة أمام الذكر»، وقد كانت تلك الصفات تحدد مستقبلهن وإلا ينتهي بهن الحال بلا زواج، في وقتٍ كان الزواج هو حلم الفتيات الأوحد، يتطلعن إليه مثل نافذة على العالم تتيح لهن إيجاد عائل، خاصةً وأنهن لن يستطعن إعالة أنفسهن إن بقين بلا زواج.

حقوق المرأة.. من الجنس إلى التعليم

تقول كاثرين هيوز، عن «النوع الاجتماعي في بريطانيا القرن التاسع عشر»، وهي مؤرخة بريطانية، أن العصر الذي سبق الحقبة الفكتورية شهد مشاركة النساء في العمل مع الزوج والإخوة في «عمل العائلة»، والذي غالبًا ما كان متجرًا كائنًا في البيت ذاته الذي سكنوه، إذ سهل ذلك عليهم مساعدة الرجال في الأعمال التجارية، وخدمة الزبائن، والقيام بالحسابات، جنبًا إلى جنب الأعباء المنزلية.

كل هذا تغير في في القرن التاسع عشر، عندما خرج الرجال إلى العمل بعيدًا عن مناطق سكنهم، في المصانع، والمكاتب، والمتاجر البعيدة، تاركين النساء والبنات في المنازل لترتيبها والإشراف عليها، وهو ما خلق مجالات منفصلة لكلا النوعين؛ حتى أصبحا لا يجتمعان إلا خلال وجبتي الإفطار والعشاء.

كانت أيديولوجية العصر الفيكتوري بحسب هيوز قائمة على انفصال النوعين تبعًا للخصائص الطبيعية لكلٍ منهما، المرأة الضعيفة بدنيًا يجب أن تتفوق أخلاقيًا، ومكانها الآمن هو المنزل لإعداد الجيل القادم وتحضيره هو الآخر للقيام بدوره، في حين يسعى الرجل للتفوق في المجال العام، من أجل تحقيق المكاسب المادية التي تعينه على القيام بدوره، حتى لا تسقط عنه هو الآخر صفة الرجولة، خاصةً بين أقرانه.

(كاثرين هيوز تتحدث عن النوع في بريطانيا القرن التاسع عشر)

  • تعليم المرأة 

لعبت المرأة حينذاك بحسب هيوز، دور ملاك المنزل، وكان يجري تثقيفها، خاصةً نساء الطبقة الوسطى، بما عرف بـ«الانجازات»، وهي مجموعة من التعاليم المنزلية من قبل المربين أو داخل مدرسة داخلية للبنات، وقد شملت تلك الإنجازات، التعرف على الموسيقى والغناء والرسم وعزف البيانو وتعلم اللغات، وهي الامتيازات الإضافية التي ميزت فتاة عن أخرى، هذا إلى جانب تثقيفهن فيما يخص طريقة المشي والحركة والتحدث، ليظهرن برقي.

كان هناك قلة قليلة بالطبع كرسن أنفسهن للتعلم وجني ثمار الفكر، إلا أنهن جرى اعتبارهن غير أنثويات يحاولن سرقة التميز الفكري «الطبيعي» للرجال، وبالتالي يفتقدن – بحسب هذا العصر – الصفات الأنثوية القادرة على جذب الرجال؛ حتى إن بعض أطباء هذه الحقبة كانوا يقولون إن كثرة التحصيل الدراسي للفتيات له تأثير سيئ على المبايض، والقدرة على الإنجاب، لهذا السبب عندما فتحت جامعتا أكسفورد وكامبريدج أبوابهما لتعليم الفتيات في وقتٍ لاحق من هذا القرن رفضت العائلات إلحاق بناتهن الماهرات بالدراسة، خوفًا من أن يصبحن «غير مناسبات» للزواج.

  • جنسانية المرأة في العصر الفيكتوري

على الرغم من أن الزواج كان القيمة الوحيدة التي سُمح للمرأة بالتطلع إليها في العصر الفيكتوري، إلا أنها لم تستطع حتى التعبير عن رغبتها في جذب زوج؛ إذ كانت جرأة المرأة في التحدث إلى الرجال خلال الاجتماعات والحفلات تدل على «شهية جنسية» مقلقة، بحسب قيم هذا المجتمع، وبالتالي قد يتجنبها الرجال.

رأى المجتمع الفيكتوري أن تطلع المرأة للزواج يجب أن يقوم على أساس الرغبة في الأمومة، وليس السعي وراء الإشباع الجنسي، حتى أن بعض الأطباء – بحسب كاثرين هيوز – قد صرحوا حينذاك بعدمِ وجود رغبة جنسية لدى غالبية النساء قائلين: «لحسن حظهن».

كان الزواج في ذلك الوقت هو الخيار الوحيد للمرأة للبقاء على قيد الحياة، هي الممنوعة من كسبِ عيشها بنفسها، إذ مُنع النساء بموجب القانون من امتهان الحرف التي تكفل لهن إعالة أنفسهن، وبالتالي أصبح الزواج هو مصدر رزقهن الوحيد. ولتحقق المرأة ذلك لم يكن عليها فقط الحفاظ على عذريتها، بل كذلك على براءتها وسذاجتها خاصةً فيما يتعلق بشؤون الحب والجنس.

في ذلك الوقت تزوجت الفتيات في العشرينات من العمر، وكان على الرجل أن يكبرها عمرًا، على الأقل بخمس سنوات، حتى يثبت لوالد الفتاة أنه يستطيع إعالة زوجة وأطفال، وبالتالي يصبح مناسبًا لأن يمنحه الوالد الإذن بالزواج.

عادةً كان على الشاب أن يظل عفيفًا حتى يتزوج؛ إلا أن عبء القدرة المادية لإعالة أسرته جعل فترة الخطوبة تستمر لسنوات، ولذا كان الرجال يلجأون إلى عاملات الجنس من أجل إشباع رغباتهم الجنسية. تشير التقارير التاريخية إلى أن كثيرًا منهم قد عانوا من «داء الزهري» نتيجة لذلك، كما قاموا بنقله لزوجاتهم فيما بعد.

جنسانية

منذ 3 سنوات
من جلد «الزناة» وإعدامهم إلى الثورة الجنسية.. تاريخ الجنس في الغرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد