تحتل النساء والجاسوسات مكانة مميزة في أجندة جهاز الاستخبارات الإسرائيلية «الموساد»؛ إذ يعتبرن رأس حربة في العديد من أنشطة الجهاز حول العالم، وخلال سنوات الصراع العربي الإسرائيلي، نجح ضباط الأمن الإسرائيليون في تجنيد وتوظيف بعض النساء العربيات، ليحصلوا من خلالهن على معلومات ومكاسب ثمينة، في قصص مثيرة نسرد بعضها في السطور التالية.

شولا كوهين.. «لؤلؤة جاسوسات الموساد» التي اخترقت بيروت

ولدت شولا كوهين في الأرجنتين عام 1917، لأب مصري يهودي ثري، وهاجرت لاحقًا إلى القدس، حيث تلقت شولا هناك تعليمها الثانوي، قبل أن تتزوج من تاجر يهودي يكبرها بـ20 عامًا، وتنتقل للعيش معه إلى بيروت في حي وادي أبو جميل، أو ما يعرف بـ«حي اليهود»، حيث رزقت بسبعة أولاد، وعاشت لسنوات في شقة قريبة من المعبد اليهودي. كانت شولا امرأة جميلة، وذكية، وتتقن فن الحديث ولها حضور طاغٍ يأسر كل من حولها. 

«أنا شولا كوهين، وأنا يهودية من بيروت، أريد أن أساعدكم»، كان ذلك نص خطاب أعطته لبائع جوال يتردد على متجر زوجها في بيروت لإيصالها إلى مستعمرة مسكاف في فلسطين المحتلة، حيث كانت شولا كوهين تتطلع إلى أن تلعب دورًا «بطوليًّا» في الجهود القائمة لإنشاء دولة إسرائيل الوليدة وتثبيتها، وكانت تلك هي وسيلتها لعرض المساعدة على الاستخبارات الإسرائيلية التي تلقفت الرسالة، وأرسلت لها بعض العملاء للتعاون والتنسيق.

وثائقي «الجزيرة» عن قصة شولا كوهين

عبر سنوات طويلة بَنت شولا كوهين شبكتها المعقدة من العملاء داخل لبنان، ومن خلال نشاطها الاجتماعي، والصالون الذي كانت تقيمه في بيتها بوادي أبو جميل، وتدعو إليه صفوة المجتمع اللبناني، مستفيدة من الصورة التي رسمتها عن نفسها بوصفها امرأة من الطبقة العليا، أقامت شولا علاقات مع عدد من موظفي الدولة اللبنانية.

نجحت شولا في نقل معلومات عسكرية عن سوريا ولبنان، كما لعبت دورًا محوريًّا في أنشطة تهريب اليهود من لبنان ودول عربية أخرى إلى إسرائيل، وحين عززت السلطات اللبنانية من مراقبتها للحدود، كانت شولا تنقل اليهود عبر البحر، من ميناء عين المريسة في بيروت، فيما عُرف بـ«سفينة الأربعاء»، حيث هرّبت أكثر من ألف يهودي إلى الداخل الفلسطيني المحتل، حتى إنها سميت بـ«لؤلؤة الموساد»؛ لوصفها واحدة من أهم الجاسوسات لإسرائيل.

اكتُشف أمر شولا بمحض المصادفة، وأنها إحدى جاسوسات إسرائيل، عندما كانت الدولة اللبنانية تحقق في عملية تزوير طوابع بريدية، وتوصلت التحقيقات إلى اسم لبناني يدعى محمود عوض، ووُضِع عوض تحت المراقبة، فتبين أن له صلات متكررة بشولا كوهين، التي وُضع هاتفها تحت المراقبة منذ ذلك الحين، ثم وضِع جهاز تنصت في الطابق العلوي لمنزلها لتسجيل ما كان يدور من أحاديث بحضور شخصيات سياسية رفيعة، حتى داهمت القوى الأمنية منزلها في صيف عام 1961، لتقبض عليها وتحيلها إلى المحاكمة بتهمة التجسس، حيث اعترفت بالعمل لصالح «الموساد».

حُكم على شولا كوهين بالإعدام، لكن الحكم خُفف لاحقًا، وأُفرج عنها بعد ذلك في صفقة لتبادل الأسرى، لتهاجر مع عائلتها للعيش في إسرائيل، حيث توفيت عام 2017 في إحدى مستشفيات القدس.

هبة سليم.. صيد «الموساد» الثمين

نشأت هبة سليم وسط عائلة ميسورة، في ضاحية المهندسين بالقاهرة، ثم درست اللغة الفرنسية في كلية الآداب بجامعة عين شمس، في تلك الفترة تعلق بحبها ضابط شاب في الجيش المصري يدعى فاروق الفقي، بعد أن التقى بها في نادي الجزيرة، لكنها رفضت الارتباط به لعدم إعجابها به وبنمط حياته.

حصلت هبة على منحة دراسية لدراسة اللغة الفرنسية في جامعة السوربون، وهناك انبهرت الفتاة الناقمة على النزعة المحافظة للمجتمع المصري تحت تأثير أضواء باريس، وصارت تجاهر في جلساتها مع أصدقائها بكرهها للعرب «الذين يقولون أكثر مما يفعلون». اجتذبت هبة سليم أنظار طبيب شاب يُدعى بورتوا، واتصل بها عن طريق صديقة هولندية. لم يكن بورتوا سوى عميل متخف لجهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد»، الذي وجد في الفتاة المصرية صيدًا ثمينًا، وسهلًا كذلك.

عرض بورتوا على هبة العمل لصالح إسرائيل فوافقت على الفور، وبدأت في تزويد الموساد بمعلومات عن أصدقائها المصريين والعرب المقيمين في فرنسا، وفي إحدى جلساتها مع ضابط الموساد حكت هبة عن قصة ضابط الجيش المصري وتعلقه بها، فصدرت لها الأوامر بالعودة إلى مصر، ومحاولة إعادة الاتصال به، والحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ تم الزواج بين فاروق وهبة، التي نجحت في الإيقاع بزوجها وجره إلى فخ التجسس هو الآخر.

لم يكن فاروق مجرد ضابط جيش عادي، بل كان مهندسًا عسكريًّا، شغل منصب مدير مكتب قائد سلاح الصاعقة المصري آنذاك، وقد أتاح له منصبه الحساس الحصول على معلومات «سرية للغاية» حول ترتيبات الجيش المصري وخططه. سرب الفقي إلى الموساد وثائق وخرائط عسكرية توضح منصات الصواريخ ومواقع الصواريخ الجديدة التي حصل عليها الجيش المصري في مرحلة ما بعد حرب 1967، وخلال حرب أكتوبر ساعدت المعلومات الاستخباراتية التي كان قد حصل عليها الموساد من الجاسوسين المصريين في تدمير العديد من قواعد الصواريخ، وتسببت في خسائر فادحة للجيش المصري.

زارت هبة سليم إسرائيل، حيث التقت قيادات الاستخبارات الإسرائيلية، والمستعمرات والمعسكرات، وتدربت على كيفية تجنيد العملاء وجمع المعلومات، والكتابة بالحبر السري، والتراسل بالشفرة، والراديو، والميكروفيلم، كما كرمتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير؛ فقد كانت إسرائيل تعدها عميلةً مميزةً على قدر عالٍ من الأهمية، ومن أهم جاسوسات إسرائيل في العالم العربي.

في مطار تل أبيب كان ينتظرني عدد من الضباط، وعندما أدوا التحية العسكرية لي تملكني شعور قوي بالزهو. طلبت مقابلة جولدا مائير رئيسة الوزراء التي هزمت العرب ومرغت كرامتهم، وقابلتني السيدة مائير ببشاشة ورقة وقدمتني قائلة: «إن هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم لها جميعًا مجتمعين». وكنت لا أصدق أن هذه الجنة (إسرائيل) يتربص بها العرب ليدمروها *هبة سليم تصف استقبالها في إسرائيل

جن جنون القيادات الأمنية المصرية التي أدركت أن ثمة اختراقًا على مستوى رفيع بين القيادات العسكرية، فتقرر تكثيف البحث والتحريات، ليقع فاروق الفقي في النهاية في قبضة المخابرات المصرية، ويعترف بتجسسه لصالح إسرائيل، بالتعاون مع زوجته التي كانت حينئذ في باريس، وتنجح المخابرات المصرية في استدراجها إلى ليبيا عبر حيلة تم الادعاء فيها أن والدها مريض في أحد مستشفيات طرابلس، وأنه يطلب رؤيتها.

قُبض على هبة سليم، وجرى ترحيلها إلى القاهرة، حيث حُكم عليها بالإعدام، وقد شوهدت هبة في السجن وهي تتصرف بطريقة غريبة، إذ كانت تقضي وقتها في التزين، وتلبس الشعر المستعار، وترش غرفتها بالروائح الفواحة؛ إذ كانت تظن أن الموساد لن يتركها بوصفها واحدة من أهم جاسوسات إسرائيل، وأن الإسرائيليين سيتدخلون لإنقاذها في اللحظات الأخيرة.

أمنية هبة الأخيرة لم تتحقق؛ إذ أصر الرئيس المصري محمد أنور السادات على تنفيذ حكم الإعدام بها، ولم يقبل الوساطة الأمريكية التي تدخلت لتخفيف الحكم، ليسدل الستار على حياة الجاسوسة المصرية التي وصفتها جولدا مائير بأنها «قدمت لإسرائيل أكثر مما قدمه قادة إسرائيل أنفسهم». وقد جرى تجسيد قصة هبة سليم في فيلم مصري حمل اسم «الصعود إلى الهاوية».

أسرار «منظمة التحرير الفلسطينية» بين يدي أمينة المفتي

ولدت أمينة المفتي لأسرة شركسية عربية هاجرت إلى الأردن، وعاشت في ضواحي عَمان الراقية. نشأت أمينة ناقمة على تقاليد أسرتها المحافظة، وتعرضت في بدايات حياتها لصدمة عاطفية؛ إذ أحبت شابًّا فلسطينيًّا هجرها إلى فتاة أخرى، وهو ما سبب لها أزمة نفسية. كانت أمينة تمتاز بالجمال والدلال والطموح، ولكنها صارت ناقمة على تقاليد المجتمع المحافظة.

سافرت أمينة المفتي إلى النمسا للدراسة؛ حيث حصلت على درجة البكالوريوس، ثم قررت استكمال دراستها العليا في النمسا، وتعرفت إلى شابة يهودية تدعى سارة بيراد، التي عرفتها على شقيقها موشيه، وكان يعمل طيارًا حربيًّا برتبة نقيب، وقد ساعدها موشيه في الحصول على شهادة دكتوراه مزورة في علم النفس المرضي.

عادت أمينة إلى الأردن، لكنها تعرضت لخطر اكتشاف شهادتها المزورة، فسافرت إلى فيينا مجددًا، وهناك تزوجت من موشيه بعد اعتناقها اليهودية، وغيرت اسمها إلى آني موشيه بيراد، هاجر الزوجان إلى إسرائيل بتشجيع من أمينة، حيث التحق موشيه طيارًا بسلاح الجو الإسرائيلي، لكن المفاجآت عاجلتهما بمقتل موشيه، بعدما أسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرته خلال حرب عام 1973.

انهارت أمينة حزنًا على زوجها، وصارت تتحرق شوقًا للانتقام من العرب، فوجدها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» فرصة ذهبية لتوظيفها كي تصبح من جاسوساته. تولى ثلاثة ضباط إسرائيليين تدريبها على تقوية ذاكرتها وحفظ الأسماء، وأرقام الهواتف، والتصوير، وسرعة البديهة، ثم أُرسلت إلى لبنان لتعمل طبيبة متطوعة داخل المخيمات الفلسطينية.

في لبنان عملت أمينة بجد وحماسة لاختراق المجتمع الفلسطيني وشبكات «منظمة التحرير» هناك، واستطاعت التعرف على معظم القادة الفلسطينيين، بمن فيهم ياسر عرفات شخصيًّا، الذي منحها توقيعًا خطيًّا يمنحها حرية التنقل بين المخيمات ومعسكرات التدريب، كما تقربت من علي حسن سلامة، قائد استخبارات «منظمة التحرير»، الذي أعيا أجهزة المخابرات الإسرائيلية الوصول إليه، كما استطاعت بمعلوماتها أن تحبط عدة عمليات للمقاومة، وجندت عددًا من العملاء الآخرين الذين لعبوا أدوارًا مهمة لصالح إسرائيل، لتصبح واحدةً من أخطر الجاسوسات.

لن أهدأ حتى أشهد بنفسي بحور الدم المراق تعلوها الأشلاء الممزقة، وأرى ألف زوجة عربية تبكي زوجها، وألف أم فقدت ابنها، وألف شاب بلا أطراف * أمينة المفتي تصف حنقها ضد العرب في مذكراتها

اكتُشف أمر أمينة عندما تلقى سلامة تقريرًا استخباريًّا يفيد بأن طبيبة عربية تخرجت من النمسا تعمل لصالح الموساد في المخابرات الفلسطينية، فتم التحري عن الأمر، لتُكتشف المفاجأة الكبرى بأن أمينة المفتى ليست سوى جاسوسة لتل أبيب. اقتيدت أمينة إلى التحقيق في الجنوب اللبناني، ومكثت في الأسر عدة سنوات، قبل أن تجري مبادلتها بفدائيين فلسطينيين في صفقة تبادل تمت في قبرص، لتنتقل بعدها أمينة إلى العيش في إسرائيل بعيدًا عن الأضواء، بعدما صارت قصتها ملء السمع والبصر.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«هآرتس»: عمليات استخباراتية فاشلة حاولت إسرائيل تنفيذها في مصر

المصادر

تحميل المزيد