السباحة ضد التيار، ومعارضة أصحاب النفوذ، وأن تسلك طريقًا طويلًا وعرًا بدلًا من اتخاذ الطرق المختصرة التي يسلكها غالبية الناس؛ خيارات لا يتخذها سوى أصحاب العزم الرشيد، والمبادئ القويمة. في السطور التالية، نتناول سيرة ثلاث سيدات تحدين الظروف، واقتحمن مجال العلوم الذي كان حصرًا على الرجال، وكرَّسن حياتهن لخدمة الإنسانية؛ فتفوقن، وأضفن، وغيرت إنجازاتهن وضع مجتمعاتهن نحو الأفضل.

1. الباحثة التي وقفت ضد شركات الأدوية وأنقذت آلاف الأطفال

«لقد حال حكمها الاستثنائي في تقييم سلامة دواء جديد للاستخدام البشري، دون وقوع مأساة عظيمة من التشوهات الخلقية في الولايات المتحدة» * جون كينيدي في تكريم فرانسيس كيسلي

في خريف عام 1960م، كانت فرانسيس كيلسي واحدة من المعينين حديثًا في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). وقبل نهاية العام، كانت فرانسيس قد بدأت معركة سوف تنقذ لاحقًا حياة الآلاف. فرغم كونها جديدة في إدارة الغذاء والدواء، فإنها لم تكن عالمة مبتدئة. فبعد تخرجها من الثانوية في عمر 15 سنة، سجلت في جامعة ماكجيل، وحصلت على شهادة البكالوريوس، ومن ثم الماجستير في علم الأدوية، ثم سُجِّلت باحثة في علم الأدوية بجامعة شيكاجو، وحصلت على شهادة الدكتوراه. ووافقت على دعوة الجامعة للبقاء عضوًا في الكلية، حيث قادت أبحاثًا رائدة في علم العقاقير وسلامة الأدوية.

عند انضمام كيسلي إلى إدارة الغذاء والدواء، كانت واحدة من أكثر العلماء دراية وخبرة في البلاد، ولكونها أحدث المنضمين في الفريق، جرى توكيلها بمهمة كان الجميع يعتقد أنها محض مراجعة سهلة. فقد كانت مهمتها مراجعة طلب شركة العقاقير الأمريكية «ميريل»؛ لبيع دواء يسمى ثاليدومايد، الذي كان عقارًا ألمانيًّا يستخدم على نطاق واسع في كثير من البلدان لمعالجة حالات الأرق، وضغوطات العمل. كذلك، كان يجري تناوله بوصفه مهدئًا ومضادًا للغثيان لدى السيدات الحوامل، وكانت تتناوله عديد من السيدات في أوروبا، وكندا، والشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

عقار الثاليدومايد

صحيح أن إدارة الغذاء والدواء، تصنف العقاقير اليوم حسب درجة أمانها على الأجنة؛ لكن في ستينيات القرن الماضي، كان يُعتقد أن جدار المشيمة يحمي الأجنة من أي ضرر، حتى أثبتت أبحاث فرانسيس على أجنة الحيوانات، أن الأدوية تستطيع اختراق جدار المشيمة. وبعد مراجعة طلب الشركة، وجدت فرانسيس أن المعلومات حول الامتصاص، ودرجة سمية العقار، كانت غير كافية.

وفي حين لم تجر شركة «ميريل» التجارب، لاختبار الثاليدومايد على أجنة الحيوانات؛ قالت فرانسيس على أدلة الشركة حول سلامة الدواء، إنها مجرد توصيات وليست نتائج دراسات مؤكدة. ولذلك؛ رفضت فرانسيس طلب الشركة، وطلبت منهم تسجيل طلب ثانٍ مدعوم بأدلة أفضل من خلال التجارب السريرية الصارمة. وقد دعم زملاؤها قرارها ذاك.

كانت شركة «ميريل» تتوقع ردًّا سريعًا وإيجابيًّا، حتى تُطلق العقار في موسم العطلة، الذي ترتفع فيه مبيعات المسكنات. وبدلًا من تزويد فرانسيس بالأدلة الموثوقة التي طلبتها، حاولوا إقناعها بالموافقة عبر الضغط عليها بالعديد من الزيارات والمكالمات. وعندما فشلت محاولاتهم تلك في استمالتها، ادعى مديرو الشركة أن فرانسيس العنيدة والمتحذلقة هي السبب، وليست المشكلة في الثاليدومايد.

دعمت إدارة الغذاء والدواء فرانسيس، ما أرغم «ميريل» على تقديم طلبات أخرى، وبينما كانت فرانسيس تراجعها وترفضها، بدأت تنتشر أخبار حول أضرار الثاليدومايد الجانبية. في بدايات عام 1961م، سجل الأطباء حالات تلف الأعصاب، وبحلول الخريف ظهرت الحقيقة المرعبة لعقار الثاليدومايد. تسبب الدواء الذي شاع تناوله بين النساء الحوامل، في عيوب خلقية خطيرة للأجنة.

توفي آلاف الأطفال في رحم أمهاتهم، وولد عشرات الآلاف بأطراف زائدة، أو أطراف أقصر، أو بدون أطراف على الإطلاق. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1961م، سُحب العقار من الأسواق الألمانية. ومع ذلك، استمرت «ميريل» في محاولة الحصول على الموافقة في أمريكا، لعدة أشهر قبل سحب طلبهم السادس والأخير.

لكن على جانب آخر؛ لم تكن فرانسيس الوحيدة التي حذرت من مخاطر الثاليدومايد ووقفت ضد التيار، لكنها دقت جرس الإنذار، وأبقته خارج سوق الأدوية الأمريكي الذي يساوي مليارات الدولارات، وأنقذت حياة آلاف الأطفال. ونتيجة لذلك، منحها الكونجرس ميدالية خدمة الإنسانية، وأصدر تشريعات تتطلب من صانعي الأدوية إثبات أن المنتجات الجديدة آمنة وفعالة قبل تسويقها، والتشديد على متطلبات الموافقة على أي عقار، ووسع من صلاحيات إدارة الغذاء والدواء.

كذلك، قدم لها الرئيس الأمريكي جون كينيدي أعلى جائزة في الخدمة المدنية الفيدرالية في البلاد، وبفضل تفضيلها للحقائق على الآراء، جعلت فرانسيس من الطب المدعوم بالأدلة درعًا، يستمر في حماية حياة البشر إلى اليوم.

2. الطالبة التي أثبتت خطأ أساتذتها الذين عارضوا تعليم الإناث

«رأيت بعض الإناث اللاتي تخرجن من المدرسة أو الكلية عالمات متفوقات، ولكنهن بمبايض غير منتجة. تزوجن في وقت لاحق، وعانين من العقم».

كان هذا تحذير من إدوارد كلارك، الطبيب والأستاذ الجامعي بجامعة هارفارد، والذي تابع توضيحه عن كيفية فشل الأعضاء التناسلية عن العمل قائلًا: «لا يستطيع نظام الجسم القيام بعمليتين جيدًا في آن واحد. عضلات الرحم والدماغ لا يستطيعان أداء وظائفهما جيدًا إن عملا في الوقت نفسه».

وأضاف أيضًا في كتابه «الجنس في التعليم: فرصة عادلة للفتيات»، الصادر في عام 1873م، أنه من أخطر الأمور أن تبذل المرأة الجهد خلال فترة الحيض. لذلك؛ فإن تعليم النساء أمر خطير، ومن أجل سلامة المرأة نفسها يجب عليها ألا تواصل تعليمها العالي؛ حتى لا يصبح الرحم في خطر.

ماري بوتمان جيكوبي

يسهل اليوم أن يعارض أحد أطروحة كلارك، ولكن طريقة وصفه للطالبات بأنهن «مجموعة شاحبة من الوجوه الأنثوية فاقدة الحيوية، توحي بأنها مصابة بأمراض السل، وفقر الدم، وداء الخنازير، والألم العصبي؛ نتيجة طريقتنا الحالية في التعليم» لاقت حينها قبولًا ودعمًا من الإداريين وأعضاء هيئة التدريس، ممن يعارضون وجود النساء في مجال التعليم؛ لأن الكتاب يمثل من وجهة نظرهم، جدال حول السلامة.

رأت ماري بوتمان جيكوبي، أن ذلك كله هراء، وقررت الوقوف ضد التيار. كانت ماري الأمريكية الموطن، أول امرأة تنتسب إلى كلية الطب الفرنسية. تلقت تعليمها في كلية الطب الفرنسية، بعد أن حصلت على شهادة في الطب من الولايات المتحدة الأمريكية. وما إن التحقت بالكلية حتى شعرت بحماسة كبيرة في التدريب بمجال الطب.

بالطبع، كان هناك من شككوا بقدرتها على النجاح، فحاولت والدتها الضغط عليها وصرفها عن مواصلة دراستها. ولم يكن والدها أيضًا متحمسًا عندما سمع أن ابنته ستدخل مدرسة لعلوم الطب، بل عرض عليها أن يعطيها مصاريف الدراسة مكافأة لها، إن تخلت عن فكرة التعليم العالي. ولكنها رفضت العرض، ورحلت إلى كلية علوم الطب للفتيات في ولاية بنسلفانيا في أوائل الستينيات من القرن 19، قبل أن تكمل دراستها في باريس.

وهناك مضت ماري قدمًا، وبعثت رسالة لتطمئن والدتها كتبت فيها: «أنا بالفعل لا أقوم بشيء سوى إمتاع نفسي، يوجد في المستشفيات الكثير من الأمور التي تحفزني، لدرجة أنني لا أشعر بالإرهاق على الإطلاق». ولكن حصول تلك الشابة الطموحة على أول مقعد يُمنح لامرأة في مدرسة الطب الفرنسية لم يكن هينًا، بل كانت هناك اشتراطات منوطة بحضورها؛ فكان عليها دخول المحاضرات عبر باب لا يستخدمه بقية الطلبة، وعليها أن تجلس بجانب الأستاذ الجامعي.

وعلقت بسخرية على ذلك، بأن تلك كانت المرة الأولى التي ترى فيها الجامعة ثوبًا نسائيًّا منذ تأسيسها. وبرغم الظروف الغريبة تلك، فإن ماري استطاعت استيعاب ذلك بسهولة، وكتبت: «أشعر بأنني في بيتي، وكأنني كنت موجودة هناك طيلة حياتي».

تحدت ماري حجة كلارك المتحاملة ذات الأدلة الضعيفة، من خلال بحث تكون من 232 صفحة تحتوي على أرقام واقعية، وجداول، وتحليلات، جمعت فيه نتائج استبيانات تشمل ألم النساء الشهري، ومدة الدورة، والتمرينات اليومية، والتعليم، بالإضافة إلى المؤشرات الفسيولوجية مثل النبض، ودرجة الحرارة، وكمية البول. كذلك، أجرت اختبارات لقوة عضلات الرحم قبل وخلال وبعد الدورة الشهرية.

مجتمع

منذ سنة واحدة
بطريركيّة الطب.. كيف عانت النساء من التمييز في المجال الطبي؟

ومكنها منهجها العلمي المدعم بالأدلة من حسم الأمر بشكل مذهل، وجاءت نتائج الورقة البحثية منصفة: «لا يوجد دليل على أن طبيعة الحيض تتطلب الراحة أو حتى الرغبة في الراحة». وبالنسبة لمعاناة النساء من الإجهاد، وداء الخنازير، والأنيميا، والألم العصبي، فإنهن لم يكن يعانين من شيء كما ادعى كلارك؛ لأنهن تابعن دراستهن بكل جدية.

حصل تقريرها على جائزة «بويلستون» بجامعة هارفارد، بعد ثلاث سنوات فقط من نشر تلك الجامعة لكتاب كلارك. وبعد أن كان بحث كلارك قد جعل جدران الجامعة حصنًا منيعًا في وجه النساء، نجحت ماري في تفكيك ذلك الحاجز بمنهجية، وجعلت العلم يقف إلى جانبها. وساهمت ورقتها البحثية في مساعدة النساء في الحصول على فرص في التعليم العالي، خاصةً في مجال العلوم.

ولدى عودتها إلى الولايات المتحدة، بدأت ماري في إعطاء المحاضرات بكلية علوم الطب للفتيات في نيويورك، الخاصة بمستوصف نيويورك للنساء والأطفال. وأخذت تمارس الطب وتخلق فرصًا جديدة للنساء في هذا المجال في الوقت ذاته. فضلًا عن ذلك، ساعدت ماري في تأسيس الجمعية الطبية النسائية في نيويورك عام 1872م، وافتتحت جناح الأطفال في مستوصف نيويورك، وأصبحت أول عضوة من النساء في أكاديمية الطب.

3. العالِمة التي أسست قانون التأمين على الأمراض المِهنية

«لماذا تستمر في وظيفة تتسبب في قتلك بوضوح؟»

سؤال كانت تطرحه أليس هاملتون، عالمة الميكروبات الأمريكية، على العمال في مقابلات معهم. وهبت أليس حياتها لحل المشكلات الإنسانية والعملية لتفشي مرض التيفود، وتسمم الرصاص، والأمراض المهنية.

وفي عام 1910م، تحول تركيزها كليًّا إلى موضوع الصحة في بيئة العمل، عندما طُلب منها العمل مديرة إدارية للجنة الأمراض المهنية في ولاية إلينوي. وكانت تلك أول لجنة من نوعها في البلاد، ومهمتها إجراء مسح حول المهن السامة في الولاية؛ لمعرفة نوعية المصانع التي يتعرض فيها العمال لخطر المواد، مثل أول أكسيد الكربون، والزرنيخ، والتربنتين، وتقييم المصانع الموجودة.

وعند بدء المشروع، تولت أليس قيادة الفريق الذي قُسم حسب المواد الضارة، ولم تكن تدري الحكومة حينها ما هي الصناعات التي تعتمد على الرصاص، وما مدى انتشار آثارها التي تُسبب الأمراض. بدأت أليس التي قررت الوقوف ضد التيار، البحث بعمق في أكثر بيئات العمل اعتمادًا على الرصاص، على أمل أن تقربها التحقيقات التي أجرتها هي وفريق عملها خلال زيارة المصانع، مما كان خفيًّا. أجرت المقابلات مع الأطباء، وقادة النشاط الصناعي، وبحثت في سجلات المستشفيات من أجل الحصول على إشارات واضحة للإصابة بتسمم الرصاص.

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك، أجرت المقابلات مع العمال في منازلهم، حيث وجدت أنهم يكونون أكثر راحة وإقبالًا. وفي إحدى الزيارات، سألت أليس رجلًا يعاني من التسمم بالرصاص: «لماذا تستمر في الذهاب إلى العمل؟»؛ فأجابها من أجل تسديد مدفوعات المنزل، ولأن عائلته منعته من الاستقالة، فغالبًا ما كانت المصانع توظف الرجال المتزوجين. واشتبهت أليس في أن خيارهم هذا كان محسومًا مسبقًا؛ فقد كانوا ملزمين بإعالة أسرهم، وكانت احتمالية استقالتهم من وظائفهم ضعيفة، حتى وإن تسبب لهم الرصاص بالتسمم.

وكشفت تحقيقاتها عن قائمة طويلة من الأعمال التي تعتمد على الرصاص، ووجدت مباني آيلة للسقوط، وسيئة التهوية، والأجواء فيها ملبدة بغيوم الرصاص، حتى حول العمال الذين لا يعملون بها. وبحلول عام 1919م، أصبحت أليس الخبيرة الأولى بمجال الصحة في بيئة العمل في الولايات المتحدة. لذلك؛ عندما قررت جامعة هارفارد توسيع مناهجها، لتشمل الصحة العامة، كانت أليس المرشحة الوحيدة نوعًا ما، وعُينت أستاذًا مساعدًا في الطب المهني. وأصبحت بذلك أول عضوة تدريس من الإناث في كلية هارفارد الطبية.

وقد جرت الموافقة على تعيينها بثلاثة شروط: ألا يسمح لها بالاقتراب أو بدخول نادي هارفارد، وألا تطالب بتذاكر مباريات كرة القدم، ولا يسمح لها بالمشاركة في الاحتفالات الرسمية، وتسبب تعيينها في حدوث ضجة كبيرة.

وخلال عملها، أجرت تحقيقًا حول التسمم بغاز أول أكسد الكربون، لصالح وزارة العمل الأمريكية، وبحثت أيضًا في التأثيرات السامة لأصباغ الأنيلين، والزئبق، والمذيبات الطيارة، وغيرها من المنتجات السامة. واستغلت شركة «جنرال إليكتريك» منصبها مستشارة طبية، وعينتها عضوة في لجنة أبحاث الرئيس للاتجاهات الاجتماعية. وعينت أيضًا في لجنة الصحة التابعة لعصبة الأمم، وخدمة الصحة العامة في روسيا السوفيتية؛ من أجل التشاور حول الصحة العامة المهنية.

وشهدت النشاطات المهنية، التي عملت على تطبيق خبرة أليس المهنية، تغييرات مفاجئة، فبعد دراستها التي استمرت عامًا في إلينوي، أصدرت الدولة قانونًا بتعويض العمال المتضررين بسبب التعرض للغازات الضارة، والغبار، والأبخرة. وأحدث القانون تغييرًا منظمًا؛ لأن أرباب العمل بدؤوا بالتأمين ضد تلك المطالب المتعلقة بالصحة، واستجابت شركات التأمين؛ نتيجة الضغط من أجل الإصلاحات في أماكن العمل.

المرأة

منذ سنة واحدة
«جيشك الوحيد».. 3 نساء يناضلن ضد السلطات السعودية من أجل حقوق رجالهن!

وبحلول عام 1937م، تبنت معظم الولايات التي تحمل الأعباء الصناعية الأكبر في البلاد، توفير متطلبات تشريعية يجب فرضها لتدفع للعمال مقابل تعرضهم للتسمم. وبذلك؛ تمكنت أليس من خلال الطرق على أبواب أفقر المساكن في المدينة، من تسجيل أدلة قوية على الأمراض المهنية. ومهد إصرارها الرائد ووقوفها ضد التيار، الطريق لتغيير اجتماعي حقيقي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد