رياضة بلا رعاة أو جمهور.. ما لا نعرفه عن الرياضات النسائية في إيران

قبل منتصف القرن التاسع عشر، كان التركيز التقليدي على اللياقة البدنية، والممارسات الرياضية في إيران، يدور حول «الاستعداد للحرب». ثم مع زيادة معدلات الهجرة والسفر، بدأت الرياضة في التطور تدريجيًّا، حتى أضفت عليها الدولة الطابع المؤسسي في أوائل القرن العشرين.

وعلى غرار التغييرات التي طبقها مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، كان رضا شاه بهلوي يرى أن الممارسات الرياضية على الطراز الأوروبي جزء لا يتجزأ من خطته لتطوير إيران. فأصدر مرسومًا يمنع جميع أشكال الحجاب، وحتى ملابس الرجال التقليدية ذات الطابع الديني. وتُوِّجت الرؤية البهلويّة بإقرار البرلمان الإيراني إدراج التربية البدنية مادة إلزامية في مدارس البنين والبنات، في عام 1927.

كانت الأجندة الإيرانية في عهد الشاه تركز على خوض المنافسات الدولية التي تقام في بيئة مختلطة. وتحقيقًا لهذا الهدف؛ حظرت الدولة ارتداء الحجاب أثناء لعب المباريات في عام 1934، وبدأت صور الرياضيات تظهر على أغلفة المجلات والصحف الإيرانية إلى جانب الرياضيين الذكور.

لكن هذه الجهود الحثيثة لم تكن موجهة في الأساس للجماهير، ولم تستهدف نشر الثقافة الرياضية في أوساط الشعب، بل اقتصرت على أبناء الطبقات العليا، وبالتالي لم تكن الرياضة النسائية هواية عامة تحظى باهتمام وطني، بل فعالية نخبوية تُمارَس في إطار ضيق. 

من اللافت في تلك المرحلة، التي سبقت قيام الثورة الإسلامية، أن رجال الدين الإيرانيين اعترضوا على الرياضة النسائية، والتدريبات البدنية في مدارس الفتيات؛ لمنافاة الملابس الرياضية قواعد الاحتشام الإسلامية. 

بيدَ أن هذا التململ الديني لم يكن مدعومًا بموقف رسمي، وبالتالي لم يؤد إلى منع مشاركة المرأة الإيرانية لأول مرة في دورة الألعاب الآسيوية عام 1958، ثم في الدورات الآسيوية التالية 1962 و1970 و1974، وأولمبياد طوكيو 1964، ومونتريال 1976.

ومنذ عام 1970 فصاعدًا، بدأت مراكز الترفيه الإيرانية في تشكيل فرق كرة القدم النسائية. وكانت دورة الألعاب الآسيوية 1974، التي انعقدت في طهران، ذات أهمية خاصة؛ لأنها شهدت حصول فريق المبارزة النسائي الإيراني لأول مرة على الميدالية الذهبية. 

«الجارديان»: «أنا خجولة للغاية!».. تعرف إلى أول بطلة مصارعة محجبة في العالم

الرياضة النسائية في إيران ما بعد الثورة.. عقبات وتحولات

واجهت الرياضة النسائية في إيران عقبة بقيام الثورة الإسلامية في عام 1979، ثم نشبت الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات بدءًا من عام 1980، لتؤثر ليس فقط في النشاط الرياضي النسائي، بل الرجالي أيضًا؛ ما فتح الباب أمام إعادة تأسيس بعض الألعاب الرياضية النسائية، لكن بموجب لوائح جديدة.

خلال الأشهر الأولى بعد الثورة، استمرت المسابقات الرياضية النسائية كالمعتاد، رغم أنها واجهت معارضة شديدة من الإسلاميين. ولم يكن مبدأ الرياضة النسائية ذاته هو محل الخلاف، بل حضور الرجال إلى الملاعب، ومشاهدة النساء اللواتي يرتدين ملابس غير ساترة بما يكفي. 

إيرانيات يرفعن صور لاعبي فريق إيران الأول لكرة القدم، خلال التدريبات في طهران عام 2006

كان هذا التضييق طبيعيًّا، خاصة في دولة تفرض على النساء ارتداء الحجاب منذ مطلع الثمانينيات. لكن بحلول تسعينيات القرن الماضي، استؤنفت المسابقات المحلية، وأنشئت الرابطات الرياضية النسائية، وإن ظل حضور الرياضيات الإيرانيات متواضعًا جدًا في المسابقات الدولية. 

وكانت المرة الأولى التي تتنافس فيها الرياضيات الإيرانيات على المستوى الدولي بعد ثورة 1979 في دورة الألعاب الآسيوية الحادية عشرة، التي عقدت في بكين عام 1990. ثم أنشأت «اللجنة الأولمبية الوطنية الإيرانية الاتحاد الإسلامي للرياضة النسائية (IFWS)»، التي عقدت أول ألعاب نسائية إسلامية (المعروفة الآن باسم الألعاب الإسلامية النسائية) في طهران عام 1993.

حدثت نقطة تحوُّل أخرى في عام 1996، عندما شاركت أول ممثلة لإيران منذ الثورة في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1996 في أتلانتا. وعلى الرغم من أنها احتلت المركز 44، فإن الهدف الأكبر من مشاركتها كان «إظهار أن المرأة المسلمة المحجبة يمكنها التنافس على أعلى المستويات». 

هذا التطور فتح الباب، ليس فقط أمام الفرق الرياضية النسائية الإيرانية، ولكن أمام جميع الرياضيات المسلمات. فبعد أولمبياد أتلانتا 1996، شاركت رياضية إيرانية في دورتي الألعاب الأولمبية عامي 2000 و2004، وشاركت ثلاث رياضيات في أولمبياد بكين 2008. وفي عام 2010، أرسلت إيران أول رياضية إلى دورة الألعاب الأولمبية الشتوية. وفي عام 2016، فازت امرأة إيرانية بميدالية برونزية في التايكوندو لأول مرة في التاريخ. 

برغم هذه الاختراقات، ظلت الرياضة النسائية مسألة حساسة للحكومة الإيرانية، وما تزال المرأة ممنوعة من المشاركة في المسابقات الدولية للعديد من الألعاب الرياضية، مثل السباحة والمصارعة والملاكمة.

حتى إن هناك قيودًا على ركوب الدراجات في الأماكن العامة. فقبل ثلاثة أعوام، أصدر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي فتوى تسرد الضوابط التي يتعين على راكبات الدراجات الالتزام بها؛ إذ لا ينبغي للنساء ركوب الدراجات في الشوارع، بل في البيئات النسائية، مثل الحدائق العامة، والملاعب المخصصة للمرأة.

أدى هذا التقييد إلى احتجاجات ومواجهات بين راكبات الدراجات والشرطة في جميع أنحاء البلاد. وكانت النتيجة أن سمحت بعض المدن للنساء بركوب الدراجات في الأماكن العامة، وإن كان المنع ما يزال قائمًا في المناطق الأكثر محافظة.

رياضة بلا رعاة.. قلة التمويل ونقص الدعم يكبّل الإيرانيات

تتفق معظم الرياضيات الإيرانيات على أن الافتقار إلى الدعم المالي، هو أحد أكبر العقبات التي تحول دون تقدم الرياضة النسائية في إيران. يرجع ذلك في المقام الأول إلى أن الرعاة يشعرون بأن الرياضة النسائية لا تجلب عائدًا كافيًا، مقارنة بالرياضة الرجالية؛ نتيجة نقص التغطية الإعلامية، وعدم اهتمام المشاهدين، وتواضع عدد من المشاركات.

Embed from Getty Images

مشجعات إيرانيات يرفعن علم بلادهن خلال مباراة فريق منتخبهن مع البحرين المؤهلة لكأس العالم 

ما يزيد الطين بلة، هو تجاهل الاتحادات الرياضية، التي تخصص للرياضة النسائية ميزانية ضئيلة للغاية، وتترك بعض الرياضات بدون مدربين، ونادرًا ما تنظم مباريات ودية، وأحيانًا ترفض رعاية الرياضيات وتأهيلهن لخوض المنافسات الدولية. فإذا كان هذا هو موقف الاتحادات التي يفترض أنها راعية الرياضيين في الدولة، فلا غرابة أن يحجم الرعاة الخارجيون عن دعم الرياضات النسائية.

وأحد الأسباب الرئيسية وراء غياب رعاية الفرق الرياضية النسائية، هو حظر البث التلفزيوني للمباريات. إذ «يبحث الرعاة عن المشاهدين. وإلا فلن يمولوا (أي فريق)، وهذه إحدى أكبر المشكلات الأساسية التي جعلت الأمور صعبة بالنسبة إلى فرق كرة الصالات النسائية» كما تقول شهناز ياري، المدير الفني لفريق «سبوترود» لكرة الصالات. 

كان ذلك جليًّا في دوري كرة القدم عام 2018، إذ كان من المفترض أن يشارك 14 فريقًا، لكن عدد الفرق انخفض إلى 11 فريقًا بسبب نقص الرعاة. وفي ظل المشاكل الاقتصادية ونقص الدعم الحكومي، لم تتمكن العديد من فرق كرة الصالات من المشاركة في الدوري هذا العام. 

وفي بعض الأحيان، تُحَلّ الفرق بأكملها، بسبب غياب الرعاة. وفي أوقات أخرى، قد لا تملك الفرق الأموال اللازمة للسفر إلى مدينة أخرى للمشاركة في البطولات. ناهيك عن سوء تجهيز الملاعب، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى إصابة اللاعبات، وربما تأجيل المباريات. 

هذا النقص في الدعم والرعاية يعترف به – وإن بصيغة مخففة- رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية الإيرانية، رضا صالحي أميري، الذي صرح في أبريل (نيسان) 2018 بأن «العنصر النسائي في المجتمع الإيراني ما زال يطالبنا بالكثير من الأمور الأساسية في مجال رياضة السيدات».

الحجاب في قلب العاصفة.. بين تكبيل المرأة وتسليعها

احتدم الجدل حول الحجاب، بعد قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم في عام 2011 باستبعاد فريق كرة القدم الإيراني من مباراة التأهل للأولمبياد ضد الأردن. وبينما أوضحت «الفيفا» أن قرارها استند إلى «مخاوف تتعلق بالسلامة»، رأى كثيرون أن تفسير الاتحاد ليس سوى ذريعة للاعتراض على اللباس الإسلامي ذاته.

ندا شهسواری‎، لاعبة كرة الطاولة الإيرانية في مباراة التصفيات المؤهلة للسيدات في بطولة العالم لتنس الطاولة في ميسي دوسلدورف، ألمانيا.

أعربت السلطات الإيرانية عن غضبها من القرار، وقال الرئيس الإيراني آنذاك، أحمدي نجاد، مستهجنًا: «هؤلاء الطغاة والمستعمرون يريدون فرض نمط حياتهم على الآخرين»، متعهدًا بالدفاع عن «حقوق فتياتنا»، على حد تعبيره. 

على أحد جانبي الجدال، يستند المعارضون لارتداء الملابس المحتشمة إلى عدة مبررات، من بينها:

  1. الملابس غير الرياضية تشكل مخاوف تتعلق بالسلامة.
  2. الملابس الإسلامية تشكل انتهاكًا للطبيعة العلمانية للمسابقات الرياضية الدولية.
  3. السماح بارتداء الحجاب في المنافسات الدولية سيضعف قدرة اللجان الرياضية الدولية على معاقبة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. 

بيد أن التبرير الثالث مشحون سياسيًّا؛ لأن تحديد الدول التي تستحق العقوبة عملية انتقائية للغاية. فمنذ عام 2000، كانت الدول ذات الأغلبية المسلمة فقط، هي التي حُظِرت أو هُدِّدَت بالحظر من الألعاب الأولمبية لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان، على الرغم من انتهاكات حقوق الإنسان تحدث أيضًا في العديد من البلدان غير الإسلامية.

هناك أيضًا الطبيعة السياسية والاقتصادية، والمصالح المعقدة، التي تنطوي عليها الفعاليات الرياضية الدولية، التي هي في الواقع كعكة شهية، تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

أما المعترضون على حظر الحجاب، فينتقدون «تسليع المرأة جنسيًّا» في المجتمعات الغربية، ويرون أن هذه الثقافة ذاتها متغلغلة أيضًا في الرياضة على المستوى الدولي. وهم يستشهدون، ليس بالفتاوى الدينية، ولكن بمقالات متخصصة منشورة في صحف غربية مرموقة. 

وكانت فائزة هاشمي، رئيسة «الاتحاد الإسلامي للرياضة النسائية»، وابنة هاشمي رفسنجاني الرئيس الإيراني الأسبق، إحدى المدافعات بقوة عن الرياضة النسائية، وفتحت المجال أمام وصول المرأة إلى حمامات السباحة، وملاعب التنس والجولف. 

حظيت جهود فائزة بدعم والدها الراحل، الذي أوضح أن الإسلام يشجع ألعاب القوى للجميع، مستشهدًا بالحديث النبوي الذي يشجع تعليم الأطفال، بغض النظر عن جنسهم، السباحة، والرماية، وركوب الخيل. كما أصدر العديد من رجال الدين الإصلاحيين فتاوى تؤكد شرعية ممارسة النساء الرياضة، وإمكانية التوفيق بينها وبين التعاليم الإسلامية.

تغطية إعلامية بديلة.. كاميرات شخصية وصفحات تواصل لنقل المباريات الرياضية النسائية

في إيران، لا تبث القنوات التلفزيونية – التي تديرها الدولة- معظم المسابقات الرياضية النسائية بسبب القيود المفروضة على إظهار أجساد النساء. لكن الإيرانيات وجدن في وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة بديلة لتغطية المباريات، إذ يصورن المباريات بهواتفهن المحمولة، وينشرن أبرز اللقطات على صفحات خاصة.

لافتة تندد بمنع الإيرانيات من حضور المبارايات الرياضية

وقبل بضع سنوات، لم يكن أحد في الشارع يستطيع التعرف إلى الرياضيات البارزات – مثل لاعبة كرة الصالات فرشته كريمي- لكن هذا الوضع تغير الآن، نتيجة الجهود النسائية الحثيثة لإخراج هذه المباريات للنور. 

لكن ثمة مشكلة أخرى، تتمثل في أن منظمي المنافسات الرياضية في بعض الأحيان، يمنعون الحضور من التقاط الصور أو مقاطع الفيديو. ويحدث هذا عادة عندما يأتي فريق أجنبي إلى إيران، ولا يلتزم بقواعد اللباس الإسلامي، أو أثناء المباريات التي تكون فيها أجساد النساء أكثر ظهورًا، مثل المصارعة. ولا تتجرأ وسائل الإعلام على نشر صور أجساد النساء العارية، وإلا عرضت نفسها للإغلاق. 

وكان غريبًا، أن تسمح السلطات الإيرانية للصحفيين بالتقاط صور لمباراة كرة قدم ودية، بين الفرق الرياضية النسائية الإيرانية والأردنية، في طهران العام الماضي، حتى تساءل الصحفيون الرياضيون عما إذا كان هذا استثناء أو سياسة جديدة ستستمر.

وكشف الرئيس حسن روحاني في أبريل 2017 عن مشروع لبناء مدينة رياضية خاصة للنساء في محافظة شيراز، مبينًا أن المشروع سيقدم الفرص المناسبة للسيدات لممارسة الرياضة بشكل مريح.

المصافحة الحلال والتنكر في هيئة الرجال.. غرائب الرياضة النسائية في إيران

في المباريات الرجالية يعتاد المدرب مصافحة لاعبي فريقه؛ احتفالًا بإنجازهم، لكن لأن المصافحة بين الجنسين في إيران لا تعد خيارًا مطروحًا، لجأ البعض إلى «المصافحة الحلال» فيمسك المدرب لوحة بيضاء وتصافحها اللاعبة بدلًا من التلامس المباشر بينهما. 

 

ومن المفارقات أن النساء الإيرانيات ممنوعات من مشاهدة كرة القدم الرجالية، بينما يُمنع الرجال بانتظام من حضور مبارايات كرة القدم النسائية. ورغم ذلك، تضطر الحكومة في كثير من الأحيان إلى تعيين مدربين من الذكور، لتدريب الفرق النسائية الرياضية، بسبب نقص المدربات المحترفات.

ومن غرائب الرياضة النسائية في إيران أيضًا؛ التنكر لدخول الملعب. فقد تنكرت مشجعات فريق «بيرسبوليس» الإيراني باللحى وأزياء الرجال لمشاهدة مباراة فريقهن أمام «سيبيدرود» من المدرجات، بعدما اعتقلت الشرطة الإيرانية 35 مشجعة حاولن الدخول إلى الملعب، الذي احتضن مواجهة «بيرسبوليس» ونادي «استقلال طهران».

وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي العام الماضي مقطع فيديو للمشجعات الإيرانيات، اللاتي وضعن اللحى والشعر المستعار، ولبسن أزياء الرجال، وهن يهتفن ويرددن أهازيج فريقهن المفضل، ويلتقطن الصور في المدرجات.

«مكانهن ليس المطبخ».. كيف تطورت كرة القدم النسائية من الحظر إلى الازدهار؟

الألعاب الأوليمبيةالأوليمبيادالثورة الإسلامية الإيرانيةالرياضةالرياضة النسائيةشاه إيرانممارسة الرياضة

المصادر