يبدأ «محمد هاني»، الطفل الذي لم يتجاوز عمره السنوات العشر، صباحه – بشكل يومي – بكثير من الدموع والصراخ رافضًا الذهاب إلى الورشة التي يعمل بها؛ والتي يقسو صاحبها عليه لكي يُنجز المطلوب منه من مهام، تكتفي والدته بإمطاره بالكثير من اللعنات، ونعته بـ«الطفل الشقي» الذي لا يُقدر صعوبة حياتهم، ومدى أهمية عمله بالنسبة لهم، تأخذه من يده غصبًا وتذهب به إلى صاحب الورشة، تطلب منه أن يبقي عليه في العمل، ولا يستغني عنه بسبب حالات تمرده الدائمة، وبطئه في أداء الأعمال المطلوبة منه.

محمد طفل يترك مدرسته في هذه العمر الصغيرة، ويضطر للخروج إلى العمل منذ نحو ثلاث سنوات في إحدى ورش تلميع الألمنيوم؛ لكي يساعد والده «الأرزقي» في توفير دخل البيت وتغطية نفقاته.

ملايين الرجال في سوق العرض اليومي

على غرار أن «كثرة الكلام يُنسي بعضه بعضًا»، يمكننا أن نقول: إن كثرة الشقاء يُنسي بعضه بعضًا أيضًا! فإذا كانت الحياة عبارة عن سلسلة متصلة من المتاعب والمصاعب والمشاق، فإنه يصبح من العسير تذكُّر مشقة الأمس؛ لأن مشقة اليوم تحل محلها بشكل سريع وفوري، ولا تسمح لها بالعودة، ولو مجرد طيف باهت تسترجعه الذاكرة المُنهكة، يمكننا أن نقول: إن هذا هو ملخص لحياة فئة من المصريين، والتي يُطلق عليها اسم «الأرزوقيه» أو «عمال التراحيل»، و الذين تُقدر أعدادهم بنحو 12 مليون عامل تراحيل ينتشرون في طول مصر.

ووفقًا لكتاب «تاريخ عمال الزراعة والتراحيل في مصر والعالم منذ عهد السخرة» فإن عددهم في عام 1964 كان يبلغ 200 ألف عامل. «الأرزقية» هو المسمَّى الذي أُطلق عليهم؛ لأنهم ينطلقون في بداية يومهم طالبين رزق اليوم فقط، والمهن التي يحصلون عليها تُقدر أجرهم بـ«اليومية»، وليس براتب شهري. فوفقًا للجهد البدني الذي يبذلونه ليومهم، يحصلون على المقابل المادي أو «اليومية»، وإذا كانت قواهم البدنية لا تسمح بالعمل، أو إنجاز المهام المطلوبة، فإنهم يعودون إلى بيوتهم خوالي الوفاض، وبلا أية قدرة على توفير وجبة واحدة لليوم.

«جمال محمود» – 40 سنة – يعمل أرزقيًّا تتلخَّص مهامه اليومية في مساعدة عمَّال الطلاء في خلط الدهانات، أو حمل مواد البناء، من الرمل والأسمنت، من أسفل لأعلى؛ للصعود بها إلى العمَّال الذين يتولون أمور البناء، بالرغم من مشقَّة العمل – خاصًة خلال أيام الصيف التي تتسم بشدة الحرارة والشمس الحارقة – وبالرغم من خطورته أيضًا – حيث يسقط كل فترة أمام عيني جمال أحد زملائه من أعلى أحد طوابق البناء فاقدًا لحياته أو مصابًا بعدة كسور في مختلف أنحاء جسده – إلا أن أسعد أيام جمال في الحياة هي تلك التي يعمل خلالها، فالعمل بالنسبة له نعمة كبيرة ورزق وخير، إذا قارناه بالأيام الطويلة التي يقضيها بلا عمل، ولا يجد ثمن الطعام، ولا حتى لدفع إيجار الحجرة التي يسكن بها، فيلجأ للاقتراض من زملائه ومن الجيران على أمل أن يعمل قريبًا، ويسدد ما عليه من ديون.

عمال التراحيل بانتظار فرصة عمل- المصدر ahram.org

دفتر وفيَّات لا يُغلق

بالنسبة لعمال التراحيل، فليس ثمة تأمين صحي، ولا مرتب ثابت، إذا ساء الوضع الصحي تحت أي ظرف، فلا عمل، ولا دخل، وقتها سيجوع الصغار، وربما يُطردون من الحجرة أو الشقة الصغيرة التي تأويهم، هذا بخلاف إصابات العمل، حيث يمكن أن يسقط الكثير منهم أثناء عمله في حمل مواد البناء من مسافة مرتفعة؛ ليؤدي ذلك إلى موته، أو على أفضل تقدير: كسر أحد أطرافه، وربما يفضل الكثيرون منهم الحالة الأولى عن الحالة الثانية؛ لأنهم في الثانية سيضطرون إلى مواجهة هم الحاجة، وعدم وجود المال بسبب الجلوس في المنزل بلا عمل، وبالطبع إصابات العمل تكون بلا تعويض؛ إذ لا  مسؤولية لأحد تجاههم، ولا مكان عمل ثابت يخصهم أساسًا.

اقرأ أيضًا: «الجنوبيّ».. 5 وجوه يحملها قطار الصعيد إلى القاهرة

دفتر الوفيات لا يُغلق من كثرة أعداد من يلقون مصرعهم يوميًا خلال ممارسة هذه المهن؛ ففي يونيو (حزيران) عام 2016 لقي عامل مصرعه، وأصيب 10 آخرون في انقلاب سيارة عمال تراحيل بطريق شبين الكوم السادات، بمحافظة المنوفية، وتم نقل المصابين إلى المستشفى، وفي أغسطس (آب) عام 2017 لقي عاملا تراحيل مصرعهما، وإصابة  ستة آخرين جراء انقلاب سيارة بدمياط، هذه أمثلة بسيطة من النذر اليسير الذي رشح لصفحات الحوادث، وما خفي كان أعظم بالطبع.

لا يخاف جمال على حياته كثيرًا من مخاطر عمله؛ فما يواجهه حينما يكون بلا عمل، أصعب عليه مئات المرات من احتمالية الموت التي يواجهها كل دقيقة، الآن يقرر أن خطأه الأكبر هو أنه فكر في الزواج، فمن يحمل روحه على كفه يوميًا في سبيل الحصول على جنيهات قليلة تسد رمقه، يكون من قلة عقله تفكيره في الزواج، على حد تعبير جمال، حيث تزوج منذ عدة سنوات، ولم يستمر مع زوجته أكثر من عام واحد، تركته وهي تحمل ابنه هاربة إلى بيت أهلها من وطأة الجوع والخوف الدائم من الطرد من السكن.

يقول جمال لـ«ساسة بوست»: «كان كل ما أتمناه من الزواج أن أجد أسرة أعود إليها وأطمئن بها في حالات المرض والمشقة الشديدة، لم أكن أودّ أن أظلم أحدًا، ولكني ظلمت زوجتي رغمًا عني، كيف لي أن ألومها لأنها لم تحتمل أن تصبر أيامًا طويلة قد تصل إلى الشهر، دون أن يدخل بيتها جنيه واحد؟ كيف لها أن تتحمل أن تأكل وجبة واحدة طوال اليوم؟ كيف لها أن تحتمل الخوف الذي يصيبها حينما تسمع صوت محصل فواتير المياه أو الكهرباء، وطرقها أبواب الجيران لتستدين منهم خوفًا من قطع التيار، بالطبع عودتها إلى بيت والدها – وإن لم يكن أفضل حالًا بكثير – خير لها، على الأقل ستجد طعامًا لها ولابنها، وهو ما لا أستطيع أنا توفيره في أحيان كثيرة».

بصحبة أدوات العمل في انتظار الرزق- المصدر ahram.org

سوق الرجال.. العمل للأقوى بدنيًا

المشهد أشبه بكونه سوقًا للرجال، حيث يتجمعون على الأرصفة في أماكن محددة عُرفت بتواجدهم فيها، مثل أحياء عرب المعادي، والمعادي الجديدة، بالقاهرة، ينتظرون أن يأتي صاحب عمل أو مقاول، ليقف أمامهم؛ ينظر إلى وجوههم؛ ويتخير منهم العدد المناسب لإنجاز العمل الذي لديه.

بالطبع هو في هذه الحال يختار الأقوى والأصح بدنًا؛ لأن الأعمال المكلفين بها تكون في الأغلب حمل مواد البناء، والصعود بمواسير رفيعة من الحديد أو الخشب لنقلها من أسفل إلى أعلى، إذا كانت المهمة مُتعلقة ببناء مبنى حديث، أو ربما تكون المهمة مُتعلقة بتشطيب أحد المباني؛ مما يتطلب منهم المشاركة في أعمال النقاشة والدهان كمساعدين لأصحاب المهنة، ويتولون فقط خلط الدهانات، والمساعدة في الأعمال التي تحتاج إلى أيد عاملة، ولا تتعلق بمهنة أو صنعة ولا خبرة، بالطبع يحاول صاحب العمل أيضًا اختيار أبسطهم من حيث الهيئة – وأغلبهم في تلك البساطة، سواء على كل حال – لكي لا يناقشونه أبدًا في زيادة اليومية.

بعد اختيار صاحب العمل العمال المناسبين له يقوم بنقلهم على عربة نقل يكون قد أحضرها لهذا الغرض، وينطلق بهم في رحلة العمل، أما الباقون من زملائهم فيستمرون في موضعهم على الأرصفة تحت شمس الصيف الحارقة التي يحاولون التغلب عليها باستخدام أوراق الجرائد المهترئة كمظلات، وفي ساعات انتظارهم الطويلة ربما تأتي الشرطة بدلًا عن صاحب العمل الذي ينتظرون أن يأخذهم إلى «رزق» جديد، تأخذهم الشرطة من الرصيف، وتحتجزهم يومين أو ثلاثة، ثم تطلق سراحهم، وهم لا يعرفون سببًا لاحتجازهم، ولا لإطلاق سراحهم، وفي أغلب الأحيان يكون الأمر مجرد اشتباه في حادثة وقعت في مكان تجمعهم، فيكونون هم المشتبه الأول فيه.

«فوزي عبد الرازق» شاب تتناقص من بين يديه سنوات عمره في هذه المهنة، دون أن يستطيع تحقيق أي شيء، وجد عشريناته تنتهي، ثم الثلاثينات، دون أن يتمكن من الحصول على عمل ثابت، أو إدخار أي شيء، بخلاف قدرته على توفير وجباته اليومية، لم يفكر في الزواج أبدًا، ظل جالسًا في منزل والده، يكتفي بالنظر في الأرض خجلًا عندما يرى والده السبعيني الذي لازال يعمل حتى هذا العمر، فيما هو لا يستطيع أن يساهم معه في مصروف البيت، تلك النظرة الخجلى لا يضاهيها سوى خجل فوزي حينما يأتي صاحب العمل ويقلّب نظره فيه وفي زملائه أثناء جلوسهم على الرصيف؛ ليتوصل إلى الأقوى بدنيًا بينهم، في هذه اللحظة يسترجع فوزي مشاهد أسواق العبيد التي كان يراها في الأفلام القديمة، كل هذا يحتمله في سبيل أن يستطيع توفير ثمن طعامه اليومي، ولا يضطر للجوء لوالده في هذا الأمر أيضًا.  

عمال التراحيل في أسيوط – المصدر youtube

معاناة تمتد لأسر كاملة

لا تقتصر معاناة هؤلاء العمال على ذاتهم فقط، وإنما تمتد لتشمل زوجاتهم وأطفالهم الذين ربما يلجأون للخروج إلى سوق العمل في عمر السنوات السبع أو أقل.

«هند محمد» – 28 سنة – عاملة نظافة بمركز شباب، وزوجة أحد العمال الأرزوقية – تقول لـ«ساسة بوست»:

«قررنا أنا وزوجي الزواج منذ نحو ثماني سنوات تقريبًا، ولدينا طفلتان، إحداهما في السادسة من عمرها، والأخرى في السابعة، عمل زوجي يُعرض حياته للخطر بشكل يومي؛ ففي أيام عمله نتوقع في أية لحظة عودته مصابًا، فالحوادث التي يتعرض لها زملاؤه كثيرة ومستمرة، والكارثة الأكبر أن لا تأمين لهم علي حياتهم، بمجرد إصابته بأية إصابة تمنعه من الحركة أو تؤثر على قواه البدنية؛ سيجلس في البيت، وينقطع عنه كل مصدر للدخل، بالرغم من أن الدخل خلال فترات العمل أساسًا لا يكفي أي شيء، فنلجأ للاستدانة، أو يتدخل الأهل لتوفير وجبات الطعام لنا ولأطفالنا.

ودون هذه الفترات، هناك أيام طويلة من الانقطاع التام عن أية فرصة عمل، فيخرج للجلوس على الرصيف، ويعود دون أن يطلبه أحد في أي عمل، هذا بخلاف «الحكومة» التي لا ترحمهم، وتأتي لتجمعهم بمجرد جلوسهم على الرصيف، وهم لا يدرون ماذا يفعلون، فلا وسيلة أخرى لجعل أصحاب العمل يرونهم ويعرفونهم غير جلوسهم مجتمعين على الأرصفة في أماكن محددة».

كل هذا دفع هند أن تخرج من البيت وتحاول العثور على أية فرصة عمل، وهو أمر عسير عليها للغاية؛ لأنها لا تعرف حتى كيف تقرأ أو تكتب، لم يكن أمامها سوى أن تعمل خادمة في المنازل، وهذا ما لم تفضله؛ إذ كانت مضطرة لاصطحاب طفلتيها معها، وهو ما لن يحتمله أي منزل تعمل فيه، فتوسط لها بعض معارفها للعمل كعاملة نظافة في أحد مراكز الشباب الحكومية خلال الفترة المسائية؛ وهو ما يسمح لها باصطحاب طفلتيها، وتركهم في حجرة العاملات؛ حتى تتمكن من إنهاء أعمالها، وتعود إليهما، أو تتركهن للعب أمام عينيها في ملاعب المركز.

نداءات للدولة بالالتفات.. واستجابة خجولة

في محاولة لمعالجة تلك المشكلات، يصرح نائب رئيس اتحاد نقابات عمال مصر «مجدي البدوي» لجريدة الدستور «أن الاتحاد بصدد الانتهاء من إعداد مشروع قانون لكل من التأمين الصحي والاجتماعي للعمال من أصحاب الدخول المنخفضة تمهيدًا لعرضه على مجلس النواب خلال الأسابيع القليلة المقبلة». ويضيف البدوي أن «الاتحاد يسعى من خلال تلك التشريعات لتوسيع مظلة الرعاية الصحية والاجتماعية لتشمل الفئات المهمشة، لاسيما عمال اليومية، وكذلك أسرهم، حتى لا يتحولوا إلى متسولين، أو يتم استغلالهم في أي نشاطات، أو أعمال مخالفة للقانون».

ويطالب «أحمد بهاء الدين شعبان»، رئيس «الحزب الاشتراكي المصري»، البرلمان بالالتفات إلى معاناة الفئات الاجتماعية المهمشة، خاصة الفئات التي ليس لديها مصدر دخل ثابت، ووضع تصورات لحل أزمتهم في أسرع وقت قبل فوات الأوان. ويؤكد أن أوضاع العمالة غير المنتظمة بالغة الصعوبة، وليس لهم نقابات منظمة، أو اتحادات، أو روابط تدافع عنهم، وتحمي مصالحهم، بعد أن سقطوا من حسابات الدولة بشكل كامل، ولم ينالوا الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية من تعليم ورعاية وطعام.

لا ترى «سناء أحمد» – والدة الطفل محمد هاني – أية غضاضة فيما تفعله مع طفلها، وتقول لـ«ساسة بوست»: «لا أستطيع أن أتحمل نفقات تعليمه؛ لأن والده  يعمل يومًا، و10 لا يعمل، كما أن لديه إخوة علينا توفير طعامهم، ثم فيم سيفيده التعليم؟ سيتخرج من الجامعة ليجلس بجانبي في البيت بلا عمل، الأحسن أن يعمل منذ الآن، ويتعلم صنعة، ويعين أباه، ويساعد في تربية إخوته».

لا يسمع محمد أيًا من كل هذا، يستمر في بكاء لا ينقطع، وكل ما يعنيه ألا يذهب للورشة مرة أخرى، وألا يستمر في التعامل مع قسوة صاحبها.

المصادر

تحميل المزيد