في عصر طغت فيه التكنولوجيا الحديثة على حياة البشر، وتسببت في تغير الكثير من عاداتهم، أبرزها تراجع استخدام الإنسان قوته الجسدية لحساب الآلات الحديثة، أصبحت ممارسة الرياضة نوعًا من الرفاهية التي يلجأ إليها البعض لتقليل الآثار الجانبية لهذا التحوّل، مثل قلة النشاط البدني وأثرها السيئ على الصحة الجسدية والعقلية.

ولكن يبدو أنه حتى هذه الرفاهية سيكون لها بديل سهل، دون الحاجة إلى المجهود الذي يمارسه الإنسان في التمارين الرياضية. إذ يعمل الباحثون حاليًا على تطوير أدوية تعطي نفس الفوائد الصحية للتمارين الرياضية؛ ما يجعلنا نسير بخطى ثابتة نحو مزيد من الراحة والكسل، وقلة النشاط البدني.

قصة المنشطات

البحث عن الأدوية والعقاقير التي ترفع من مستوى الأداء البدني مسعى بشري قديم، إذ استخدمت بعض أنواع الأعشاب والفطر لتحسين الأداء البدني في عصور عند الرومان واليونانيين، وصولًا إلى القرن التاسع عشر حين استخدم البشر الكحول، والأفيون، والكافيين لتنشيط الأداء البدني.

أما استخدام العقاقير المنشطة بمفهومها المتداول حاليًا، فيعود إلى الحرب العالمية الثانية عندما استخدم الأمريكيون مواد تسمى الأمفيتامينات لتعزيز تأهّبهم وتيقظهم، واستخدم الألمان في المقابل منشطات لتحفيز وتقوية نشاطهم وهجومهم على القوات المقابلة خلال الحرب.

Embed from Getty Images

شعار الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات

بعد انتهاء الحرب بدأ استخدام هذه العقاقير وغيرها في عالم الألعاب الرياضية، لكن حدثت عدة حالات وفيات بسبب تعاطي المنشطات، لذلك أسّست اللجنة الأولمبية الدولية هيئةً طبية للإشراف على هذا الملف الشائك. وبالفعل قامت الهيئة الجديدة بحظر استخدام المنشطات ومواد أخرى تعزز الأداء الرياضي، وبدأت بعمل فحوصات شاملة للاعبين في دورة أولمبيات ميونخ عام 1972.

ومنذ ذلك الحين توسّعت قائمة المحظورات: الستيرويد عام 1975، والكافيين والتستوستيرون عامَ 1983، ثم منشطات الدم مثل الإريثروبويتين، وهي مادة تزيد من عدد كريات الدم الحمراء وترفع من كفاءة الرياضيّ، ثم أسست عام 1999 الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات لتراقب استخدام الرياضيين للمواد الكيميائية المنشّطة.

ثورة المنشطات

واحدة من الحالات المهمّة والمحظورة من قبل وكالة مكافحة المنشطات، العقار الذي طوره الباحث رونالد إيفانز. لم يتعمّد إيفانز إطلاق هذا الجنون في استخدام المنشطات، فالمادة الكيميائية التي كان يدرسها منذ فترة طويلة اكتشف أن راكبي الدراجات، والملاكمين، والعدائين، ولاعبي كمال الأجسام يستخدمونها؛ إذ تجعلهم أكثر قوة ورشاقة حسبما يقولون.

Embed from Getty Images

بدأت القصة عام 2007 مع إيفانز، وهو عالم أحياء في معهد سالك للدراسات البيولوجية في الولايات المتحدة، أجرى بعض التجارب على فئران تركض على عجلات التمرين، أطعمها الباحث عقارًا يعرف باسم «GW1516»، فئران التجربة غير قوية بدنيًا، وتوقّع البحث أن يكون تأثير العقار متواضعًا. ولكن التجارب أظهرت نتائج مبهرة، إذ استطاعت الفئران السير ضعف المسافة تقريبًا، والنتيجة أشبهُ بتحويل شخص بدين معتاد على الجلوس على الأريكة إلى عداء قوي، ولكن هذا العقار لم يكن جاهزًا للاستخدام البشري.

ولكن التمرين الطبيعي هو أفضل دواء، فتحريك الجسم ولو بقدر ضئيل، يمنح الجسم فوائد مختلفة، بدءًا من تقوية العظام إلى تنشيط العقل أكثر، ورغم ذلك: ماذا لو كان بإمكانك استخدام حبوبٍ منشطة تُقلّد العمليات التي تحدث في الجسم أثناء ممارسة الرياضة؟ لتُعطيك نفس فوائد الرياضة دون القيام بأي تدريبات. هذا السؤال مع العمل الواعد لإيفانز أثار حركة جديدة لاكتشاف مثل هذا الأنواع من الأدوية، ومعها أثير جدل محتدم حول كيفية استخدامها.

ثورة قادمة في الطريق

هناك باحثون، مثل إيفانز، مصممون على التحرك في هذا الطريق.

في دراسة نشرت عام 2012، وأجريت على بالغين في أكثر من 100 دولة، وجدت أن 31% منهم غير نشطين بدنيًا، وتوصي منظمة الصحة العالمية بما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين المعتدلة أسبوعيًا، ومع ذلك فإن أكثر من ربع البشر لا يفعلون ذلك.

يرى بعض الباحثين أن تناول طعام صحي مع ممارسة الرياضة ليس مهمًا كما في السابق، ويشرح بعضهم أنّ الإنسان خلال تطوّره عبر قرون تبرمج على تخزين الدهون للبقاء على قيد الحياة في الشتاء والمجاعات، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون ممارسة الرياضة صعبة على الإنسان.

الكثير من البشر لديهم حدود جسدية معينة تقيّد نشاطهم، وبالتالي يمكن لممارسة الرياضة بتناول الحبوب أن تسمح لمن لا يمارسونها بالحصول على بعض فوائدها، الأمر هنا أشبه بتناول حبوب حرق الدهون وإنقاص الوزن للتخسيس بدلًا عن ممارسة المجهود البدني.

كيف تعمل هذه الأدوية؟

يلجأ الكثير منا إلى ممارسة الرياضة كوسيلة لفقدان الوزن، لكن الفوائد تتجاوز ذلك بكثير. لأن هذا الفعل يتحدى تقريبًا كل عضو في الجسم؛ مما يحفز عمليات النمو والإصلاح. كما أنه يتسبب في حدوث تحول كبير في عملية التمثيل الغذائي في الجسم مما يحمي من السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي، مثل مرض السكري والسرطان. تشمل المزايا الأخرى نظامًا للقلب والأوعية الدموية أكثر كفاءة، وتعزيز الإدراك والذاكرة والمزاج، وحتى حياة أطول.

أوضحت دراسة نشرت عام 2013 أن العضلات تعمل كمراكز تحكّم تستضيف نوعًا من البروتينات التي تستشعر وجود نشاط كبير في الجسم، فتُرسل إشارات إلى كافة أنحاء الجسم لإحداث تغييرات كبيرة تتجاوب مع هذا المجهود البدني المبذول. وعلى سبيل المثال عندما تتقلص العضلات بشدة فإنها تُطلق كمية من أيونات الكالسيوم كإشارة بداية على المجهود.

صحة

منذ 4 شهور
تعلّم من الإسبان.. 8 فوائد للقيلولة لا تعرفها على الأرجح

تتبع هذه الإشارة إشارات كيميائية أخرى متتالية تتدفق إلى أجهزة مختلفة في الجسم، لتحفّز مجموعة من الاستجابات، وعلى سبيل المثال، قد تطلب هذه الإشارات الكيميائية من الدماغ العمل على نمو خلايا عصبية جديدة أو تطلب تحفيز العظام لتصبح أقوى.

ومن هنا، يجب أن تكون الحبوب المُنشطة قادرةً على محاكاة كل ما تفعله التمارين الرياضية بالجسم، وهذه العملية أعقد وتختلفُ عن آلية العمل التقليدية لغالبية الأدوية المنشطة الشائعة التي تعتمد على استهداف بروتينات مسؤولة عن وظيفة معينة في الجسم، لتسرّع إنتاجها أو تكبحها. فعقاقيرٌ مثل «الستاتين» تعمل على تثبيط البروتين اللازم لصنع الكوليسترول في الجسم، لتخفّض مستوى الكوليسترول في الدم وهكذا.

أدوية بديلة للتمارين

هناك عدد من الأدوية التي يعمل الباحثون على تطويرها لتكون بديلةً عن التمارين، مثل:

عقار «GW1516»

عقار «GW1516» استخدمه رونالد إيفانز، ويستهدف نوعًا مختلفًا من البروتينات يسمى «PPAR-delta»، هذا البروتين يوصف بأنه مفتاح رئيس، عند تحفيزه يُنشط برنامجًا تشمل تأثيراته: التغيير في عملية تكوين العضلات، وتقليل كمية الألياف العضلية الخاصة بالنشاط المفاجئ، وزيادة نسبة الألياف المخصصة للنشاطات الطويلة، ودفع أجسامنا إلى التحول من حرق السكر إلى حرق الدهون للحصول على الطاقة.

مادة «Irisin» الكيميائية

في 2012 اكتشف هرمونٌ تفرزه العضلات أثناء التمرين، أطلق عليه اسم «Irisin»، وهي مادة كيميائية تساعد في إخبار أجزاء مختلفة من الجسم بالانخراط في وضع التمرين البدني.

في الفئران البدينة، زيادة مستويات «Irisin» حوّلت الدهون البيضاء غير النشطة إلى دهون بنية تحرق الطاقة؛ مما تسبب في إنقاص وزن الفئران حتى مع اتباع نظام غذائي غني بالدهون.

Embed from Getty Images

«المركب 14»

في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة، وجد باحثون جزيئًا صغيرًا يعرف باسم «المركب 14»، والذي يُنشط بشكل غير مباشر أحد المستشعرات المرتبطة بحرق وإنتاج الطاقة يسمى «AMPK»، عندما أعطى الباحثون هذا المركب لفئران تتبع نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون (حتى أصيبوا بالسمنة وظهرت عليهم أعراض شبيهة بمرض السكري)، كانت النتائج مذهلة، وفقدت الفئران الوزن الزائد واختفت أعراض مرض السكري. وبحسب الباحثين، يبدو أن «المركب 14» إن صحّ التعبير «يعيد برمجة» عملية التمثيل الغذائي لهذه الفئران بالكامل.

انتقادات للفكرة

ينتقد باحثون آخرون هذا التوجّه، ويقولون إن مجرد استخدام مصطلح «محاكاة التمرين» عبر أخذ حبة دواء هو أمر سخيف، ويقدّمون اعتراضين أساسين: الأول، أن هناك العديد من أنواع التمارين الرياضية ولكل منها تأثيرات فسيولوجية مختلفة ومسارات كيميائية غير متشابهة.

ويعتقد بعض الباحثين أن الوصول إلى حبة دواء تحاكي كل تأثيرات التمارين الرياضية هو أمر مستحيل، فإذا قلنا إنه يمكن محاكاة بعض فوائد الصحة العقلية التي تتسبب فيها ممارسة الرياضة لأنها مرتبطة بعمليات بيوكيميائية، إلا إن هذه الحبوب المقترحة لا يمكنها أن تمنحنا المزاج الناجم عن ركوب الدراجات الهوائية حول بحيرة جميلة أو لعب كرة القدم مع الأصدقاء.

الاعتراض الثاني هنا هو الآثار الجانبية، فقد تخلى الباحثون عن دراسات عقار «GW1516» لأن الجرعات العالية منه، والتي تُعطى على المدى الطويل، أحدثت أورامًا في الفئران؛ ما يعني أن السرطان قد يكون من آثار استخدام هذه الأدوية لتعزيز عملية التمثيل الغذائي، واليوم لا نعرفُ كامل تأثيراتها الجانبية.

Embed from Getty Images

في تجربة أخرى، نفّذتها عالمةٌ في جامعة فلوريدا الأمريكية، أعطت مركبًا ينشط مستشعر «AMPK»، وخلال أسبوع استفادت العضلات والدماغ وباتا أكثر نشاطًا، ولكن بعد أسبوعين، على الرغم من أن عضلات الفئران حينئذ لم تزل تبدو جيدة، ظهرت تأثيرات سيئة، إذ زادت الالتهابات في أدمغة الفئران، وأصبح أداؤها أسوأ.

وبدلًا عن استخدام الأدوية كمسار طويل الأمد لتعويض قلّة النشاط البدني، يقترح البعض أنها قد تصلح لفترة قصيرة، لحماية الأشخاص الذين لا يستطيعون ممارسة الرياضة بشكل صحيح، مثل من يمرّون في فترة نقاهة بعد عملية جراحية، أو حتى رواد الفضاء الذين يتعايشون مع انعدام الجاذبية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد