«نحن نشهد ولادة تقسيم تاريخي جديد»، كما يقول توماس فريدمان في «نيويورك تايمز»؛ فبعدما كان الاختصاران الشهيران «AC» و«BC» يرمزان تاريخيًا إلى حقبتَيْ قبل وبعد ميلاد المسيح، فإنهما في الوقت الراهن باتا يحملان رمزية جديدة، تشير إلى أن شكل العالم قبل جائحة فيروس كورونا، أصبح مختلفًا عن العالم بعد تفشي الفيروس، على كافة الأصعدة. 

في هذا التقرير، نستعرض أبرز التغييرات الجذرية التي يشهدها العالم الآن في «زمن كورونا»؛ بدءًا من تصالح الدول الرأسمالية مع المحرمات الاشتراكية، مرورًا بإعادة النظر في «ثوابت ثقافية» أو حتى اتخاذ «إجراءات متطرفة» تقوض الحريات وتنتهك الخصوصيات، وليس انتهاءً بتغيير كيفية التسوق والسفر والعمل وأيضًا طريقة صنع القرارات السياسية والاقتصادية. 

التصالح مع المحرمات بسبب كورونا.. هل يطرق «التأميم» أبواب فرنسا؟

بشَّر الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزى في عام 2008 بـ«نهاية السوق الحر» نتيجة حالة الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمات أسواق المال الأمريكية، وتنبَّأ قبل 12 سنة بـ«قرب نهاية العولمة» كما نعرفها، مع «أفول الرأسمالية المالية التي فرضت منطقها على الاقتصاد بأسره، وساهمت في انحراف مساره».

من قلب مدينة تولون الفرنسية، واتت ساركوزي الجرأة ليصف «القوة المطلقة للأسواق، ووجوب عدم تقييدها بأي قواعد أو تدخل سياسي» بأنها كانت فكرة «مجنونة»، وهو الوصف نفسه الذي رآه ينسحب أيضًا على فكرة أن «الأسواق دائمًا على حق»، مطالبًا بـ«إصلاح النظام الرأسمالي العالمي؛ بعدما كشفت الأزمة المالية (آنذاك) عن ثغرات خطيرة في الأنشطة المصرفية العالمية».

وبعد 10 سنوات، أعلن إيمانويل ماكرون في أول خطابٍ بعد تنصيبه رئيسًا لفرنسا خلفًا لفرانسوا هولاند الحرب على «النزعات التسلُّطيّة وتجاوزات الرأسمالية العالمية»، لكن برغم كل هذه السوابق الجريئة، لم يكن متوقعًا أن يصل الأمر بالرئيس ماكرون إلى حد التلويح في خطابٍ متلفز بـ«تأميم الصناعات» إذا لزم الأمر لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا.

وحديث ماكرون، الذي دعمه وزير ماليته برونو لو مير، عن «التأميم»، في دولةٍ مثل فرنسا تتبنى الاقتصاد الليبرالي؛ يدل على «تغيير في نمط التفكير الفرنسي»، بمعنى: أنه لم يعد من المحرمات أن تلجأ الدولة الفرنسية إلى إجراءات اشتراكية، تضع يد الدولة على قطاعات اقتصادية أساسية، بل ربما تكون الأزمة نقطة انطلاقٍ لإعادة النظر على القواعد الاقتصادية الراسخة في زمن العولمة، خاصة في قطاعات حية مثل الأدوية. 

اشتراكية في ثوب رأسمالي.. «بازوكا» اقتصادية ألمانية وتأميم إيطالي للطيران

صحيحٌ أن النهج الذي اتبعته فرنسا حتى الآن هو الأكثر جرأةً أوروبيًا؛ إذ تعهدت باريس بعدم السماح للفشل بأن يُقَوِّض أركان أي شركة فرنسية مهما كان حجمها، نتيجة التفشي الوبائي لفيروس كورونا الذي دفع الشركات، كبيرها وصغيرها، إلى تعليق عملياتها، متعهدةً بتقديم مئات المليارات من القروض وتأخير مدفوعات الضرائب وتعليق فواتير الإيجار والمرافق للشركات الصغيرة.

لكن فرنسا ليست بدعًا من الدول الأوروبية في اتخاذ هذا النهج الاقتصادي الصارم، حسبما يرصد تشارلز رايلي في «سي إن إن بزنس»؛ فها هي الدولة الألمانية أيضًا تلقي بثقلها لإدارة دفة المشهد الاقتصادي، فتحشد ما لا يقل عن 550 مليار دولار من ضمانات القروض، وتتعهد بتوفير سيولة غير محدودة للشركات المتضررة من الوباء، وليس هذا وذاك سوى جزء من حزمة إجراءات وصفها وزير المالية أولاف شولتس الأسبوع الماضي بأنها تشبه «البازوكا» (قاذف صواريخ مضاد للدبابات قادر على اختراق العوائق الصلبة).

وبعدما كانت الدول الرأسمالية تعيب على الدول الاشتراكية مثل هذا التدخُّل الحكومي المفرط، وتصفه بـ«الانتهازية» وتجرده من قيمة «التنافسية العادلة» التي تتعطش إليها الأسواق، باتت هي نفسها الآن تلجأ إلى ما كانت تنتقده في الماضي، ليس فقط تلويحًا بتأميم الصناعات كما فعلت فرنسا، أو بإطلاق بازوكا بقوة 500 مليار يورو كما فعلت ألمانيا، ولكن بالتدخل أكثر كما فعلت إيطاليا حين أعلنت اعتزامها تأميم شركة «أليتاليا» للطيران، التي فتك بها الركود الناتج عن الحظر الحالي.

وإذا كان التأميم هو آخر الدواء في فرنسا، فإن مجلس الوزراء الإيطالي ينظر الآن بالفعل في «تأسيس شركة جديدة تديرها تمامًا وزارة الاقتصاد والمالية، أو أن يكون لها الحصة الأكبر فيها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة». والبازوكا الإيطالية التي تجهزها الحكومة لاقتحام قطاع الطيران تبلغ قوتها 600 مليون يورو، والنتيجة المرتقبة هي: سيطرة الدولة على القطاع كاملًا أو على الأقل جزئيًا. 

إجراءات حربية بفعل كورونا.. تأميم المستشفيات وشركات الرعاية الصحية في إسبانيا

إذا كانت أوروبا هي مركز انتشار جائحة كورونا، فإسبانيا هي موطن ثاني أكبر عدد حالات الإصابة في القارة بعد إيطاليا ورابع أعلى معدل إصابة في العالم، مع ظهور أكثر من ألفَيْ حالة جديدة خلال آخر 24 ساعة، وتضاعف حالات الوفيات، والعداد لا يهدأ لحظة عن تحديث الأرقام. والحال هكذا، لم تجد الحكومة الإسبانية بدا من اللجوء إلى إجراء غير اعتيادي يتمثل في تأميم المستشفيات وشركات الرعاية الصحية الخاصة؛ في محاولة لمواجهة كورونا بكفاءة أكبر. 

Embed from Getty Images

وحالة الطوارئ التي أعلنتها إسبانيا هذه المرة ليست كتلك التي تطبقها الدول عادة أثناء الكوارث الطبيعية، بل تمنح الحكومة «سلطات استثنائية»؛ سيطرت بموجبها على المرافق الصحية، والمبادرات العامة والخاصة، وتحولت البلاد في ظل هذه الطوارئ إلى مدن أشباح، حتى لا تكاد ترى شخصًا يمشي في الشوارع إلا القليل. 

وصرح وزير الصحة سلفادور إيلا بأن مرافق الرعاية الصحية الخاصة ستصادر لعلاج المصابين بفيروس كورونا المستجد، ويجب على مصنعي وموردي معدات الرعاية الصحية إبلاغ الحكومة في غضون 48 ساعة.

هذه الإجراءات وغيرها «نادرًا ما نشاهدها في غير زمن الحرب»، كما تقول صحيفة «الجارديان» البريطانية، لكن الدول الأوروبية أعلنت بالفعل أنها في حالة حرب ضد عدو «غير مرئي ومراوغ» مثلما قال «ماكرون» ملوحًا بمعاقبة أي شخص يخالف الإجراءات التي تفرضها الحكومة، بل طبقت الشرطة الإيطالية بالفعل غرامات على 20 ألف شخص خلال أربعة أيام لعدم امتثالهم للقواعد المفروضة لاحتواء الفيروس. 

«حتى لو اتهموك بالتطرُّف».. دعوة لإعادة النظر في الثوابت الثقافية

التغييرات الجذرية التي يشهدها العالم نتيجة الذعر الناتج عن تفشي وباء كورونا العالمي، لا تقتصر على السياسات الاقتصادية أو الإجراءات الصحية أو العقوبات الجماعية، بل تمتد لتشمل إعادة النظر فيما قد يعتبره البعض ثوابت مجتمعية، انطلاقًا من قناعة أن مواجهة «الجائحة» تتطلب تغيير الثقافة وليس فقط البحث عن علاج دوائي.

في مقالٍ نشرته صحيفة «بوسطن جلوب» يوم 13 مارس (آذار) الجاري، أشارت البروفيسورة ميشيل جلفاند من جامعة ميريلاند، مؤلفة كتاب «Rule Makers, Rule Breakers: How Tight and Loose Cultures Wire the World» إلى بحث نشرته هي وزملاؤها في مجلة «ساينس» قبل عدة سنوات، خلص إلى أن المجتمعات التي تتبنى نهجا ثقافيًا صارمًا، في دول مثل الصين وسنغافورة والنمسا، لديها العديد من القواعد والعقوبات التي تحكم السلوك الاجتماعي، واعتاد مواطنوها على مستويات عالية من المراقبة التي تهدف إلى تعزيز السلوك الجيد. أما المجتمعات التي تتبنى نهجا ثقافيًا فضفاضًا، في دول مثل الولايات المتحدة وإيطاليا والبرازيل، فلديها قواعد أضعف وأكثر تسامحًا. 

صحة

منذ 8 شهور
كيف نجحت كوريا الجنوبية بدون إجراءات قمعية في السيطرة على كورونا؟

هذه الاختلافات في مستويات الصرامة في مقابل التسامح لم تكن عشوائية، بل وجد البحث الذي شمل 33 دولة أن البلدان التي لديها أقوى القوانين والعقوبات الأكثر صرامة، هي تلك التي كان لديها تاريخ من المجاعة والحرب والكوارث الطبيعية، وأيضًا تفشي الأمراض، وهو ما جعلها تتعلم بالطريقة الصعبة على مر القرون كيفية الاستفادة من القواعد الصارمة والنظام المنضبط لإنقاذ الأرواح. 

في المقابل، فإن الثقافات التي واجهت القليل من التهديدات – مثل الولايات المتحدة – كان لديها دائمًا رفاهية تبني ثقافة فضفاضة وأكثر تسامحًا، لكن في أوقات الخطر يتبين أن هذا التراخي يسهم في مضاعفة المخاطر، بالمقارنة بالاستجابة الأكثر كفاءة وفعالية التي أظهرتها المجتمعات الصارمة مثل سنغاورة وهونج كونج في مواجهة كوفيد-19.

والاستنتاج الذي توصلت إليه ميشيل جلفاند من التفشي الحالي هو: «أن برمجتنا الثقافية الفضفاضة تحتاج إلى تغيير كبير في الأيام القادمة»؛ ولا يعني هذا نقل مساوئ أنظمة الحكم المستبدة، بل التخلص من عيوب التراخي الحكومي والتساهل المجتمعيّ.

وإذا كان التغيير الذي تقترحه ميشيل وزملاؤها يتعلق بالثقافة، فإن نصيحة ياشا مونك، الكاتب المساهم في مجلة «ذي أتلانتك» تصل إلى حد «إلغاء كل شيء»، حتى لو بدا تصرفك «غريبًا، أو غضب منك الآخرون، أو سخروا منك، واتهموك بالتطرف، والإفراط في القلق»؛ لأن هذا ببساطة هو «الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله».

قوانين الطوارئ تُفّعل في إسرائيل و«الشين بيت» يراقب المصابين بكورونا

حتى في إسرائيل، التي يدعي البعض أنها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، تدفع الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو إلى استخدام «تدابير متطرفة»، بشريعة مكافحة التفشيّ الوبائي لفيروس كورونا. 

وخطة رئيس الوزراء الإسرائيلي تذهب إلى حد توظيف التكنولوجيا التي تستخدمها الأجهزة الأمنية لمكافحة المسلحين والمجرمين سلاحًا ضد المواطنين، وتجنيد أفراد الشرطة وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت) لمراقبة الأشخاص الذين يشتبه في إصابتهم بالفيروس.

Embed from Getty Images

ولم يكن الإسرائيليون يتخيلون في أحلك كوابيسهم، أنهم سيكونون في يوم من الأيام هدفًا لأدوات المراقبة التي عكفت المخابرات الإسرائيلية على تطويرها طيلة عقد ونصف، للتجسس على النشطاء الفلسطينيين والأشخاص الذين يوصفون بأنهم «أعداء الدولة» وحتى المجرمين.

ورغم تأكيد حكومة نتنياهو أن هذه التقنية ستستخدم فقط لتحديد المشتبه في إصابتهم بالفيروس، وتعهدها بتدمير البيانات ذات الصلة بعد 30 يومًا، يرى العديد من الإسرائيليين أن هذه الإجراءات – وإن حصلت على موافقة النائب العام – فإنها تشكل «انتهاكا واضحًا لحقوق الإنسان، وتمهد الطريق للتدخل في خصوصياتهم». 

بيدَ أن القلق الأكبر ناتج عن الطريقة التي اتخذ بها نتنياهو القرار، بعيدًا عن عيون الكنيست، بل رغم اعتراض لجنة فرعية تابعة للجنة الشؤون الخارجية والأمن، تشرف على أجهزة المخابرات ويقودها رئيس الأركان العسكرية الإسرائيلية السابق، جابي أشكنازي.

استغل نتنياهو الفوضى السياسية والفزع من تفشي الوباء العالمي، وأعاد تفعيل قوانين الطوارئ التي تعود إلى عهد الانتداب البريطاني. ففي عام 1939، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، أصدرت السلطات البريطانية هذه القوانين الاستثنائية لمحاربة ألمانيا النازية، ومنذ عام 1948 استخدمت إسرائيل هذه القوانين ضد الفلسطينيين، وها هي الأيام تدور لتُستَخدَم هذه المرة ضد الإسرائيليين أنفسهم. 

لا أحد يجرؤ على استشراف المستقبل.. تغييرات جذرية ستستمر لسنوات 

كل صدمةٍ اقتصاديةٍ وجائحةٍ وبائية تترك ندوبها على جسد البشرية، ولن يكون فيروس كورونا المستجد مختلفًا، إذ بدأ يغير منذ الآن كيفية التسوق والسفر والعمل، ومن المرجح أن يستمر هذا التأثير لسنوات قادمة. ففي غضون أسابيع فقط، اعتاد الناس في المناطق المتضررة على ارتداء الأقنعة، وتخزين الضروريات، وإلغاء التجمعات الاجتماعية والتجارية، وإلغاء خطط السفر، والعمل من المنزل. 

وإذا كان الوباء يؤدي إلى كبح الطلب على بعض السلع، فإنه على امتداد الخط يؤثر على العرض، ما يضطر المُصَنِّعين الدوليين إلى إعادة النظر في مصادر شراء وإنتاج سلعهم، ويسرع بالتبعية التحوُّل الذي أطلقته الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لتجنب مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للمكونات. باختصار: ما كانت القرارات الساسية والاقتصادية تفعله في سنوات، يمكن أن يحدثه الفيروس في أيام.

دولي

منذ 8 شهور
لماذا يشتري الأمريكيون السلاح لا المُطهرات لمواجهة «كورونا»؟

وبينما أعلنت البنوك المركزية حالة طوارئ غير مسبوقة، تلهَث الحكومات لإيجاد أموالٍ لدعم القطاعات المتعثرة، وباتت النظافة على رأس جدول أعمال الحكومات والشركات، حتى أن سنغافورة تخطط لتطبيق معايير تنظيف إلزامية، ناهيك عن التغييرات الأعمق أثرًا على أنماط العمل والتنقل، والتغييرات التي ستحفزها الجائحة ولا بد على صعيد الرعاية الصحية، حتى في الدول الفقيرة. ولأن آثار الصدمات لا تتشابه عادة؛ لا يجرؤ أحد على توقع ما هو قادم. 

وإذا لم ينته العالم قريبًا، واستمر الوضع الراهن لفترة أطول، فإن علماء النفس يخبروننا بأن ثمانية أسابيع فقط كافية لترسيخ عادات لم تكن موجودة من قبل، ليس فقط على صعيد الممارسات الفردية، ولكن أيضًا على مستوى وضع السياسات الاقتصادية وأساليب صنع القرار، والتحوُّل أسرع إلى ما يسمى بـ«التفكير مثل نظام والعمل كرائد أعمال».

المصادر

تحميل المزيد