أنا امرأة متزوجة ولدي ابنة في الثانية عشرة من عمرها. صراحةً إذا تقدم للزواج بها رجل بملامح «زنجية» فلن أزوجها له، وحتى هي سترفض، حسبما أعتقد. لست عنصرية، لكن هكذا تربيت. ما أعرفه وأراه دومًا أن السود يتزوجون نساء بنفس لونهم، ونادرًا ما يتزوج رجل أبيض بامرأة سوداء. هذا ما ألاحظه ويلاحظه العديدون. هذا لا علاقة له بالعنصرية، حسبما أظن *سيدة مغربية تدلي برأيها في تحقيق صحافي عن رفض الزواج من السود في المغرب.

ليالي أبيدجان الكاشفة

منذ أقل من خمس سنوات فقط، في عام 2011، دبرت فرنسا انقلابًا عسكريًا في ساحل العاج ضد الرئيس لورينت جباجبو، الذي حاول إنهاء ما اعتبره استغلالًا فرنسيًا لبلاده. تدخلت فرنسا بدباباتها ومروحياتها وقواتها الخاصة لإزاحة جباجبو، وقتلت 65 من المواطنين العزل، وجرحت حوالي 1200 آخرين، وأعلنت فرنسا بعد عزل الرئيس أن رجال المال والأعمال الفرنسيين قد خسروا ملايين الدولارات، إبان حكم جباجبو في عام 2006، نتيجة رحيلهم المتعجل من أبيدجان، وفي الواقع دفعت سلطة (ما بعد التدخل الفرنسي) لرجال الأعمال الفرنسيين تعويضات، تقدر بضعف ما قالوا إنهم خسروه.

بالنسبة للبعض كان ما حدث دليلًا على أن الاستعمار لم ينته، وإنما تغير شكله فقط. تتحكم الشركات الفرنسية في غالبية مرافق الدولة الأساسية بساحل العاج، بدايةً من المواني والبنوك، وصولًا للمواصلات والهواتف والمياه والكهرباء، ليس ذلك فحسب، فساحل العاج واحدة من 14 مستعمرة أفريقية سابقة لفرنسا، ملزمة حتى تلك اللحظة بإيداع احتياطاتها القومية من النقد في البنك المركزي الفرنسي.

على ما يبدو فإن السنوات الطويلة من الاستعمار وما تبعه، لم تكفل لفرنسا فقط السيطرة على الاحتياطات القومية من النقد في ساحل العاج، وإنما تركت أثرًا عميقًا على طبيعة نظرة المواطن في ساحل العاج لذاته في المرآة، كما سنرى بعد قليل. علمًا بأنه منذ تفجرت الثورة الصناعية في أوروبا منذ قرابة ثلاثة قرون، وانطلقت الجيوش الأوروبية في كافة أرجاء العالم بحثًا عن أسواق ناشئة لصادراتها، والعالم يتجه إلى تكريس معايير واحدة ومطلقة للجمال الشكلي، هي معايير الجمال الغربية، فالفرد يكون جميلًا ومقبولًا، وفق تلك المعايير الكونية والمُعولمة، كلما تشابه مع صورة الفرد الغربي الأبيض.

في أبيدجان التي تستقر فيها مصالح وفيرة لرجال الأعمال والشركات الغربية، تتكاثر اللوحات الإعلانية التي تحمل وجوهًا مُبيضة، حيث تلجأ الكثيرات من النساء هناك وعدد يتزايد بسرعة كبيرة من الرجال، إلى تبييض باطن الجلد أملًا في أن تصبح أشكالهم شبيهة بالأشكال الأوروبية. ومن كل الفئات الاجتماعية، بدايةً من البائعات الفقيرات وصولًا إلى نجمات الغناء والسينما، تتدفق العاجيات والعاجيون على صالونات التجميل وعلى متاجر العقاقير، أملًا في أن يحصلوا على بشرة بيضاء، تشبه بشرة مستعمريهم السابقين، الذين يسيطرون حتى اللحظة على احتياطاتهم القومية من النقد.

تعلم تلك الجموع الغفيرة السمراء، التي تدفع أموالًا ضخمة طمعًا في التشبه بمستعمريهم السابقين؛ أن مساحيق وعقاقير تفتيح البشرة تسبب ارتفاع ضغط الدم والسكري، وقد تؤدي أيضًا إلى السرطان، حتى إن أحد مسؤولي الشركات المتخصصة في تلك العقاقير بساحل العاج، قد قال صراحةً إنه يعلم جيدًا بكون منتجات شركته الخاصة بتفتيح البشرة مؤذية للغاية. لنا أن نتصور إذَا إلى أي حد ترفض تلك الجموع ذواتها ولونها، وتعرض نفسها لكل هذه الأخطار حتى تحصل على لون بشرة أبيض، يجعلهم يقتربون بعض الشيء من النموذج العالمي السائد عن الجمال، الذي يتطابق مع معايير الجمال الغربية.

لنا أن نتخيل إذا كان هذا هو الحال بعد عقود الاستعمار والعولمة، بالنسبة لنساء ورجال أفارقة يشعرون بالغربة إلى هذا الحد تجاه ألوانهم الأصلية، رغم أنهم يعيشون في مجتمع يمثل السود فيه الأغلبية الساحقة، ورغم أنهم يبعدون آلاف الأميال عن الغرب، فكيف سيكون حال السود الذين يمثلون أقلية داخل مجتمع غربي كامل؟

في الولايات المتحدة.. ترقيات السود مرتبطة بتغيير أشكالهم!

«قد يكون صحيحًا أن القانون لا يمكن أن يجعل شخصًا يحبني، لكن بإمكانه منعه من إعدامي زورًا، وهذا في اعتقادي في غاية الأهمية» – مارتن لوثر كينج.

بحسب دراسة «GenForward»، التي أجراها مجموعة من الشباب السود في جامعة شيكاجو بالولايات المتحدة الأمريكية، مع وكالة أسوشيتد برس، ومركز نورك لأبحاث الشؤون العامة، هذا العام، فإن 48% من الشباب السود (من سن 18 – 30 عامًا) في الولايات المتحدة، قد تعرضوا للتمييز العنصري أثناء بحثهم عن وظيفة، أو أثناء انتظارهم للترقيات خلال عملهم بالوظيفة التي حصلوا عليها، فيما تعرض لنفس الأمر قرابة ثلث الأمريكيين من أصل آسيوي ولاتيني، وقد استُقبل استطلاع «جينفوروارد» أكاديميًا باعتباره الاستطلاع الأول والأكبر من نوعه.

ووفقًا لمعهد السياسات الاقتصادية الأمريكي، فقد كان متوسط أجور الرجال السود في الساعة الواحدة أقل بـ31% من الرجال البيض في عام 2015، وفي نفس العام، كان متوسط أجور النساء السوداوات في الساعة الواحدة أقل بنسبة 19% من النساء البيض.

الشهادات كاشفة للغاية عن العنف الرمزي الذي يمارس ضد السود في الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن، ويدفعهم في كثير من الأحيان إلى كره ذواتهم، وكره لونهم الأصلي. تحكي بوتس؛ وهي مواطنة أمريكية سوداء، عن تجربتها في العمل بـ«Indiana discount store»، وتقول إنه حين جاء موعد ترقيتها، ورغم أن جميع قريناتها البيض قد حصلن على هذه الترقية، إلا أن الإدارة أبلغتها بأنها لا تُمثل الواجهة المقبولة التي تعكس صورة الشركة، وأخبروها أنه ينبغي عليها استعمال المستحضرات التجميلية التي تجعل شعرها ناعمًا مثل شعر زميلاتها. بالنسبة للمؤسسة كان الشعر الأفريقي بطبيعته مظهرًا غير مقبول، ولا يمكن أن تعامل صاحبته العملاء بشكل مباشر، في موقع رفيع بالمؤسسة. في الواقع رفضت بوتس التشبه بالبيض، واعتبرت هذا الأمر إجبارًا على احتقار ذاتها.

على الجانب الآخر تحكي فرح هولواي الأمريكية السوداء، ذات الـ24 ربيعًا، من ولاية نورث كارولينا، أنها في عديد المرات كانت تتجاوز الاختبارات الهاتفية للحصول على عمل، بنجاح كبير، وحين يقابلها المسؤولون في العمل الذين أخبروها بتجاوزها للامتحان الهاتفي بنجاح، من اللحظة الأولى ترى على وجوههم علامات الدهشة التي تقول إنهم لم يتوقعوا أن يكون مظهرها على هذا النحو، وأنهم لم يكونوا يتخيلون أن هذا الصوت الرقيق يخرج من فتاة سوداء بمثل هذه الملامح الأفريقية. تكون النتيجة بالطبع رفض انضمام هولواي للعمل. بالطبع لا يتصور هؤلاء الذين يرفضون فرح بسبب مظهرها الأفريقي، أن هذا الرفض ربما يؤدي بها إلى كراهية صورتها في المرآة، فلكي تحصل على عمل عليها ببساطة أن تتنكر عبر مساحيق التبييض وتنعيم الشعر، في مظهر فتاة تحاول الانسلاخ من شكلها الحقيقي، وعليها أن تستيقظ قبل الفتاة البيضاء التي تعمل في نفس المهنة بساعة على الأقل، لتحاول نحت هيئتها من جديد على النمط الغربي الأبيض.

في الواقع كان مشروع جينفوروارد كاشفًا لطبيعة النظام السائد في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي ربما يدفع العديد من السود إلى كراهية ذواتهم، والدخول في صراع حقيقي مع لونهم، وكأنه ذنبٌ يحملونه على ظهورهم منذ الولادة. يحدث هذا بعد مرور أكثر من نصف قرن على نجاح حركة الحقوق المدنية، في الحصول على بعض حقوق المواطنة للسود في الولايات المتحدة الأمريكية.

جدير بالذكر أن أحد المُرشَحين الأمريكيين لكرسي الرئاسة، وهو الملياردير الشهير دونالد ترامب، قد قاضته وزارة العدل الأمريكية أثناء رئاسته لمجموعة شركات عقارية تملكها عائلته في عام 1973، لأنه لا يوافق على بيع أو تأجير منازل لعائلات أو أشخاص سود.

أرقام كاشفة من الولايات المتحدة

مصدر الصورة: (BROOKINGS)

في هذا الرسم التوضيحي، يظهر أن فرصة الترقي الاجتماعي والحصول على دخل أفضل بالنسبة للسود أقل بكثير منها للبيض في الولايات المتحدة الأمريكية. 51% من السود الذين يولدون في الشريحة الأدنى من حيث توزيع الدخل، يقبعون في تلك الشريحة حتى سن الـ40، في حين أن 23% من المواطنين البيض، الذين يولدون في هذه الشريحة، يظلون فيها حتى نفس العمر.

على جانب آخر، يوضح لنا الشكل التالي، أن الفجوة بين متوسط ثروة الأسرة ذات البشرة البيضاء والأخرى ذات الأصول الأفريقية كبير، وقد تفاقم الوضع أكثر وأكثر بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

مصدر الصورة: (BROOKINGS)

يمثل السود 40% من عدد المسجونين في الولايات المتحدة، رغم أن نسبتهم من إجمالي السكان لا تتعدى 13%، وفي حين أن نسبة السود ممن يتعاطون المخدرات في الولايات المتحدة لا تتعدى 13%، إلا أن السود يمثلون 37% ممن يقبض عليهم في جرائم متعلقة بحيازة المخدرات، و56% ممن يسجنون بتهم متعلقة بالأمر نفسه، ورغم أن نسبة الأحداث السود في الولايات المتحدة الأمريكية لا تمثل أكثر من 16% من إجمالي عدد الأحداث في البلاد، إلا أن نسبتهم في السجون تبلغ 37%، علمًا بأنه في مدينة فيرجسون على سبيل المثال، وعدد من المدن الأخرى، عام 2013، كانت نسبة عدد المخالفات التي ارتكبها البيض حوالي 34%، في حين أن النسبة بخصوص السود كانت قد بلغت 22%.

يرى العديد من المراقبين، أن هذه الأرقام السابقة الخاصة بنسبة السود في السجون، تعود بالأساس لكون الشرطة تقوم بالتفتيش العشوائي لهم، أكثر مما تفعل مع أي عرق آخر، ففي مدينة فيرجسون مثلًا عام 2013، بلغت حالات التفتيش بين صفوف السود 92%. هذا بالإضافة إلى أن القضاة الأمريكيين يحكمون على السود بعقوبات أقسى بكثير، وأطول في المدة، من تلك التي يحكمون بها في حق البيض، هذا بالإضافة إلى الحوادث التي يقتل فيها رجال الشرطة مواطنين من أصل أفريقي، ثم تتعمد الشرطة التستر على المتورطين.

بحسب الباحث الأمريكي في العلوم الاجتماعية، ريتشارد ريفيز، فإن «الأرقام تؤكد حقيقة أن واحدًا من كل أربعة أمريكيين سود، يعيش في فقر شديد، مقارنةً بواحد من أصل كل 13 أمريكيًّا أبيض، إذ إن السود يعيشون في أكثر المناطق فقرًا بالبلاد».

جدير بالذكر أيضًا، أن معظم حالات الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية هي في أوساط السود، وأن نسبة البطالة بين السود تبلغ حوالي ضعفي نسبتها بين البيض، علمًا بأنه في عام 1963 كانت معدلات البطالة بين السود تبلغ 10.9%، وبحلول عام 2012، ارتفعت هذه النسبة إلى 12.6% بين السود، بالإضافة إلى أن نسبة توظيف المتعلمين السود مقارنة بالبيض تبلغ 25%.

عرض التعليقات
تحميل المزيد