بعيدًا عن الشعارات التنموية البرّاقة، أين تذهب المساعدات والقروض الخارجية التي تُصرَف للدول الأكثر احتياجًا؟ الإجابة عن هذا السؤال كانت مُخجلة لدرجة أن إدارة «البنك الدولي» حاولت التستُّر عليها، رافضةً نشر ورقة بحثية تدقق في العلاقة بين تدفقين للأموال. أولهما القروض والمساعدات التي تمنحها المؤسسة الدولية إلى الدول الأكثر احتياجًا، وثانيهما الأموال التي تنساب بنعومة وهدوء إلى الملاذات الضريبية الخارجية. 

ومع بقاء النتائج طي الكتمان منذ انتهى إعدادها في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لم تجد نائبة رئيس البنك الدولي لاقتصاديات التنمية بيني جولدبيرج بُدًا من التقدُّم باستقالتها من منصبها الرفيع بعد 15 شهرًا فقط من توليه. 

«إيكونوميست» تكسر الصمت و«فاينانشال تايمز» تحرج البنك الدولي

في 13 فبراير (شباط) الجاري كسرت مجلة «الإيكونومست» الصمت بشأن تأخر البنك الدولي في نشر ورقة العمل. وبينما كان العذر المعلن هو أنها «خضعت لمراجعة داخلية صارمة من باحثين آخرين في نوفمبر (تشرين الثاني)»، قالت مصادر مطلعة: إن «كبار المسؤولين في البنك الدولي حظروا نشرها عمدًا». 

تسبب مقال الأسبوعية البريطانية في إثارة ضجة، وبينما استمر البنك على الإصرار بأنه لم يتخذ قرارًا نهائيًا بشأن الورقة، وأنه لديه شكوك مشروعة بشأن استنتاجاتها، غرَّد الاقتصادي يورجن جويل أندرسن، أحد المشاركين الثلاثة في إعداد الورقة، بما نشرته «الإيكونوميست» على «تويتر»، مشيرًا إلى الرابط بين تأجيل النشر واستقالة بيني جولدبيرج.

ومع تصاعد الشكوك سرَّب شخص ما الورقة إلى صحيفة «فاينانشال تايمز»، التي نشرت تحليلًا لاذعًا، جاء فيه: «من المحرج للغاية أن منظمة تهدف إلى فعل الخير في البلدان النامية ربما تزيد من الهوة الواسعة بالفعل بين من يملكون ومن لا يملكون» ولولا ذلك لما حرص البنك الدولي على حجب البحث عن الرأي العام.

وبعد شد وجذب أُطلَق سراح الورقة أخيرًا يوم 18 فبراير، لكن ليس من خلال القناة الرسمية المفترضة: البنك الدولي، ولكن عبر الموقع الشخصي لأحد مؤلفيها، نيلز يوهانسن. ما اضطر المؤسسة الدولية إلى الإفراج عن الورقة بعد ساعات عبر موقعها الرسمي بعد طول تأجيل، في محاولةٍ مكشوفة لدفع الحرج، وأصدرت بيانًا حاول أن يظهرها في ثوب المدافع عن الشفافية والمحارب للفساد، حسبما أشارت صحيفة «التايمز» البريطانية.

الرحلة المشبوهة.. من المؤسسات الدولية إلى الملاذات الآمنة

بالبحث في ورقة العمل كي نستخلص منها أبرز المعلومات والأرقام التي صدمت كبيرة اقتصاديي البنك الدولي، الأمريكية يونانية الأصل البالغة من العمر 57 عامًا، وجدنا أن الاستنتاج الرئيس الذي خلصت إليه الورقة هو أن: 

«المساعدات التي يصرفها البنك الدولي إلى الدول الأكثر احتياجًا تتزامن مع زيادات حادة في الودائع المصرفية التي تتدفق على المراكز المالية الخارجية المشهورة بالسرية المصرفية وإدارة الثروات الخاصة (الملاذات الآمنة مثل: سويسرا، ولوكسمبورج، وجزر كايمان وسنغافورة)، دون غيرها من المراكز المالية الأخرى (غير الملاذات مثل: ألمانيا، وفرنسا، والسويد)». 

بلغة الورقة التي أعدها الثلاثي يورجن جويل أندرسن، ونيلز يوهانسن، وبوب ريكرز، يشير هذا التدفُّق المُركز إلى أن المساعدات الدولية تتسرب إلى جيوب غير مستحقيها بنسبة 7.5% من متوسط العينة التي خضعت للدراسة، ويزيد التسرُّب مقارنة بنسبة المساعدات إلى إجمال الناتج المحلي. وبلغة المواطن العادي؛ فإن المساعدات والقروض الدولية تستقر جزئيًا في «بطون» أصحاب العروش، ومن يُطلَق عليهم تخفيفًا؛ «النخبة». 

وفي الربع (ثلاثة أشهر من العام) الذي تحصل فيه الدولة على مساعدات تعادل 1٪ من إجمالي ناتجها المحلي؛ تبين أن ودائعها في الملاذات تزيد بنسبة 3.4٪، مقارنة بالدول التي لا تتلقى أي مساعدة، بينما لا توجد زيادة في الودائع المتدفقة على غير الملاذات. 

البنك الدولي - world bank

ولوحظت زيادة حادة وفورية في الودائع خلال الأشهر التي تتدفق فيها المساعدات الدولية، بينما لا توجد زيادة مشابهة في الأشهر اللاحقة؛ ما يشير إلى تزامن تحويل النخب أموال المساعدات إلى الحسابات الأجنبية، إما مباشرة أو من خلال عمولات يتقاضونها من القطاع الخاص.

كان «التسرب» أسوأ في البلدان الأكثر اعتمادًا على المساعدات الخارجية؛ إذ تمثل المعونات ما يصل إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي، وفقًا للورقة البحثية الصادرة عن البنك الدولي.

الأموال التي تتدفق على ودائع الملاذات الخارجية تتراوح في المتوسط بين 4 مليون دولار في جمهورية ساو تومي وبرينسيبي (تقع على الساحل الغربي الاستوائي من منطقة وسط أفريقيا) وحوالي 200 مليون دولار في مدغشقر، وتشكل عمومًا حوالي ثلث إجمالي الودائع الأجنبية.

أما تدفق الأموال على الملاذات الخارجية دون غيرها من الحسابات المصرفية؛ فيرجح أن هذه الأموال مكتسبة من مصادر غير مشروعة، مثل الفساد والاختلاس، وإلا ما حاولت التهرب من القبضة القضائية باللجوء إلى المؤسسات المصرفية التي تمنحها قدرًا كافيًا من السرية. 

السر وراء فشل مشاريع التنمية والخطط الطموحة

الحقيقة المرة – التي تعترف بها ورقة البنك الدولي – هي أن الإفراط في تقديم المساعدات والقروض لا يساعد الدول الأكثر احتياجًا – مثل أفغانستان، وبوركينا فاسو – بل العكس؛ قد تعزز الفساد وتآكل المؤسسات. 

ولا غروَ والحال هكذا أن ينتهي المطاف بالمال إلى جيوب الحكام وحاشيتهم، بينما يتضور الشعب جوعًا. ونظرة على معدلات البطالة والفقر والتضخم وأشباهها في أي من تلك الدول المستقبلة للمساعدات تكشف حجم الفجوة بين من يحكمون من أبراجهم العالية ومن يموتون في القاع جوعًا أو مرضًا أو حتى قهرًا.

عربي

منذ 11 شهر
حتى لا ننسى.. كيف ساهم البنك والنقد الدوليان في إفقار العراق ولبنان؟

صحيحٌ أن المساعدات الإنمائية قد تساعد على تحسين حياة الناس العاديين وتلبية احتياجاتهم العاجلة، ولكن ثبت أيضًا أنها تساعد السياسيين الفاسدين المحليين في ملء جيوبهم بالأموال المنهوبة، وبالتالي تعزيز سلطتهم. 

ويحذر ستيفانو فيلتري، الذي يشرف على موقع «ProMarket»، من أن السياسيين المحليين إذا أصبحوا أكثر ثراءً وقوة، وكلما زادت المساعدات التي يتلقونها فلن يكون لديهم أي حافز للعمل فعليًا على تطوير بلادهم.

وهذا يفسر أيضًا سبب فشل مشاريع التنمية الطموحة، التي تشرف عليها النخب التي لا تهتم سوى بمصالحها، حسبما تؤكده الدراسة التي شملت أكثر من 22 دولة حصلت على المساعدات الدولية ما بين 1990 إلى 2010. ما يلفت إلى أن أخطر ما يواجه العديد من البلدان التي تتلقى مساعدات أجنبية ليس هو الفقر، بل تغلغل الفساد بعمق وتفشيه على نطاق واسع. 

«بقعة عمياء» في استنتاجات الورقة.. مَن؟ وكيف؟

بينما وثَّقت النتائج بوضوح ارتباط صرف المساعدات بتراكم ثروات النخب في حسابات الملاذات الخارجية بالتوازي مع تلقي بلادهم مدفوعات دولية كبيرة، إلا أنها لم تكشف هوية المتورطين في هذه العملية، وبالتالي لم تتمكن من تحديد الآلية الاقتصادية الدقيقة التي تساعد في خروج هذه الأموال إلى الخارج. 

لكن على الرغم من هذه «البقعة العمياء»، ترجح الدراسة الدقيقة للودائع البنكية المملوكة لـ200 دولة في 43 مركزًا ماليًا بالخارج أن المستفيدين من هذا النزيف ينتمون إلى النخب الاقتصادية في الدول المتلقية للمساعدات، ما يضيِّق رقعة البحث عن الأسماء.

لكن إذا رفعنا رؤوسنا من بين الأوراق الـ46، وتوجهنا إلى أروقة المحاكم الأوروبية لوجدنا ما يكفي من قصص الفساد والأكثر أهمية؛ الأسماء. على سبيل المثال صادرت السلطات السويسرية في العام الماضي 25 سيارة فارهة كانت بحوزة ابن ديكتاتور غينيا الاستوائية، تيودورين أوبيانج، ضمن تحقيق في تهم غسل أموال، وباعتها في مزاد مقابل حوالي 27 مليون فرنك سويسري (27 مليون دولار).

وفي 10 فبراير، فرضت محكمة استئناف في فرنسا غرامة على أوبيانج قدرها 30 مليون يورو (33 مليون دولار) لاستخدامه الأموال العامة في مصروفاته الباهظة، بما في ذلك شراء عقارات في باريس تزيد قيمتها على 25 مليون يورو (26.9 مليون دولار).

ثم في يوم 11 فبراير، أمرت البرتغال بتجميد الحسابات المصرفية المملوكة لابنة الرئيس الأنجولي السابق، إيزابيل دوس سانتوس، بطلب من أنجولا التي فتحت تحقيقًا جنائيًا بشأن اختلاس أموال من مجموعة «سونانجول» النفطية شبه الحكومية.

«افتعل الضوضاء».. حين يكون «الضجيج الاحترافيّ» مفيدًا

صحيحٌ أن هذه المعلومات في مجملها لا تمثل مفاجأة كبرى، حسبما كتبت كيلسي بايبر في موقع «فوكس» الأمريكي، لكن حين تصدر هذه الاستنتاجات في ورقة مكتوبة بهذه الدقة، عن اقتصاديي مؤسسة دولية تتمتع بثقل البنك الدولي، فإنها تمتلك موثوقية أكبر في تفنيد تفسيرات بديلة عديدة لتدفق هذه الثروات على حسابات البنوك الخاصة.

صحيحٌ أيضًا أن هذا الموضوع لا يزال بحاجة إلى المزيد من البحث والتدقيق، لكن الاستنتاجات التي توصلت إليها الورقة ستظل مفيدة في تصميم برامج المساعدات المستقبلية لتكون أقل عرضة للنهب، وستسلط المزيد من الضوء على فساد النخب في الداخل والتسهيلات التي تتيحها لهم المؤسسات المصرفية في الخارج.

وإذا كان البنك الدولي يحظر أوراق كهذه، فإن ذلك يشير إلى أن الثقافة المؤسسية داخل هذه المؤسسة الدولية قد تمنع الباحثين أيضًا من متابعة الأبحاث التي قد تسفر عن نتائج لا تصب في صالح تلميع صورة البنك. وتعلق الكاتبة الأمريكية كيلسي بايبر على ذلك قائلة: «إن المنظمة ستستغرق بعض الوقت والجهد لإعادة بناء الثقة على هذه الجبهة».

لكن ثمة جانبًا مشرقًا في المسألة برمتها؛ فالقمع المزعوم لم ينجح، وهذه بادرة مشجعة. وكبيرة الاقتصاديين في البنك الدولي فضلت الاستقالة عن التواطؤ بالصمت، حسبما نقلت «الإيكونوميست»، وسرب شخص ما الورقة إلى «فاينانشال تايمز». وغرد مؤلفو الورقة في فضاء «تويتر» عن الحظر. كما احتشد زملاؤهم الغاضبون من حولهم. 

هذا يمثل في مجمله أوراق ضغط على صعيد البحوث الأكاديمية، والصحافة الاستقصائية، والمساعدات الدولية، والبرامج الحكومية، والقواعد المصرفية، والسلطات القضائية.

هل تغلق الدول الغربية صنبور المساعدات الخارجية؟

«هذه النتائج سوف تسكب البنزين على نار الجدل المثار بالفعل حول قطع المساعدات الخارجية»

حسبما كتب أولي وليامز في مجلة «فوربس»، والشواهد على ذلك قائمة بالفعل؛ إذ اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفض المساعدات الخارجية بنسبة 21٪ في ميزانية عام 2021. ووجه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بمراجعة كيفية إنفاق ميزانية المساعدات الخارجية البالغة 14.6 مليار جنيه إسترليني (18.7 مليار دولار).

وقد تواجه الملاذات الضريبية ومديري الثروات أيضًا تدقيقًا أكثر صرامة لدورهم في توفير ملاذ مصرفي لأموال المساعدات. وبالرغم من أن التقرير اكتفى بتحديد لوكسمبورج، وجزر كايمان، وجزر البهاما، وهونج كونج، وسنغافورة، يظهر أن سويسرا تلقت قدرًا أكبر من الأموال خلال فترة المراجعة، بحسب فوربس، وأجبرت مؤخرًا على إعادة الأموال التي استولى عليها رئيسي نيجيريا والكونغو.

فاعلية المساعدات الخارجية تحت المجهر

تظل فعالية المساعدات الخارجية موضع جدل؛ بين قائلٍ إنها تعزز النمو الاقتصادي في أشد البلدان فقرًا، وتحسِّن نتائج التنمية البشرية، وتقلل معدلات الفقر، ومشكك في ذلك كله أو بعضه. 

بيدَ أن الفريقين يتفقان – استنادًا إلى العديد من الدراسات – على أن فعالية هذه المساعدات إنما يعتمد أساسًا على جودة المؤسسات والسياسات في البلدان المستقبلة لها. 

البنك الدولي

وبالتالي فإن سؤال هل المساعدات الخارجية فعالة؟ مُرَاوغ إلى حد ما، ولا يقود إلى الإجابة الصحيحة في هذا السياق، بينما تتعاظم الاستفادة بتسليط الضوء أكثر على «الثقوب في كيس النقود»، أو بمعنى أدق: تربُّح النخب الاقتصادية والسياسية من هذه المساعدات.

وإذا كان تقرير البنك الدولي اكتفى بتتبع المساعدات الخارجية المحولة إلى حسابات أجنبية سرية، فكيف لو فتشنا أكثر عن الأموال التي تشترى بها النخب العقارات والسلع الفاخرة وأشباهها؟

وحين يخوض السياسيون المعركة المتوقعة للتشكيك في استنتاجات الورقة، والدفاع عن طهارتهم المتخيلة، هل سيفوزون بهذه الجولة ويدفع الفقراء الثمن كالعادة، أم تكون النتيجة مختلفة هذه المرة؟ 

منطقة الشرق

منذ 9 شهور
النجاح على طريقة البنك الدولي.. هكذا تتحوَّل بنجلاديش من دولة إلى شركة!

المصادر

تحميل المزيد