رغم الميل المتزايد للتعامل مع التهديدات الأمنية العالمية العالمية خارج المؤسسات الدولية القائمة، يبقى الخلاف قائمًا حول إمكانية انتهاج الطرق غير الرسمية، واللامركزية، فبينما يؤمن البعض بأن المؤسسات المرنة مثل “بريكس” تمثل مستقبل الحوكمة والأمن العالميين، يعتقد آخرون أن المستقبل لكوكبة من المنظمات الإقليمية الناشئة.

بدافع الإحباط من البطء والرغبة في التحرر من القيود، غالبًا ما تتم الاستجابة الجماعية للتهديدات الأمنية في العالم خارج إطار المؤسسات الدولية، رغم أنها لا تزال تتسم ببعض الفوضوية، بحسب ستيوارت باتريك، من فورين أفيرز، ولا غروَ؛ إذا كانت المؤسسات الرسمية المتهالكة لا تفعل سوى عقد اللقاءات وتقديم التقارير والتدخل الهامشي هنا وهناك لتحسين بعض المشاكل الدولية.

ورغم ذلك لم يتراجع الإقبال على التعاون الدولي، بل تزايد أكثر من أي وقت مضى؛ بفضل تعميق الترابط الاقتصادي وتفاقم التدهور البيئي، وتكاثر التهديدات العابرة للحدود الوطنية، وتسارع التغير التكنولوجي، ويُرَجَّح استمرار هذه الصيغة الرسمية مستقبلاً، دون تجديد أو بناء هيكل دولي جديد، لكن بموازاة تمدد التعاون الدولي المتخفف من الرسميات، والمتمثل – إلى جانب الهيئات العالمية – في مؤسسات إقليمية مختلفة، وتحالفات متعددة الأطراف، ومجموعات أمنية، وآليات تشاور قائمة، وشبكات مهنية دولية، وأكثر.

وبينما لا تزال الحكومات هي الفاعل المهيمن في هذا السياق، فإن ثمة جهات أخرى غير حكومية تسهم في تشكيل جدول الأعمال العالمي، وتحديد القواعد الجديدة، ورصد مدى التقيد بالالتزامات الدولية. صحيحٌ أن الفوضى قبيحة وغير عملية، لكنها تتمتع ببعض المزايا؛ فليس بإمكان هيئة واحدة متعددة الأطراف التعامل مع جميع المشاكل الدولية المعقدة، ناهيك عن القيام بذلك بفعالية ورشاقة. كما أن تعدد المؤسسات والمنتديات ليس دائمًا مسببًا للاختلال؛ بل يمكنه أن يوفر للدول فرصة للعمل بمهارة ومرونة نسبية في الاستجابة للتحديات الجديدة، وبغض النظر عن الآراء بشأن الفوضى العالمية الراهنة، فإنها موجودة وستظل، ومن ثم فإن التحدي يكمن في العمل على إنجاحها وهذا ممكن.

اللعبة الكبرى

لا تزال الأمم  المتحدة هي محور الحوكمة العالمية المعاصرة، ولا يزال جوهر هذه المنظومة هو مجلس الأمن، ونظريًّا يمكن لمجلس الأمن الاستجابة لأهم التهديدات الدولية التي تواجه النظام العالمي، لكنه عمليًّا مخيب للآمال؛ وذلك لأن الخلاف الدائم بين الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، والصين) يعوق الفعل، ما أسفر عن تضاؤل أهمية مجلس الأمن في العقود الأخيرة بعدما فشل تكوينه في تتبع تحولات القوة العالمية.

وكأسلافه، وعد أوباما بتعديل ميثاق عضوية الأمم المتحدة، لكن الحذر لم يفارقه خوفًا من أن يؤدي مجلس الأمن الموسع، الذي يضم أعضاء جدد أكثر تمكنًا، إلى تقليل تأثير الولايات المتحدة ونفوذها.

وحتى إذا صدق عزم واشنطن في الدفع باتجاه التغيير، فإن أي خطة توسعية ستتطلب موافقة ثلثي الأعضاء الـ 193 في الأمم المتحدة، بجانب تصديق داخلي من الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن. وحتى هذه الدول المؤيدة للتوسع، منقسمة بشأن أي الدول ينبغي أن يُسمَح لها بالاستفادة من ذلك. وفي النهاية، يبقى المشهد عبارة عن ضريبة كلامية يدفعها الجميع، بموازاة السماح للمفاوضات أن تستمر للأبد دونما نتيجة.

ويرجح أن يستمر هذا الوضع، لكن على حساب تعميق أزمة الشرعية والفعالية والالتزام التي تواجه المؤسسة الدولية، كما يمكن للاعبين الساخطين شن هجوم شامل على المؤسسة، لكن المرجح أكثر هو أن يتجاوزوا المجلس، ويسعوا لأطر بديلة لمعالجة مخاوفهم.

ويمتد هذا الخلل داخل الأمم المتحدة إلى ما هو أبعد من مجلس الأمن، ليشمل الأمانة العامة والعديد من الوكالات، ومع هيمنة الحرس القديم على مجلس الأمن، بدأت القوى الصاعدة تتطلع إلى مقاعد بديلة لتحقيق التأثير والتعبير عن المخاوف، ومع التراجع النسبي الأمريكي والركود الأوروبي والياباني، بدأت الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا، وتركيا، وإندونيسيا في فرد عضلاتها وتوسيع نفوذها الإقليمي، والإصرار على امتلاك صوت أكبر داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

تنوع مدهش

وعلى الرغم من هذه التحولات الجيوسياسية، لم يظهر أي بديل متماسك للنظام الغربي الراهن. وهذا ينطبق حتى على بلدان الـ بريكس، التي تفتقر إلى الرؤية المشتركة، وأحيانًا المتضاربة، وإن كانت على الأقل تتشارك في الاستياء من منظومة الاقتصاد العالمي التي تصب في مصلحة الغرب.

لكن المحللان إيان بريمر وديفيد جوردون يريان أن ما يمثل الحقيقة المعاصرة حقًّا ليس غياب التعددية بل التنوع المدهش؛ حيث لم يعد يقتصر العمل الجماعي على الأمم المتحدة بل تعداه ليرتدي أثوابًا كثيرة من الشراكات المبنية على أساس المصالح الظرفية والقيم المشتركة والقدرات ذات الصلة، إلى جانب التحالفات المؤقتة التي تضم شركاء مختلفين. انظر مثلاً إلى أسطول مكافحة القرصنة الفضفاض متعدد الجنسيات الذي ظهر في المحيط الهندي، ستجده يشتمل على سفن بحرية ليس فقط من الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو ولكن أيضًا من الصين والهند وإندونيسيا وإيران واليابان وماليزيا وروسيا والسعودية وكوريا الجنوبية واليمن، وهي الدول المختلفة حول العديد من القضايا، لكنها تجمعت حول قضية مشتركة هي تأمين الممرات البحرية قبالة الساحل الإفريقي، ورغم أن النقاد ظلوا لسنوات يتوقعون زوال مجموعة الثماني، إلا أنها ما تزال على قيد الحياة.

تلاشي التفوق

ومع ازدحام الأفق يتلاشى التفوق الذي أحرزته الولايات المتحدة في البر والبحر والجو، وعبر العالم الافتراضي على الإنترنت وفي الفضاء الخارجي، وذلك بعد سبعة عقود من تعزيزها النظام العالمي بما قدمته من تأمين المشتركات العالمية، كما تلوح في الأفق نذر تنافس بحري، ستدلي فيه الأمم المتحدة بدلوها؛ لصالح الكبار بالطبع. وحتى في القطب الجنوبي يحتدم التنافس الجيوسياسي والاقتصادي، وتتصارع الدول على اقتطاع المزيد من الحقوق، وحتى القواعد الدولية التي تنظم استخدام الفضاء الخارجي عفا عليها الزمن أيضًا، في ظل افتقارها إلى آلية لتسوية النزاعات، حتى أصبح هذا المجال “أكثر ازدحامًا، وتنازعًا، وتنافسًا” على حد وصف ويليام لين، نائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق.

والحلول المقترحة تتراوح بين معاهدة ملزمة متعددة الأطراف إلى اتفاق غير رسمي على معايير للسلوك، وهو ما تفضله إدارة أوباما؛ نظرًا للمشاكل المترتبة على نهج المعاهدات القائم، وهو الكلام ذاته الذي ينطبق لكن بمفردات أكثر شمولاً على فضاء الإنترنت؛ حيث تتزايد مخاطر الحرب الإلكترونية بين الدول ذات السيادة، رغم اليد الطولى التي كانت ولا تزال نوعًا للولايات المتحدة في هذا المجال. هذا بجانب وتيرة التغير التكنولوجي التي تهدد بترك نظم الحوكمة العالمية في مهب الريح.

الأطر المكملة

وهي جميعها أمثلة تبرز أن الطلب على الحوكمة العالمية لا يزال يفوق العرض، والفجوة آخذة في الازدياد. وحتى أثناء محاولة تنشيط النظام الدولي القائم، يحتاج الدبلوماسيون وغيرهم من الأطراف المعنية إلى اللجوء إلى الأطر الأخرى المكملة للعمل الجماعي. صحيحٌ أن الناتج قد لا يكون تحفة فنية، لكنه سوف يقدم بعض الأشياء المفيدة.

لكن ينبغي أولاً خفض سقف التوقعات، والبدء في تحقيق الحد الأدنى من المتطلبات المؤسسية الدولية، بدلاً من محاولة الإدارة الأمريكية لاستعادة أيام ترومان، ومن ثمَّ عدم إنجاز أي شيء.

المنظمات الدولية الحكومية غير الرسمية.. الـ”بريكس” نموذجًا

بما تتمتع به من مرونةٍ، واستجابةٍ سريعة للأزمات- بكلفةٍ تفاوضية أقل- واحترامٍ غير مشروط للمصالح الوطنية، وحفاظٍ على السرية- لعدم خضوعها لقواعد الشفافية الرسمية- وتحررٍ من البيروقراطية المركزية وقيود الهياكل الجامدة، هل تكون المنظمات الدولية الحكومية غير الرسمية، مثل الـ”بريكس”، هي الإجابة على المشكلات الأمنية المستقبلية؟.. يتساءل فيليسيتي فابيولاس.

يستند البعض في ترجيح ذلك إلى الشكوك المتزايدة حول فعالية وإنصاف، وحتى شرعية، المنظمات الحكومية الدولية IGOs “الرسمية”، التي لم تكن يومًا “رصاصة الحل السحري” لمشكلات العالم الأمنية، بموازاة غياب “التحرك لإصلاح تركيبة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بما يعكس الحقائق الجيوسياسية الجديدة، أو لإخراج منظمة التجارة العالمية WTO من غيبوبتها، أو لمساعدة حلف شمال الأطلسي NATO في كفاحه للعثور على هدفه الإستراتيجي، كما يشير ستيوارت باتريك، من مجلس العلاقات الخارجية.

ومع لجوء بعض الدول الآن إلى التعامل خارج إطار المؤسسات التقليدية، مثل: الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، تبرز المنظمات الدولية الحكومية “غير الرسمية” كبديلٍ، ومكملٍ في الوقت ذاته، للمنظمات الحكومية الدولية “الرسمية” القائمة، في مجالات متنوعة بدءًا من التمويل وصولا إلى الأمن، ومرورًا بالصحة وتطبيق القانون والعمالة والتنمية الاجتماعية والطاقة والبيئة والعلاقات الخارجية والقضاء والقضايا الداخلية.

وبعدما فشلت محاولات دول، مثل: البرازيل وجنوب إفريقيا، لتحويل الوضع الراهن المؤسسي للعديد من هذه المنظمات “الرسمية”، وعجزت القوى الناشئة عن تغيير قواعد اللعبة داخلها، بدأ التحوُّل المتزايد إلى هذه المنظمات “غير الرسمية” كبديل متحرَّر من الهيكل التنظيمي والسكرتارية الثابتة، وحتى مكاتب الأعضاء.

أحد أوضح النماذج لشرح ما سبق، هو ما حدث في قمة مجموعة الثمانيةG8  عام 2009، التي تناولت الأزمة العالمية المتنامية، وتجاوزت المداولات البطيئة عادة داخل المنظمات الدولية الحكومية “الرسمية”، وتحديدًا صندوق النقد الدولي؛ لتضرب مثالاً لكيفية استخدام الدول للمنظمات الدولية الحكومية “غير الرسمية” في تعزيز قوتها والدفاع عنها في عالم متغير، وتجاوز القيود التي تفرضها نظيراتها “الرسمية”  – خاصة تلك الناشئة في أعقاب الحرب العالمية الثانية – بل والحصول على ما تريد دون تجاوز القانون الدولي. أيضًا نجحت منظمات “غير رسمية” أخرى مثل مجموعة كارينز، ومجموعة الـ 33؛ في تغيير ترتيبات تتعلق بالزراعة والتجارة، كانت مستحيلة عبر منظمة التجارة العالمية.

تجسير الفجوة

تضم مجموعة الـ بريكس: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وتمثل في 2013 قرابة 3 مليارات نسمة (حوالي 45% من تعداد العالم)، ويشكل إجمالي ناتجها المحلي مجتمعة 14.8 تريليون دولار (قرابة 18% من الناتج العالمي) وتكوّن 30% من مساحة  العالم، وتسهم بقرابة نصف النمو الاقتصادي العالمي، ويتوقع أن تصل نسبة مشاركتها في إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول العام 2025 إلى 26%، وبحلول عام 2050 يتوقع أن تنافس اقتصاداتها، اقتصاد أغنى الدول في العالم حاليًا – حسب مجموعة جولدمان ساكس البنكية العالمية.

ورغم ذلك كله، تحظى دول البريكس بتمثيل ناقص في المؤسسات الاقتصادية والسياسية العالمية الهامة. هذه الفجوة بين المنجزات الفعلية والاعتراف الرسمي تفسر لماذا قررت هذه الدول تنسيق مواقفها الدبلوماسية والتفاوضية بشأن مجموعة من القضايا، وقد نجحت بالفعل في تنظيم نفسها بشكل فعال في شكل منظمة دولية حكومية غير رسمية، مستفيدين في ذلك بكل المميزات المذكورة آنفا التي تميز هذا الطراز “غير الرسمي” عن المنظمات “الرسمية”، للتغلب على كثير من الاختلافات في الأهداف السياسية والاقتصادية والإستراتيجية.

تجاوز الاختلافات

فسياسيًّا، لدى الدول الخمس هياكل محلية مختلفة تمامًا؛ سواء على مستوى الديمقراطية، أو فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والسوق. بعبارة أخرى، القيم التي تتمتع بها كل دولة مختلفة تماما عن الأخرى. بل إن روسيا والصين، العضوان في مجلس الأمن، لا يدعمان بالكامل طموح البرازيل والهند في مشاركتهما عضوية المجلس.

كما تختلف المصالح التجارية لدول الـ بريكس؛ فالصين تمثل أكبر منافس تصنيعي لجنوب إفريقيا، والهند هي أكبر منافس لها في مجال الخدمات، والبرازيل انتقدت علنًا النظام الصيني الحالي، ولا يوجد تبادل تجاري كافٍ بين هذه الدول لتشكيل كتلة تجارية.

وإستراتيجيًّا، تشترك الدول الخمس في القليل من القواسم، وهو الوضع الناتج عن تركة من الصراعات الثنائية والإقليمية. فعلى سبيل المثال؛ خاضت الصين والهند حربًا في جبال الهيمالايا خلال الستينيات، ولم تبذلا الكثير للتغلب على التوترات ذات الصلة منذ ذلك الحين. كما أن الصين وروسيا عالقتان أيضًا في قضايا حدودية تتعلق بالصيد والهجرة.

وبرغم كل هذه الاختلافات السياسية والتجارية وحتى الإستراتيجية، نجحت هذه الدول في تجاوزها والبناء على المصالح المشتركة، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من رحم هذا التباين الشديد. على سبيل المثال

يَسمح هذا الطراز غير الرسمي للهند مثلاً بمواصلة تعزيز علاقتها مع الغرب، والحفاظ في الوقت ذاته على علاقتها بلاعبين قويين (روسيا والصين) لديهما التزام متواضع بالقيم الديمقراطية، وأيضًا يتيح لها التوازن بين تقوية تحالفها مع أمريكا وتعزيز علاقتها بالبلدان التي هي على خلاف مع مصالح الولايات المتحدة، بجانب دعم تقاليد عدم الانحياز الهندية، وهو المزيج الذي سينهار إذا حُشِر في هيكل رسمي.

مما لا شك فيه أن مستقبل الـ بريكس غير مؤكد، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. لكن هذا التجمع، في الوقت الراهن على الأقل، يوفر آلية بديلة للقوى الصاعدة كي تحقق مصالحها الجماعية دون إغراق نفسها بالتزامات قد تكون مكلفة أو الانخراط في نظام عالمي جديد.

الخلاصة

إن صعود هذا النوع من المنظمات “غير الرسمية” على الساحة خلال السنوات الأخيرة، لا يعني أن نظيراتها “الرسمية” عفى عليها الزمن، بل ستظل معظم الدول تعمل من خلالها، حتى بموازاة تزايد استخدام القوى الصاعدة للطراز الأول، كمكمل للنوع الثاني أو كبديل عنه. بيدَ أن أهمية هذا الصعود تكمن- على الأقل الآن- في أن المنظمات الدولية الحكومية- سواء كانت رسمية أم غير رسمية- تمثل نموذجًا قابلاً للتطبيق للحوكمة العالمية.

وبمرور الوقت، قد تجد الدول الغربية أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على المنظمات الرسمية، التي طالما استفادت منها تاريخيًّا، من أجل تشكيل توافق متعدد الأطراف، وتقاسم تكاليف مواجهة التحديات الأمنية العالمية، إو إضفاء الشرعية على الإجراءات التي تصب في صالحهم.

وقد ينتهي المطاف، حتى بهذه الدول، إلى تفضيل المنظمات الدولية الحكومية غير الرسمية؛ وهذا من شأنه أن يُحدِث تحولا تاريخيا في تنظيم السياسة الدولية.

النزاع المسلح

أصبحت المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي، على نحو متزايد هي أول المستجيبين لمواجهة عدم الاستقرار والعنف، لكن مجلس العلاقات الخارجية يرى أنها بحاجة إلى تعزيز مهاراتها ودعم التنسيق فيما بينها.

نطاق التحدي

يبقى منع نشوب الصراعات المسلحة، وحفظ السلام، وإعادة بناء الدول التي مزقتها الحروب، من بين التحديات المستعصية التي تواجه المجتمع الدولي؛ حيث يموت كل عام ما لا يقل عن 250 ألفًا في النزاعات المسلحة، التي يحدث معظمها داخل الدول، وليس بينها، ويسفر الصراع المسلح وتداعياته عن تآكل كل جوانب المجتمع تقريبًا: القانون والنظام، وحقوق الإنسان، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والتعليم، والخدمات الصحية الأساسية، والبيئة. ويقدر البنك الدولي التكلفة الاقتصادية العالمية لجميع الصراعات بمائة مليار دولار سنويا.

لكن نتيجةً لافتقارها إلى الموارد المالية والإجماع السياسي في كثير من الأحيان، تحظى المنظمات الدولية بسجل متواضع في تعزيز السلام والاستقرار. واستنادًا إلى فشل المجتمع الدولي في كثير من الأحيان في تعزيز السلام والانتعاش في البلدان التي مزقتها الحروب، تبرز أهمية تعزيز التنسيق الإقليمي والدولي.

توصيات

التقييم العام: نتيجة للاهتمام غير المسبوق، على مدى العقد الماضي، بإصلاح وتطوير مؤسسات المجتمع الدولي لمنع وإدارة الصراعات، انخفضت الصراعات داخل الدول وبينها بنحو 40% من عام 1992.

ورغم النجاحات الملحوظة، تبقى الأدوات الدولية الرامية لمنع نشوب الصراعات أو إنهاء الاقتتال غير عملية، وفي بعض الأحيان غير فعالة.

من أجل ذلك، هذه مجموعة من التوصيات لتدعيم النظام العالمي لمنع نشوب الصراعات المسلحة، وهي تعكس آراء ستيوارت باتريك، زميل بارز أقدم ومدير برنامج المؤسسات الدولية والحوكمة العالمية (IIGG)، وميكا زينكو، زميلة دوغلاس ديلون في مركز العمل الوقائي:

– تعزيز البنية العالمية للوقاية من النزاعات، والتي تتشكل من المعايير والمؤسسات والأنظمة والإجراءات التشغيلية وقدرات المنظمات الدولية.

– تحسين التخطيط لعمليات حفظ وبناء السلام الأممية؛ حيث تعاني الأمم المتحدة من سوء التخطيط في مراحل التصميم والتنفيذ المحدود والتطبيق على الأرض.

– زيادة الميزانيات المخصصة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية؛ للتغلب على مشكلة نقص التمويل والعاملين.

– تنسيق جهود بناء القدرات بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية التي تفتقر إلى التنسيق الكافي، وتعاني من عدم تحديد الأولويات.

– تعزيز جهود الإنذار والإجراءات المبكر/ة. صحيحٌ أن العديد من المنظمات الإقليمية تتمتع ببعض القدرات في هذا المجال، وبعيدًا عن الطرح الغامض في الاجتماعات غير الرسمية، ليس هناك تقاسم للمعلومات، حتى بين البعثات المشتركة السياسية أو تلك العاملة في حفظ السلام. من أجل ذلك يُنصَح بأن تذهب جهود تعزيز التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية إلى ما هو أبعد من مجرد بناء القدرات، لتشمل تبادل المعلومات ذات الصلة بالإنذار المبكر في الوقت المناسب، وتقديم التقارير التحليلية.

– وضع معايير لنشر بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام؛ للتغلب على مشكلة كفاية الموارد المخصصة لتحقيق المهام.

– تطوير قوات عسكرية سريعة الانتشار لمنع الفظائع الجماعية. فعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة مثلاً الفرقة 82 المحمولة جوًّا (إسقاط مظلي)، التي يمكنها نشر 3600 جندي في أي مكان حول العالم في غضون ثماني ساعات، إلا أن المسئولين العسكريين الأمريكيين يظهرون حماسًا قليلاً لتعبئة هذه القدرة المؤثرة من أجل منع الأعمال الوحشية الجماعية الجارية أو الحد منها؛ ويرجع ذلك إلى عدم وجود سياسة وطنية واضحة، وعقيدة وخطط وتدريب لجعل هذه المهمة أولوية لدى البنتاجون.

– إنشاء وحدة دعم متخصصة للوساطة؛ وتطوير الرؤية الإستراتيجية ذات الصلة داخل مكتب الخارجية الأمريكية المعني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد