تدفع اتهامات أمريكا ودول أوروبية للصين بوصفها مصدر انطلاق وباء الكورونا والتستر على بداية انتشاره، مع الزعم بتسربه من مختبر ووهان الصيني، وليس سوقًا للحيوانات البحرية؛ نحو تغييرات كُبرى في علاقة بكين مع هذه الدول.

التغير الأهم في هذه العلاقة ليس في التوتر الدبلوماسي وحرب التصريحات الكلامية الذي ظهر بشكل رسمي، بل في إعادة النظر من جانب هذه الدول في نزع مصدر نفوذها الأهم وهو تمركز كُبرى الاستثمارات داخل المُدن الصينية، ونقلها لدول بديلة، عقب انتهاء أزمة كورونا التي تخطى عدد ضحاياها نحو مليوني مُصاب.

في التقرير التالي، يُحاول «ساسة بوست» التعرف على كيف نجحت الصين في أن تكون «مصنع العالم»؟ وما هي الأسباب التي قد تُفقد الصين مصدر قوتها الأهم في حيازتها لهذه الاستثمارات التي تتمركز في المدن الصينية؟ وما هي الدول المُرشحة لأن تحل محل بكين لتحتضن هذه المصانع بشروط وامتيازات كالتي تتمتع بها بكين؟

«مصنع العالم».. الصين مُهددة بفقد مركزها

أثارت الاتهامات الرسمية من جانب أمريكا ودول أوروبية، مؤخرًا، حول التشكيك في رواية الصين الرسمية بأن يكون مصدر انطلاق الوباء سوق الحيوانات الحية في مدينة ووهان، تداعيات كُبرى على خريطة الاستثمارات، قد تجعل بكين عرضة لفقد أبرز نقاط تفوقها الاقتصادي بنقل استثمارات هذه الدول إلى خارجها، فضلًا عن احتمالية توقيع عقوبات دولية عليها.

العالم والاقتصاد

منذ 3 شهور
التنين المريض.. هل يجهض فيروس كورونا خطط الصين الاقتصادية؟

وعزز من هذه الاتهامات، المعلومات المُسربة من جانب أجهزة استخباراتية غربية وأمريكية حول أن سبب انتشار الكورونا ليس سوقًا للحيوانات كما تروج الصين، بل «تسربًا» من مختبر بيولوجي متخصص في الفيروسات ويطلق عليه رمز «P4» وهو قائم في المدينة نفسها على بعد مئات الأمتار فقط من السوق المذكورة.

وتحولت هذه الاتهامات من مجرد شكوك إلى وقائع تقترب من الحقيقة عقب انكشاف معلومات أمريكية كشفت عنها النقاب مؤخرًا صحيفة «واشنطن بوست» أفادت بأن دبلوماسيين أمريكيين أشاروا منذ عام 2018 إلى غياب تدابير السلامة اللازمة في المختبر الجديد ونبهوا سلطات بلادهم بهذا الخصوص.

فالفيروس الذي انتقل في نهاية 2019 من مدينة ووهان بوسط الصين، إلى أكثر من مليوني شخص عبر العالم جعل الصين هدفًا لرؤساء أمريكا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، بدءًا من التلويح بعقوبات دولية، انتهاءًا بسحب استثماراتها منها، ونزع مسماها الأبرز عنها؛ «مصنع العالم». الذي جعلها من أكثر الدول نفوذًا حول العالم، خصوصًا مع اكتشاف هذه الدول أهمية عدم الاعتماد على خصم سياسي مثل بكين في استيراد أغلب المواد المُصنعة في الأزمات الكُبرى كحال أزمة كورونا.

وبالفعل بدأ عدد من مواطني هذه الدول تحريك دعاوي قضائية ضد الصين كحال ولاية ميزوري الأمريكية التي أعلنت مقاضتها للحكومة الصينية بسبب طريقة تعاملها مع أزمة فيروس كورونا المستجد. إذ ذكر إريك شميت المدعي العام لولاية ميزوري في دعوته، إن الصين «لم تفعل الكثير لوقف انتشار الفيروس»، لافتًا إلى أن «سكان الولاية قد عانوا بسبب أضرار اقتصادية قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات».

هذه التداعيات انعكست على توقعات من كبرى شركات البحوث العاملة في الاسثتمارات بانسحاب أو انتقال لأغلب هذه الاستثمارات لدول آخرى، إذ يقول فلاديمير سيجنوريلي، رئيس شركة «Bretton Woods Research»، وهي شركة أبحاث استثمارية كبرى في تصريحات نقلتها عنه مجلة «فوربس» الأمريكية: «أعتقد أن نموذج الصين كمركز للتصنيع حول العالم مات هذا الأسبوع»، موضحًا أن الصين فقدت نقاط تفوقها كالبنية التحتية واللوجيستية والتشريعية وأجور العاملين والضرائب المنخفضة التي جعلت دولًا كثيرًا تتجه باستثمارتها لها.

دعّم من التعجيل بالبدء في اكتشاف دول آخرى تنتقل لها الاستثمارات من الصين؛ إخفاء الأخيرة للعالم انتشار الفيروس لشهرين، تزامنًا مع اكتشاف دول أوروبية وأمريكية عجزًا كبيرًا في الحصول على أقنعة جراحية خلال أزمة انتشار كورونا بعدما اكتشفوا أن أغلب المصانع المُصنعة لهذه الأقنعة والكمامات مصنوعة في الصين، والتأكيد بأن الاعتماد المفرط على الصين سيئ بالنسبة لهذه الصناعات، في ضوء النموذج السياسي الذي تحاول بكين الترويج له.

تايوان

على سبيل المثال، وجدت واشنطن أن المخزون الوطني الاستراتيجي الأمريكي، وهو احتياطي البلاد من الإمدادات الطبية الحرجة، يحتوي على 1% فقط من الأقنعة وأجهزة التنفس وربما 10% من أجهزة التهوية اللازمة للتعامل مع الوباء، فيما يتعين تعويض الباقي من الواردات من الصين أو زيادة التصنيع المحلي بسرعة.

وقد انعكس ذلك في تحرك أعضاء بمجلس الشيوخ الأمريكي أبرزهم جوش هاولي وتوم كوتون في التأكيد على أن قضية تحول الصين لمركز للتصنيع باتت لها علاقة بالأمن القومي الأمريكي، بما يستدعي إعادة التفكير في ذلك الأمر.

في المقابل، ونتيجة تمركز صناعات الشركات الأمريكية والأوروبية، فحصة الصين تبلغ في سوق المضادات الحيوية الأمريكية أكثر من 95%، كما تنتج الصين أيضًا ما يقرب من نصف أقنعة التنفس «N95» الحاسمة لحماية العاملين الصحيين، كما تنتج الصين الغالبية العظمي من المكونات الصيدلانية النشطة للمضادات الحيوية، وهي العامل الحاسم في معالجة الالتهابات الثانوية الناشئة من (كوفيد-19).

وأظهرت نتائج استطلاع «Foley & Lardner LLP 2020» للتجارة الدولية والاتجاهات في المكسيك، الذي نشر في 25 فبراير (شباط)، بمشاركة 160 من المديرين التنفيذيين، أن أعداد كبيرة من قطاعات التصنيع والسيارات والتكنولوجيا قرروا نقل الأعمال إلى دول أخرى خارج الصين، ويخططون بفعل ذلك في غضون سنة إلى خمس سنوات.

وفي مقابل هذه الصعوبات التي تحاصر بكين، تحاول الأخيرة مواجهتها عبر إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد من جديد بشكل كامل كي تساعدها في أن تكون لاعبًا أساسيًا في انتعاش عالمي قادم تتجاوز به سوء إدارتها السابقة للأزمة. كما تعمل على تدفق مستمر من المقالات الدعائية والتغريدات والرسائل العامة، بمجموعة متنوعة من اللغات، تروج لإنجازات الصين وتُسلط الضوء على فعالية نموذج الحكم المحلي.

لكن.. كيف أصبحت الصين أكبر مستحوذ على استثمارات أمريكا وأوروبا؟

على مدار العقود الماضية، نجحت الصين  في التحول إلى «مصنع للعالم»، يُنتج للدول كافة أغلب مستلزماته في شتى المجالات، وذلك بعدما تحولت من دولة معزولة إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم، لتصير أكبر مُصدر للبضائع في العالم، وثاني أكبر الدول المستفيدة من الاستثمار الأجنبي المباشر.

هذا اللقب الذي ناله التنين الصيني انعكس في النمو اللافت في أرقام صادراتها الذي قفز من 10 مليار دولار فقط عام 1978 إلى 25 مليار دولار في عام 1985، حتى وصلت إلى 4.3 تريليون دولار في الأعوام الأخيرة، مما جعل الصين أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم.

الصين

ولهذا التدفق الكبير في الاستثمارات الأجنبية نحو الصين أسباب رئيسية لها علاقة بتفضيلها من جانب المستثمرين للاستفادة من العمالة الرخيصة والايجارات المنخفضة في الصين، فضلًا عن الضرائب المحدودة. وتصبح الحاضنة الأكبر للاستثمارات الأجنبية ومركزًا رئيسًا لكُبرى الشركات من جنسيات مختلفة.

فعلى سبيل المثال، مدينة ووهان الصينية، بؤرة انتشار فيروس كورونا، يتمركز فيها 6 آلاف شركة، من أكثر من 80 دولة، تتمركز مقارها الرئيسة ومراكزها الصناعية في ووهان، من بينها حوالي 50 شركة فرنسية، بما يُمثل أكثر من ثلث استثمارات فرنسا في الصين.

وتُشير نتائج تقرير الاستثمار العالمي لعام 2019 الذي نشرته منظمة «الأونكتاد» إلى تصنيف الصين في المرتبة الثانية من حيث عدد المستفيدين من الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم بعد الولايات المتحدة وقبل هونج كونج.

فخلال الفترة الزمنية بين عامي 2017 : 2019 استمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر ليصل من 136 مليار دولار أمريكي إلى 139 مليار دولار أمريكي، وأسس المستثمرون الأجانب من دول أوروبية وأمريكا أكثر 60 ألف شركة في عام 2018 فقط، وذلك بفضل عمليات الاندماج والشراء صفقات.

من يصبح «مصنع العالم» الجديد المُحتمل بعد الصين؟

عجلت أزمة الكورونا وحملات التصعيد حيال الصين من مسألة إعادة تفكير عدد من الدول الكُبرى في نقل استثماراتها من الصين إلى دول أخرى، خشية من تكرر أزمات أخرى تكون فيها بكين متحكمًا بالعالم كما حدث الشهور الماضية.

أبرز هذه الدول التي تكرر اسمها في كبري بيانات شركات البحوث العاملة في مجال الاستثمارات هي الهند، التي تصدرت قائمة الدول المُرشحة لأن تكون بديلًا عن الصين في استقبال أغلب الاستثمارات المتمركزة في الصين.

ويُعزز من فرص الهند ما شهدته الأخيرة من وثبات متعددة على مسار التطور التكنولوجي، والنمو اللافت في المجال التقني والخدمات المالية خلال الفترة المقبلة، فضلًا عن العمالة الرخيصة، والتسهيلات الضريبية والامتيازات للاستثمارات الأجنبية.

مييزة أخرى تُضاف للهند هي حالة الاستقرار السياسي، والطبقة الوسطى المتنامية، والأهم أنها دولة ليس لها طموحات سياسية قد تدفعها لتوظيف هذه الاستثمارات سياسيًا فضلًا عن الإصلاحات المتعددة،  التي شكلت نقلة نوعية في مسار البلد بعد صعود ناريندرا لمنصب رئيس الوزراء الهندي، الذي أجرى مزيدًا من الإصلاحات الديمقراطية، مع تنفيذ سلسلة من الإصلاحات المعنية بتحرير معايير الاستثمارات الأجنبية.

وانعكست هذه الإصلاحات على بلوغ قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند نحو 44.37 مليار دولار للسنة المالية 2018 – 2019، إذ حققت نموًا بنسبة 6%، إثر دعمها بحزمة تدفقات قوية في مجالات التصنيع التحويلي، والاتصالات، والخدمات المالية.

أبرز البدلاء إلى جانب الهند هي المكسيك خصوصًا كدولة جاذبة للاسثمارات الأمريكية الموجودة في الصين، حيث ارتفع حظوظ مدينة مكسيكو سيتي في احتضان مزيد من الاستثمارات الأمريكية عقب توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا والمكسيك العام الماضي.

لكن تظل العقبة الرئيسة لتعزيز موقع المكسيك كحاضنة بديلة لاستثمارات أمريكا وأوروبا في الصين؛ عامل الأمان الشخصي. إذ لا تزال السلامة قضية رئيسية للشركات الأجنبية في المكسيك التي يتعين عليها القلق حول عمليات الاختطاف وعصابات المخدرات ومضارب الحماية الشخصية. ويقول مستثمرون أمريكيون إن المكسيك «إذا كانت بنصف أمان الصين، فستكون بمثابة نعمة للاقتصاد»، مشيرين إلا أنها ستكون أفضل بلد في أمريكا اللاتينية.

وتذهب توقعات رجال المال وكبرى شركات البحوث المنخرطة في الأنشطة المالية إلى أن التقديرات المحتملة لاحتمال إعادة توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المكسيك من الولايات المتحدة والصين وأوروبا؛ تتراوح من 12 مليار دولار إلى 19 مليار دولار سنويًا، خلال فترة زمنية تصل لنحو عامين، ما قد يؤدي لنمو متوقع في  الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك بمعدل 4.7٪ سنويًا.

وبدأت الشركات الأمريكية، العام الماضي، التفكير في الانسحاب مع بداية الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، حيث شهد العام الماضي قيام الشركات بإعادة التفكير بنشاط في سلسلة التوريد الخاصة بها، إما بإقناع شركائها الصينيين بالانتقال إلى جنوب شرق آسيا لتجنب الرسوم الجمركية، أو من خلال اختيار عدم الحصول على مصادر من الصين تمامًا.

تعليم

منذ 10 شهور
مترجم: تدريس التكنولوجيا للصغار.. هكذا تُخرج الهند إلى العالم أطفالًا مبرمجين!

أحد نقاط تفوق المكسيك التي تعزز موقعها المستقبلي  هو قصر المدة الزمنية التي تستغرقها عملية الشحن منها نحو أمريكا حيث تصل لنحو خمس أيام، بينما تصل في حالة شحن حاوية من شنغهاي لأمريكا نحو 40 يومًا.

من جانبه، يقول فخري الفقي، مستشار صندوق النقد الدولي السابق، في تصريحات لـ«ساسة بوست»  أن أحد البدلاء المحتملون أيضًا هُم دول جنوب شرق آسيا الصغرى مثل فيتنام إلى جانب المكسيك والهند، موضحًا أن المسألة ستتجاوز مسألة نقل مقارها خارج الصين إلى أبعد من ذلك عبر إعادة التفكير في إستراتيجيات توفير المصادر الخاصة بها وسلاسل التوريد الخاصة بها بالكامل.

ويُضيف الفقي أن ذلك لا يعني التخلي الكامل عن الصين، لكن الدلالة الأهم هي بداية غروب دورها كمحور للتصنيع للعالم الغربي وأمريكا، خصوصًا في المواد الرئيسة كالقفازات المطاطية، والأقنعة الجراحية والمراوح، والمضادات الحيوية، وحتى ورق الحمام.

المصادر

تحميل المزيد