في بداية يناير (كانون الثاني) الماضي وضع «ساسة بوست» الذهب أحد أبرز الخيارات لكي تحافظ على أموالك في 2019، وذلك خلال تقرير: «في ظل الأزمة المالية المتوقعة.. كيف تحمي أموالك في 2019؟»، إذ اعتمد التقرير حينها على «نشاط الطلب على الذهب» بسبب المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة. وكانت الأسعار في ذلك الوقت دون مستويات 1300 دولار للأوقية، إذ أنهى الذهب عام 2018 عند 1281.30 دولارًا للأوقية، وبالفعل تحققت التوقعات بزيادة الأسعار ربما بأكثر مما كان منتظرًا.

ففي أغسطس (آب) الماضي قفزت أسعار الذهب فوق مستوى 1550 دولارًا للأوقية للمرة الأولى في أكثر من ست سنوات، وتحديدًا في أبريل (نيسان) 2013، ووصل السعر في بداية سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 1560 دولار للأوقية، بحسب ما أظهرت بيانات «ماركت ووتش». وقد أرجع المحللون هذه القفزة إلى التوترات التجارية، وخطر تباطؤ اقتصادي عالمي أو ركود عالمي، وهو ما دفع المستثمرين صوب الملاذات الآمنة مثل الذهب، إلا أن الذهب تراجع عن هذه المستوى خلال الأشهر الماضية ليستقر قرب 1500 دولار للأوقية.

لكن بافتراض أن من عمل بنصيحة  «ساسة بوست» واشترى الذهب عندما كان بـ1281.30 دولارًا للأوقية، قد باع في أغسطس الماضي، فقد وصلت أرباحه إلى نحو 269 دولار للأوقية وهو رقم كبير في ثمانية أشهر بالطبع، ولكن ماذا عن 2020؟ هل سيستمر الذهب في الصعود؟ وهل يجب أن يستحوذ المعدن الأصفر على النسبة الأكبر من استثماراتك؟ هذا ما سنتحدث عنه خلال السطور القادمة.

قد يسجل 2000 دولارًا للأوقية.. إلى أين سيصل الذهب في 2020؟

منذ بداية يناير الماضي وحتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) صعدت أسعار الذهب بنحو 20%، وهو المعدل الأكبر في الصعود خلال نحو عقد كامل. فخلال هذا العام اخترقت أسعار الذهب العالمية مستوى الـ1300 دولار، ثم الـ1400 دولار، ثم الـ1500 دولار للأوقية، فيما بدأ الحديث الآن عن مستوى الـ1600 دولار، إذ تشير التوقعات أن الذهب قد يسجل هذا المستوى خلال 2020.

بيانات ماركت ووتش

ويقول بنك «بي إن بي باريبا»: إن أسعار الذهب قد ترتفع أعلى من 1600 دولار للأوقية في الربع الأول من عام 2020، بينما يتوقع بنك «يو بي إس جروب» أن يواصل المعدن النفيس مكاسبه مع استمرار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، متوقعًا وصول السعر إلى 1600 دولار للأوقية في أشهر قليلة. إذ يرى محللو البنك إن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين دفعت البنك لتعديل رؤيته لتداول الذهب خلال ثلاثة أشهر ليصل إلى 1600 دولار للأوقية، وقد يصل خلال الاثنى عشر شهرًا  القادمة إلى مستوى 1650 دولارًا.

ويقول مايكل ويدمير من بنك «أوف أمريكا ميريل لينش»: «إن المعدن الأصفر قد يرتفع سعره لنحو ألفي دولار في العامين المقبلين، مع ميل البنوك المركزية الكبير نحو خفض الفائدة، المصحوب بزيادة الأصول ذات العوائد السلبية، وهي عوامل توفر خلفية جيدة يمكن أن تدعم الارتفاع لهذا المستوى الذي اقترب منه في 2011 عندما وصل المعدن إلى 1921.17 دولار».

ويستند ويدمير في توقعاته إلى اعتقاده بأن هناك المزيد من التخفيضات المقبلة في أسعار الفائدة، بينما يرى محللون آخرون أن البيئة الحالية مواتية لمزيد من الارتفاع في أسعار الذهب؛ وذلك لأن الدول التي كانت تهيمن على اقتصاد العالم قد فقدت السيطرة بسبب الحرب التجارية والتوترات الجيوسياسية.

أكثر من 100 دولار مكاسب في أغسطس.. هل وصلت أسعار الذهب إلى ذروتها؟

ويرى الاقتصاديون أن الاقتصاد العالمي عند «مفترق دقيق». ففي ظل الكثير من التحديات خفض صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الكبرى والبنوك العالمية لتوقعات النمو لهذا العام والعام القادم، وسط ضعف في الاستثمار وتعطيل في سلاسل الإمداد، وهو الأمر الذي سيدفع المستثمرين إلى الاحتماء بالذهب وجعله يستحوذ على نسبة أكبر من محافظهم المالية.

وفي تقرير حديث، قال مجلس الذهب العالمي: «إن الطلب العالمي على الذهب ارتفع في الربع الثالث من العام، إذ بلغ الإقبال العالمي على الذهب نحو 1107.9 طن في الفترة بين يوليو (تموز) وسبتمبر، بارتفاع نسبته 3% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، بينما وصل إجمالي الطلب على الذهب في الفصول الثلاثة الأولى إلى 3317.5 طن، وهو أعلى معدل للفترة بين يناير وسبتمبر منذ عام 2016».

التقرير أشار كذلك إلى أن حيازات صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب ارتفعت بواقع 258.2 طن خلال الربع الثالث، لتلامس أعلى مستوى على الإطلاق، وهذا التقرير يوضح بشكل كبير اتجاه الذهب في العام القادم.

على الجانب الآخر فإن الصين قد عززت احتياطياتها من الذهب بحوالي 100 طن منذ أن استأنفت الشراء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. فبحسب تقرير لوكالة «بلومبرج» الأمريكية، فإنه مع تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لجأ ثاني أكبر اقتصاد في العالم لإضافة كميات هائلة من الذهب إلى احتياطياتها؛ مما أثر بشكل ملحوظ على أسعار الذهب العالمية.

وقال بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) إن الصين أضافت أكثر من 94 طنًا من الذهب إلى احتياطياتها منذ ديسمبر الماضي، فيما يرى اقتصاديون أن البنوك المركزية استخدمت الحرب التجارية حافز لمحاولة تنويع احتياطياتها، إذ أن الذهب يوفر وسيلة حماية مثالية، إلا أن حالة الصين التي تستحوذ على أكبر احتياطي نقدي من العملة الأمريكية، يجعل الأمر يبدو وكأنه تغيير في الإستراتيجية، وهو ما يدعم اتجاه الذهب الصاعد.

عصر الفوائد الصفرية والسالبة.. لهذه الأسباب أصبح الذهب أولوية استثمارية

من المعلوم أن الذهب حاضر دائمًا في الأزمات، فهو الملاذ الآمن القديم – الحديث. إذ يحتل المعدن الأصفر مكانة كبيرة في الاقتصاد العالمي؛ فهو المعيار الأمثل لتحديد غنى الأفراد والشعوب، وكان السبب الرئيس في العديد من الحروب، ودائمًا ما يرتبط اللجوء للذهب بالخوف، وبالطبع فإن الخوف يكون أهم معالم أي أزمة مالية، لذلك فغالبًا ما يكون الخيار الأول هو اللجوء للذهب.

كذلك فإن الذهب هو أهمّ وأكثر المعادن النفيسة انتشارًا، واقتناء الذهب رغبة دائمة لدى الأفراد والدول – متمثلة في البنوك المركزية – كما أنه الجزء الأهم من الاحتياطات لدى الدول. ونظرًا للقيمة المادية والمعنوية التي يتمتع المعدن الأصفر بها سرعان ما تحتمي البنوك المركزية به في حال وجود مخاطر اقتصادية أو سياسية، ودائمًا ما يصعد عند وجود أي توترات سياسة عالمية.

وبالتالي فإن المناخ العالمي الآن يدعم صعود أسعار المعدن الأصفر، خاصة في ظل الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، بالإضافة إلى خفض الفائدة الأمريكية وفي معظم دول العالم، ثم مخاوف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وأخيرًا الركود الاقتصادي العالمي وتباطؤ النمو الصيني.

وبحسب شركة «ستاندرد تشارترد» البريطانية للخدمات المصرفية والمالية، تشهد الأسواق حاليًا موجة من بيع الأصول العالية المخاطر والإقبال على الملآذات الآمنة، فاحتمال حدوث ركود أمريكي في الاثني عشر شهرًا المقبلة ارتفع من 25% إلى 40%، بينما تنصح المستثمرين بزيادة حيازاتهم من الذهب، بحسب ما نقلت «سي إن بي سي».

على الجانب الآخر يبرز ضعف الدولار الأمريكي كسبب رئيس لدفع الذهب نحو الصعود، إذ يقول مازن سلهب، الخبير المالي والرئيس التنفيذي، والمؤسس لشركة «ماس» للاستشارات: إنه «عندما ارتفع الذهب بقوة إلى مستويات قياسية بلغت نحو 1920 دولار في عام 2011، لم يكن بفعل الأزمة المالية، أو تراجع الأسهم، أو حالة الركود، بل كان بسبب ضعف الدولار الأمريكي نتيجة تريليونات التحفيز الكمي، وسياسة الفائدة القريبة من الصفر التي اتبعها الفيدرالي».

الأمر نفسه تكرر العامين الماضيين ففي 2017 عندما سجلت أسعار الذهب أكبر زيادة سنوية في سبعة أعوام لتنهي العام على مكاسب قدرها 13%، تزامنت الزيادة مع هبوط العملة الأمريكية، التي سجلت أسوأ عام لها منذ 2003، لكن الأمر انعكس في 2018، ففي الوقت الذي حققت العملة الأمريكية أقوى أداء سنوي في ثلاثة أعوام بارتفاع المؤشر 4.4% كانت أسعار المعدن الأصفر تسجل أول انخفاض سنوي لها منذ 2015.

374.1 طنًّا مشتريات في 6 أشهر.. البنوك المركزية تحب الذهب

في المقابل تبرز مشتريات البنوك المركزية القوية بوصفها أحد أهم المؤشرات فيما يخص اتجاه السوق، فوفق تقرير لوكالة «بلومبرج» فإن البنوك المركزية أضافت 374.1 طنًّا في الأشهر الستة الأولى من 2019، وهو ما ساعد على رفع إجمالي الطلب على السبائك إلى أعلى مستوى خلال ثلاث سنوات، بحسب مجلس الذهب العالمي. بينما من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه، بعد أن أظهر استطلاع حديث للبنوك المركزية أن 54% من المشاركين يتوقعون أن ترتفع الحيازات العالمية في الاثني عشر شهرًا المقبلة.

هذا الاتجاه يعني أنه من المرجح أن تستمر فورة شراء البنوك المركزية الذهب في السنوات القادمة، إذ إن البيئة الحالية وسط ارتفاع الشك في عملات الأسواق الناشئة ستكون سببًا وجيهًا لمواصلة دول مثل روسيا، وتركيا، وكازاخستان، والصين، تنويع محافظها الاستثمارية، والاعتماد على الذهب؛ إذ إن صافي مشتريات القطاع من المرجح أن يبقى أعلى من 650 طنًا هذا العام.

يشار إلى أن البنك المركزي الروسي هو أكبر مشتر للذهب منذ سنوات، إذ ضاعفت روسيا احتياطاتها من الذهب خلال الأعوام العشرة الماضية نحو أربع مرات ضمن مساعيها للتنويع بعيدًا عن الأصول الأمريكية. ففي 2018 قفزت قيمة احتياطات الذهب بـ42% إلى 109.5 مليار دولار، كما أصبح الذهب يشكل الحصة الأكبر ضمن إجمالي الاحتياطات الروسية منذ عام 2000.

ورغم ذلك تظل روسيا خامس أكبر الدول التي لديها أكبر احتياطي ذهب في العالم، بعد كلاً من الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، على التوالي، وذلك وفقًا  للبيانات الصادرة عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2019.

وتمثل مشتريات البنوك المركزية من المعدن الأصفر حوالي 10% من الاستهلاك العالمي، وفقًا لمجموعة «أستراليا ونيوزيلندا المصرفية المحدودة»، ويقول «دويتشه بنك إيه جي» الألماني في تقرير له إن تراكم الذهب لدى البنك المركزي يعطي مجالًا أكبر للتشغيل، مستشهدًا بعوامل تشمل الهجرة التدريجية للأصول الاحتياطية مبتعدة عن الدولار.

ويجيب جيف كوري، الرئيس العالمي لأبحاث السلع في تلفزيون «بلومبرج» عن سؤال: لماذا تشتري البنوك المركزية في الأسواق الناشئة المعدن الأصفر؟ قائلًا: «لأنهم لا يريدون امتلاك الدولارات مع مخاطر العقوبات، والمخاطر الجيوسياسية، ومخاطر الحرب التجارية؛ لذلك فالحصول على الذهب ربما يكون الأكثر أمانًا».

ختامًا، تشير هذه المعطيات إلى أن المعدن الأصفر لن يتخلى عن مكاسبه، إلا أن تراجع خطر الحرب التجارية، وتلاشي توقعات الركود، وانخفاض وتيرة الأزمات الجيوسياسية، هذه الأمور إن حدثت فمن الممكن أن يشهد الذهب تراجع واضح، إذ ستكبح هذا المعطيات الجديدة – حال تحققها – مكاسب الأسعار العالمية التي يجري تداولها حاليًا قرب أعلى مستوياتها منذ أكثر من ستة أعوام.

وصلت 13 تريليون دولار عالميًا.. لماذا ينتعش سوق السندات المالية السالبة؟

المصادر

تحميل المزيد