لم يكن عام 1796 مثل أي عام آخر في تاريخ البشرية الممتد لمئات الآلاف من السنوات. في ذلك العام تمكن العالم إدوارد جينر من تلقيح صبي يبلغ من العمر 13 عامًا بفيروس جدري البقر، ليظهر ذلك الصبي مناعةً ضد مرض الجدري. وبعد ذلك بعامين فقط، طور أول لقاح للجدري، ليؤسس جينر ما يعرف بعلم اللقاحات الحديث. كان هذا العام بمثابة تحول دراماتيكي ليس فقط في تطور العلوم، ولكن أيضًا في عدد سكان العالم، بعد انخفاض معدلات الوفيات بين البشر.

على سبيل المثال خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بلغ التنفيذ المنهجي لعملية التطعيم الجماعي ضد الجدري ذروته ليتم القضاء عليه عالميًا عام 1979. قبل اكتشاف لقاح الجدري عام 1796، كان 7.6% (1 من 13) من جميع الوفيات حول العالم يسببها مرض الجدري. وربما تكون أزمتنا الصحية العالمية الحالية المرتبطة بتفشي وباء كورونا هي تذكير بمدى خوفنا من تلك الأيام السابقة التي كانت تنتقل فيها العدوى بكل سهولة، وتأكيد على أهمية اللقاحات في حياتنا.

لكن اكتشاف اللقاحات الذي بدأ منذ نحو 200 عام، وكان السبب وراء تحسين بقائنا وزيادة عدد سكان العالم بشكل كبير، كان له تأثير «سلبي»؛ إذ إنه كان – إلى جانب بعض الاختراعات الأخرى مثل المضادات الحيوية – بمثابة بداية الطريق نحو هلاك كوكب الأرض أيضًا دون أن نشعر!

فقد أدى نجاح البشر في مواجهة الأمراض المعدية إلى تحسين بقائنا بشكل كبير، ورفع أعداد البشرية، من أكثر بقليل من 1.25 مليار شخص في ذلك الوقت إلى 7.7 مليار الآن، وهو ما كان له آثار سلبية على كوكب الأرض.

التأثير السلبي لتحسُن صحة البشر!

في الوقت الذي نجح في البشر في إطالة متوسط أعمارهم وتحسين صحتهم، تواجهنا الآن تحديات غير مسبوقة، مثل تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتدهور المحيط الحيوي، أضف إلى هذا جائحة فيروس كورونا. كل هذا يجبرنا على النظر في إرث هذا النجاح. وأصبح وباء كورونا فرصة لبروز ذلك السؤال القديم والمثير للجدل بشكل فريد: هل يوجد الكثير من البشر على هذا الكوكب بشكل زائد عن الحد؟

Embed from Getty Images

من الصعب إنكار هذه الحجة الأساسية التي تقول إن زيادة عدد سكان العالم هي السبب وراء التدهور الذي يعيشه كوكب الأرض. فمع وجود عدد أقل من البشر، سيكون هناك حجم أقل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وسيقل التلوث، وستنخفض أحجام النفايات، وستتوفر لنا ولبقية العالم الطبيعي مساحة أكبر للبقاء والازدهار.

لذلك نحتاج إلى التحدث عن السكان، إلى أين يتجهون على مستوى العالم، وماذا يعني ذلك لكوكبنا، وماذا لو كان هناك أي شيء يجب أن نفعله للحد من نمو السكان. كل هذه الأسئلة التي تبدو بسيطة، يبدو أن العثور على إجابات لها ليس بسهولة طرح الأسئلة. خصوصًا إذا ما أضفنا مشاهد التحيز الجنسي، والعنصرية، والقومية، وكره النساء، وعلم تحسين النسل، فإن الأمور تبدو أصعب وأصعب.

انخفاض معدل الوفيات وبداية التحول الديموغرافي

في القرن الثامن عشر، كان تقريبًا نصف عدد الوفيات في عدة دول متقدمة حول العالم، مثل بريطانيا، ناجمًا عن الأمراض المعدية. لكن هذا الحال تغير بسبب ما نصفه بـ«التقدم» العلمي والتكنولوجي.

ابتداءً من القرن التاسع عشر، بدأت سلسلة من القفزات الصحية وتطوير وسائل الصرف الصحي؛ مما ساهم في خفض معدل الوفيات في جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه سمحت الأساليب الأكثر كفاءة للإنتاج الزراعي والتغذية المحسنة لعدد أكبر من الناس بالعيش براحة أكبر ولمدة أطول دون جوع شديد. في عام 1860 كان معدل وفيات الأطفال في جميع أنحاء العالم أكثر من 40%. اليوم يبلغ حوالي 4% فقط.

يمثل هذا التغيير في معدلات الوفيات المرحلة الأولى في «التحول الديموغرافي». ومع زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون حياة أطول، يرتفع عدد السكان بشكل كبير.

فقد تضاعف عدد سكان العالم البالغ حوالي مليار نسمة عام 1800، إلى مليارين في أواخر عشرينات القرن العشرين. وبحلول منتصف السبعينات تضاعف مرة أخرى ليقترب من 4 مليارات. بعد نصف قرن كان على وشك أن يتضاعف مرة أخرى؛ إذ وصل إلى أكثر من 7.7 مليار. وتقدر الأمم المتحدة أن 9.7 مليار شخص سيكونون على كوكب الأرض في عام 2050، و10.9 مليار نسمة في عام 2100.

تزايد السكان وآثاره السلبية

في ظاهر الأمر، قلة الناس تعني تأثيرًا سلبيًا أقل. خذ على سبيل المثال تغير المناخ، الذي ربما يكون أكثر مشاكلنا البيئية إلحاحًا. في عام 2017 أوضحت دراسة الإجراءات التي يمكن أن يتخذها الأشخاص في الاقتصادات المتقدمة لتقليل انبعاثات الكربون. كانت فكرة إنجاب طفل واحد هو الإجراء الأكثر فعالية، إذ وفر 120 طنًا من ثاني أكسيد الكربون سنويًا للمواطن الأمريكي العادي. قارن ذلك بالعيش بدون سيارات، الذي يوفر ثلاثة أطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

يبدو أن عدد سكان العالم هو المحرك الرئيس لمشكلة العالم الطبيعي من حولنا. إذا ما قارننا تزايد أعداد البشر مع انقراض الأنواع سنجد الخطى متقاربة. يعتقد أن تدميرنا للمساحات الآمنة للطبيعة يوفر طرقًا جديدة للأمراض «الحيوانية المنشأ»، مثل فيروس كورونا الجديد الذي انتقل من الحيوانات إلى البشر، وإلى أنواع جديدة.

المحصلة النهائية لكل ما سبق هي أن هناك تجاوزًا في طلبنا على الطبيعة. للتوضيح فإن تأثيرنا البيئي يتحدد في المقام الأول من خلال ثلاثة أشياء: مقدار ما يستهلكه كل منا، وكفاءة تقنيتنا في تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات نستهلكها، وكم عدد المستهلكين. لكن يبدو أن الخبراء لا يميلون إلى الحديث عن النقطة الأخيرة.

انخفاض معدلات المواليد.. الموجة الثانية للتغير الديموغرافي

في فترة ما بعد ستينات القرن العشرين بدأت المرحلة الثانية من التحول الديموغرافي بشكل جدي، إذ بدأت معدلات المواليد بالانخفاض في جميع أنحاء العالم.

دوافع هذه العملية معقدة، لكنها تتعلق بزيادة التحضر، والتعليم، والتقدم المادي. أدى هذا إلى انحسار موجة القلق السكاني في منتصف القرن العشرين. المعدل العالمي للنمو السكاني قد انخفض الآن من نقطة عالية تجاوزت 2% سنويًا في أواخر الستينات إلى ما يزيد قليلًا عن 1%.

Embed from Getty Images

عبر مساحات شاسعة من أوروبا وأمريكا الجنوبية، فإن معدلات الخصوبة تساوي أو تقترب من «معدل الإحلال» البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المستوى الذي يضمن استقرار عدد السكان. في بعض أجزاء العالم، لا سيما اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا وبعض الدول في شرق وجنوب أوروبا، تكون الخصوبة أقل من هذا المعدل، ويتناقص عدد السكان. ولكن حتى في تلك الأماكن التي لم تزل تتزايد فيها مثل جنوب آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، فإن الخصوبة آخذة في الانخفاض.

إحدى المشكلات الأساسية في الحديث عن السكان هي عدم معرفة إلى أين تتجه هذه الاتجاهات بعد ذلك. تعتمد توقعات الأمم المتحدة إلى حد كبير على تطبيق نماذج المرحلة الثانية من التحول الديموغرافي المرتبطة بانخفاض معدلات المواليد، في الأماكن التي مرت بها بالفعل إلى أماكن لم تفعل ذلك. وهو ما يرفضه بعض الخبراء ويرونه «استقراء إحصائي أعمى»؛ لأن الاقتصادات النامية تمر بمرحلة انتقالية أسرع من الاقتصادات المتقدمة الآن، وأن نماذج الأمم المتحدة قاسية جدًا بحيث لا يمكن أخذ ذلك في الاعتبار.

الاقتصاد له رأي آخر في عدد سكان العالم

أحدث نموذج للنمو السكاني، نشر عام 2018 يتتبع الاحتمالات المستقبلية وفقًا لخمسة مسارات اجتماعية واقتصادية مشتركة للتنمية العالمية. في كل هذه المسارات عدا مسار واحد، يصل عدد سكان العالم إلى ذروته (حوالي 9.5 مليار نسمة) قبل نهاية القرن. وفي مسارين منهما سينتهي الأمر بنهاية القرن بعدد سكان أقل مما هو موجود الآن. هذا تسبب فيما يسمى صدمة انخفاض عدد سكان العالم.

إذًا هل يمكن أن يكون سكان العالم هي مشكلة على وشك أن تحل نفسها؟ لا توجد قرينة مؤكدة للقول إن التغيير في المستقبل سيكون أسرع مما كان عليه في الماضي. ومن المؤكد أن أزمة المناخ المتفاقمة تجعلنا حذرين في التعامل مع هذه الاحتمالية، فزيادة عدد السكان لم تزل تتزايد. ويشكك بعض الخبراء في أننا وصلنا إلى المشاهد الختامية لسرد تاريخي كبير ينتهي حتمًا بمعدلات وفيات وخصوبة منخفضة.

في الواقع يقلق هؤلاء من أن الاتجاهات الأخيرة المتعلقة بنسب الخصوبة المنخفضة ربما قد تكون على وشك الانعكاس. الجميع سعداء بانخفاض معدل الوفيات، لكن القصة مختلفة مع انخفاض الخصوبة. هناك العديد من الأسباب التي تجعل الناس والجماعات في جميع أنحاء العالم يتبنون مواقف تطالب بخصوبة أعلى. أحدها هو أنه بالرغم من أن الاعتبارات البيئية تشير إلى أن معدلات الخصوبة المنخفضة جيدة، فإن الاعتبارات الاقتصادية غالبًا ما تشير إلى أنها ليست كذلك.

يأتي هذا من كون نماذج النمو الاقتصادي قائمة على زيادة عدد الأشخاص الذين يخلقون طلبًا أكبر على السلع والخدمات. من المؤكد أن الاقتصادات النامية تجني ثمار السكان الشباب الديناميكيين مع ازدهار القوى العاملة فيها، كما فعلت الاقتصادات المتقدمة في السابق. فالدول الواقعة على امتداد التحول الديموغرافي، حيث تتصادم معدلات الخصوبة عند مستوى الإحلال أو أقل، تظهر عندها مشكلة أن وجود عدد أقل من الناس يجعل الحفاظ على النمو الاقتصادي والتمويل المستقر والتماسك المجتمعي أكثر صعوبة.

بينما في الدول ذات أنظمة الرفاهية المتطورة للغاية، تصبح هذه قضية مختلفة، فالعدد الكبير من السكان كبار السن وغير نشطين اقتصاديًا مدعومين بإيرادات ضريبية من شريحة متضائلة من العاملين. هذا جعل هذه الدول تلجأ إلى مستويات أعلى من الهجرة للحفاظ على السكان في سن العمل. سلكت اليابان طريقًا مختلفًا من خلال السعي وراء الروبوتات باعتباره وسيلة لاستبدال الأشخاص الذين لم يولدوا بعد.

زيادة عدد السكان.. خطاب قومي واقتصادي

تعد التحديات المرتبطة بتقدم السكان في السن عاملًا كبيرًا في نجاح الحركات الشعبوية القومية في أجزاء كثيرة من العالم. من المؤكد أن الخطاب الداعي إلى النمو السكاني كمسألة مصير وطني آخذ في الازدياد في بلدان مثل: المجر، وإيطاليا، وإيران، وأماكن أخرى. من هنا نفهم أن تلك الدول الداعية إلى زيادة عدد سكانها تلجأ إلى تقليص حقوق المرأة، مثل الإجهاض.

هنا نحتاج إلى العودة إلى الأساسيات. مبرر الحديث عن السكان في المقام الأول هو قلقنا بشأن تأثير البشرية على الكوكب، لذلك علينا أن ننظر إلى مصدر هذا التأثير. في حالة تغير المناخ، هذا واضح جدًا.

علوم

منذ سنتين
250 مولودًا كل دقيقة.. ما هو أقصى عدد من السكان تستطيع الأرض تحمله؟

إذا نظرت تاريخيًا بمرور الوقت إلى الأسباب التي أدت إلى زيادة انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي، فمن المؤكد أن النمو السكاني كان عاملًا مهمًا، ولكن كان العامل الأكبر هو التغيير في نصيب الفرد من الانبعاثات. اعتمادًا على كيفية قياسه، خلال أي فترة زمنية، لأي مجموعة سكانية وما إلى ذلك، فإننا نتحدث هنا عن نسبة الثلثين مقابل الثلث. الثلثين لسلوك البشر نفسهم مقابل الثلث لأعداد البشر. وبالتالي فإن تأثير عدد البشر على الكوكب ليس هو العامل الأهم.

يؤدي ذلك إلى تحويل الأضواء بعيدًا عن معدلات الخصوبة في أجزاء من العالم إلى «مستويات استهلاك الناس». يقول البنك الدولي إنه في عام 2014، بلغ متوسط ​​انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية 5 أطنان للفرد. بالنسبة للصين، كان المعدل 7.5، وبالنسبة للولايات المتحدة، كان 16.5، ولأستراليا 15.4. وبالنسبة للدول المتقدمة عمومًا، كان هذا الرقم 9.6.

بينما كانت الأرقام المكافئة للاقتصادات النامية الثمانية التي يتوقع أن تشهد أكبر زيادة سكانية هي: الهند 1.7 طن للفرد، نيجيريا 0.5، باكستان 0.9، جمهورية الكونغو الديمقراطية 0.1، إثيوبيا 0.1، تنزانيا 0.2، إندونيسيا 1.8، مصر 2.2. بمعنى، أنه حوالي 160 مواطنًا من إثيوبيا أو جمهورية الكونغو الديمقراطية لديهم تأثير مناخي أقل من مواطن أمريكي واحد.

تعطينا حالة الطوارئ المرتبطة بتغير المناخ سببًا آخر للتراجع عن اقتراح التحكم في عدد السكان كحل لمشاكل العالم. نظرًا لتأثير إنجاب المزيد من الأطفال على مدى الأجيال، فإن وجود عدد أقل منهم لن يساعدنا في العقد القادم؛ لذلك يتعين علينا خفض الانبعاثات، وتجنب الاحترار العالمي الكارثي. وبالتالي فربما لا يجب أن نلقي اللوم كله على عدد السكان فقط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد