يشهد العالم أزمات كبيرة تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، ولم تعد منظمة الأمم المتحدة قادرة على حل الأزمات بشكل جيد بسبب انتهاء سيطرة القطب الأمريكي عليها وبدء مزاحمة القوى الأخرى للولايات المتحدة في اتخاذ القرار الدولي، ومع اللجوء لعقد التحالفات خارج إطار المنظمة لتحقيق الأهداف الدولية المختلفة، فإن النهاية الوشيكة لسقوط النظام الدولي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة باتت قريبة للغاية، بل إن البعض يرى أن هذه القطبية الأحادية قد انتهت بالفعل وأن العالم الآن في مرحلة انتقالية سوف تنتهي إلى شكل جديد للنظام العالمي.

أولًا: الصراع الأمريكي الروسي في سوريا

كانت الأزمة السورية بمثابة الهزّة الأولى من الزلزال الذي يضرب النظام العالمي أحادي القطبية، حيث أن هذه الأزمة أعادت إلى المشهد ذكريات الحرب الباردة والحرب بالوكالة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.

وقد تلت الأزمة السورية أزمة جديدة في أوكرانيا، لترسخ وتؤكد أن القطبية الأحادية الأمريكية في انهيار وتراجع وأن روسيا قطب عائد مرة أخرى وإن كانت تواجهه بعض العقبات.

مصالح روسيا في سوريا ودوافعها للوقوف بوجه الولايات المتحدة

تعتمد روسيا على إيران التي تعتبرها بوابتها الوحيدة لقارة آسيا، ومعنى سقوط النظام السوري الحليف الأكبر لإيران هو الإضعاف الشديد للأخيرة، وبالتالي خروج روسيا من قارة آسيا بالكامل.

 كما أن سقوط النظام السوري ووجود حكومة جديدة ولاؤها للغرب سيحوّل إمدادات الغاز الطبيعي إلى غرب أوروبا ووسطها ليحل محل الغاز الروسي كمصدر رئيسي للطاقة هناك، مما سيؤثر بقوّة على الاقتصاد الروسي[1].

وبالرغم من أن المعارضة السورية عملت على طمأنة روسيا على مصالحها، وحاولت مرارًا أن تقنعها بأن مصالح روسيا في سوريا سوف تظل محفوظة بعد سقوط النظام وأن علاقة روسيا مع دمشق أقدم من علاقة البعث معها، إلا أن روسيا رفضت كل تلك العروض تمامًا وأصرت على أن يكون النظام السوري أساس أي حل[2].

ولعل الدافع الرئيسي الذي جعل روسيا تصر على موقفها هذا من الثورة السورية هو محاولة إثبات العودة الجديدة لها إلى الساحة العالمية وأنها تتعامل بالندية التامة مع الولايات المتحدة، فقبولها بإسقاط النظام السوري والتضحية برغبة الصديق الإيراني ومصالحه في روسيا يعني ضمنيا أن روسيا تدور في فلك الولايات المتحدة وحلفائها ونظامها أحادي القطبية وهو ما تسعى روسيا إلى الخروج منه بشتى السبل.

واستعانت روسيا بحليفها الصيني للوقوف بوجه تنفيذ ضربات ضد النظام السوري، حيث أن الصين تشارك روسيا في محاولة رفع الهيمنة الأمريكية عن النظام العالمي وإيجاد دور فعلي وقوي لها في النظام الدولي ما يعني تقليص دور الغرب والولايات المتحدة وإفساح مجال للصين وروسيا.

اصطدمت هذه المصالح الروسية برغبة الولايات المتحدة وحلفائها في إضعاف إيران وإيقاف تمددها في الشرق الأوسط مما يسهّل الضغط عليها فيما يخص الأزمة النووية، وكذلك لضمان أمن إسرائيل حيث أن الولايات المتحدة والغرب متفقون على مبدأ عدم السماح بالإخلال بالتفوق العسكري الإسرائيلي أو بروز قوّة تعمل من خارج الصندوق الغربي[3].

روسيا والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد الإرهاب

عندما أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها لإقامة تحالف دولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، رفضت روسيا هذا التحالف بتصريحات شديدة اللهجة جاءت على لسان ديبلوماسييها، حيث قالت موسكو أنها تحارب الإرهاب وتدعم الدول التي تحاربه دون الحاجة لحضور حفلة في نادي (يقصد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة)، وأضاف أن روسيا على استعداد للتعاون مع دول التحالف إذا احترمت هذه الدول الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي ومبدأ سيادة الدولة[4]، والمقصود سيادة النظام السوري على أرضه، وبالتالي فهي تؤكد على ضرورة الاعتراف بشرعية نظام بشار الأسد ومساعدته في القضاء على هذه التنظيمات، أما التدخل بدون إذنه وانتهاك سيادته على أرضه فهو أمر مرفوض، كما أنه أثار مخاوف روسيا وإيران من احتمالية التدخل ضد النظام والإسلاميين والقضاء عليهما معًا وتسليم الحكم في سوريا للمعارضة الليبرالية المدعومة أمريكيًا وخليجيًا.

وهذا التصريح دلالة واضحة على أن الأزمة السورية أحدثت هزات عنيفة في هيكل النظام الدولي أحادي القطبية، فالولايات المتحدة لم تعد تستطع تمرير إرداتها عبر المؤسسة الأولى للنظام العالمي وهي الأمم المتحدة، كما كان الوضع قبل انتهاء الحرب الباردة، حيث أن وجود قطبين متنافسين ساهم في إضعاف قدرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على التأثير بسبب معارضة القوى الكبرى للقرارات التي تصب في صالح منافسيها، وبالتالي كانت تلجأ كل من تلك القوى إلى عقد تحالفات خارج إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتحقيق مصالحها وأهدافها.

أما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة المتحكم الأول والأخير في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وعادت للمؤسسة حيويتها مرة أخرى بعد أن سيطر قطب وحيد على السياسة الدولية وصار الجميع يدور في فلكه.

وقد أظهرت الأزمة السورية والصعود الجهادي فيها مدى تغيّر الحال وعودته إلى وضع مشابه لما كان عليه النظام العالمي قبل انتهاء الحرب الباردة، حيث لم تستطع الولايات المتحدة تمرير قرار توجيه ضربة عسكرية في الداخل السوري عبر مجلس الأمن بسبب تعارض ذلك مع مصالح روسيا والصين، ومن ثم لجأت لعقد تحالف دولي مع حلفائها لتحقيق هذا الهدف.

ثانيًا: الأزمة الأوكرانية والتمادي الروسي في هدم القطبية الأحادية

في ظل الصراع الدولي الدائر في سوريا والذي تحدثنا عنه تطورت الأوضاع في أوكرانيا، حيث قامت الثورة على الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا والذي منع أوكرانيا من الدخول في اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي كانت ستجلب خيرًا كبيرًا للاقتصاد الأوكراني يصب في مصلحة الشعب، ومن المرجح أن الرئيس الأوكراني أقدم على هذه الخطوة بإيعاز من روسيا ولصالح الاتحاد التجاري الروسي.

قامت الثورة ضد الرئيس وأعلن البرلمان خلعه وهرب إلى روسيا، وحينها بدأت الأزمة تستفحل على المستوى الدولي، حيث فتحت بؤرة جديدة للحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب المستنقع السوري مما جعل الهيكل الدولي أحادي القطبية شبه منهار.

وبالرغم من ذلك فإن روسيا ليست مؤهلة للصدام مع الغرب اقتصاديًا ولا سياسيًا حيث أن الاقتصاد الروسي يعاني من (رأسمالية دون رأسماليين)[5]، بمعنى غياب الرأسمالية الوطنية واعتماد اقتصادها على الاستثمارات الخارجية وتصدير ثرواتها الطبيعية لشرق ووسط أوروبا.

وقد كان البعض يتوقع أن أوروبا لا تستطيع فرض عقوبات اقتصادية على روسيا بسبب اعتمادهم عليها في الغاز الطبيعي والنفط، ولأن روسيا تدرك ذلك جيدًا فإنها لديها مساحة من الحرية للتحرك في أوكرانيا دون خوف من التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية عليها، والدليل على ذلك تحرك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لنزع فتيل الأزمة بين الولايات المتحدة وروسيا وذلك حفاظًا على التوازن ومصالح أوروبا مع البلدين[6].

ولكن على العكس فإن أوروبا لا تعتمد كليًّا على الثروات الطبيعية الروسية، بل إنها طوّرت مصادر طبيعية لديها لاستخراج الغاز من صخور طبيعية متاحة لديها، وبالتالي فإن روسيا لن تستقل اقتصاديًا إلا بعد أن تكوّن رأسمالياتها الوطنية الحرة، ليست الرأسمالية المعتمدة على التصدير والاستثمارات الخارجية[7]، وبالفعل قامت أوروبا بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا ما وضع موسكو في أزمة لم تجد بديلًا لحلها سوى اللجوء إلى الصين.

الصين الحليف الأقوى في القطب الجديد

تعوّل روسيا على الصين كحليف قوي يملك انتشالها من أزمتها الاقتصادية ليتحركان سويًا في مسارهما السياسي الساعي لإنهاء الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي وإيجاد موطئ قدم لهما في النظام الدولي الجديد، والثابت لدينا أن روسيا قوّة عسكرية لايستهان بها، وأنها بدأت بالفعل في التحرك لاستعادة وضعها الدولي الذي غاب لأكثر من عقدين.

 وإن كانت الصين ستكون الفائز الأكبر وربما تكون لها اليد الطولى في التحالف مع روسيا لقوّتها الاقتصادية والاستثمارات الكثيرة التي تقوم الصين بضخّها في روسيا، وقد تم عقد صفقات روسية صينية لتصدير الغاز الروسي إلى الصين بعد العقوبات التي فرضتها أوروبا على روسيا، وقد عقدت هذه المعاهدة بأثمان بخسة مما سيصب في صالح الصين وصناعاتها الكثيرة وما سيؤثر سلبًا على الاقتصاد الروسي ويجعل روسيا شريعًا تابعًا للصين لتكون الصين القائد الفعلي للتحالف الصيني الروسي[8].

النظام الإقليمي الشرق أوسطي والنظام العالمي

بالرغم من أن الأزمات الكبرى التي تساهم بالنصيب الأكبر في ضرب أركان الأحادية القطبية موجودة في منطقة الشرق الأوسط إلا أن القوى الفاعلة في الإقليم لا تزيد طموحاتها عن السيطرة الإقليمية فقط مع التبعية والشراكة مع حليف دولي أقوى منها، فالسعودية تسعى لزعامة العالم السني برعاية أمريكية، وإيران تسعى لزعامة العالم الإسلامي وحشده تحت قيادة القطبين الروسي والصيني تحت شعار مواجهة الهيمنة الأمركية والقضاء على دولة إسرائيل، ودولة إسرائيل تسعى – مرحليًا على الأقل – إلى الحفاظ على أمنها واستمرار حالة الثبات التي يعيشها العالم العربي والإسلامي من حولها  ولا تسعى للتمدد أو الزعامة في الإقليم بالطبع، وإن كانت تساهم عن طريق الرأسماليين اليهود في صناعة القرار العالمي بشكل كبير.

وبالتالي نكتشف أن الطموحات العالمية التي تسعى للعب دور قوي وفعّال في النظام العالمي غائبة عن دول الإقليم وإنما حاضرة بقوّة فقط عند التيارات الإسلامية الجهادية وتحديدًا تنظيم الدولة الإسلامية الذي يكرر مرارًا وتكرارًا أنه يقاتل ليحكم الأرض كلها بما أنزل الله، وشعارهم (البقاء والتمدد)، وأنهم لن يوقفوا القتال حتى يرفعوا الآذان في روما[9].

المعضلة الثقافية

توجد عقبة كبرى أما روسيا تمنعها من عودتها كقوّة عالمية مهيمنة تنافس الولايات المتحدة كما كان الوضع في الحرب الباردة، وهي عدم وجود مشروع حضاري واضح المعالم تمتلكه روسيا وتسوقه للعالم وتطرح نفسها بديلًا للرأسمالية والديموقراطية الأمريكية، فإن كانت روسيا قد استطاعت الخروج من الدائرة السياسية والاقتصادية الأمريكية ولو بشكل جزئي فإنها لازالت تدور في فلك الحضارة الغربية بقيمها الديموقراطية والرأسمالية.

هل كانت الأحادية القطبية نظامًا دوليًّا هشًّا؟

ثبت تاريخيًا أن إسقاط أي نظام، سواء كان محليًا أو عالميًا، لا يتم إلا بتغيرات عنيفة جدًا يتم فيها القضاء على النظام القديم تمامًا وإعادة بناء نظام جديد بقيم وأهداف وقواعد جديدة.

وقد تأسس النظام العالمي الذي أفرز منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد أحداث عنيفة جدًا ضرب أركان النظام متعدد القطبية السابق فقضت على بعض أقطابه وأضعفت البعض الآخر بينما دعّمت قوتين كبيرتين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

تم إنشاء الأمم المتحدة لتنظيم العلاقات بين الدول وإقرار حالة (السلام العالمي) بما يعني استقرار الوضع على ما هو عليه، ثم بدأ الصراع بين القطبين الكبيرين بسبب التنافس على النفوذ والثروات، فبدأت حروب الوكالة وسباق التسلح والحرب الاقتصادية بالإضافة إلى الحرب الثقافية التي كانت من أكبر عوامل الحرب، إلى أن وصلنا إلى انهيار للاتحاد السوفييتي اقتصاديًا وثقافيًا، وورثته روسيا وورثت عنه ترسانته العسكرية والنووية ومقعده في مجلس الأمن والأمم المتحدة وبقيت قيم النظام العالمي ومؤسساته راسخة كما هي.

فهل كان هذا التغيير كافيًا لبناء نظام جديد أو لضمان عدم انبعاث النظام الدولي السابق مرّة أخرى؟

فكما أن النظام الثنائي القطبية سقط بالعوامل الثقافية والاقتصادية، أي بالقوّة الناعمة بالإضافة إلى حروب الوكالة، فإنه بإمكانه العودة مرّة أخرى بالقوة الناعمة وحروب الوكالة، وها نحن نشهد في هذه الأيام العودة التدريجية لهذا النظام، ولكن بدلًا من أن يكون الاتحاد السوفييتي هو القطب الآخر سيكون تحالفًا دوليًا تقوده الصين اقتصاديًا وروسيا سياسيًا وعسكريًا مع بعض الأذرع الإقليمية مثل إيران وشمال أوكرانيا، ولكن ستنقصه القوّة الثقافية التي كانت للاتحاد السوفييتي ما سيبقى للولايات المتحدة والغرب السبق نوعًا ما حتى يمتلك القطب الجديد مشروعًا حضاريًّا خاصًا به.

المصادر

[1] ميشيل كيلو، مجلة السياسة الدولية  العدد 195 يناير 2014، حسابات موسكو تجاه الصراع في سوريا.
[2] المرجع السابق
[3] عبد الحليم محجوب، المسألة السورية والمحاور الإقليمية والدولية المحتملة، مجلة السياسة الدولية العدد 190 أكتوبر 2012.
[9] الآن الآن جاء القتال، موقع يوتيوب، تاريخ النشر: 12 أغسطس 2014، تاريخ الزيارة: 15 أكتوبر 2014.
عرض التعليقات
تحميل المزيد