في قمة هذه المرة تحدثت دول الـ 20 عن «دعم نظام المبادلات التجارية متعددة الأطراف»، أي: مزيد من الإجراءات لتحرير التجارة الدولية بين بلدان العالم، وفقًا لما نقلته صحيفة الحياة اللندنية.

بالأمس وقف الرئيس الصيني «شي جينبينغ»، أثناء ختام قمة الـ 20«G20» الجامعة لأكبر اقتصادات العالم معًا؛ للتخطيط وتشارك وجهات النظر، حول العقبات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، والأهداف المطلوب تحقيقها لتجاوز كل ذلك. في قمة هذه المرة تحدثت دول الـ 20 عن «دعم نظام المبادلات التجارية متعددة الأطراف»، أي: مزيد من الإجراءات لتحرير التجارة الدولية بين بلدان العالم، وفقًا لما نقلته صحيفة الحياة اللندنية.

وبالرغم من عدم التصريح بتفاصيل أكثر وضوحًا، إلا أن زيادة إجراءات تحرير التجارة يضع عددًا من قادة دول العالم أمام مشكلات عديدة، مثل رفض شعوبهم فتح أسواقها على مصراعيها لمنتجات مستوردة، في ظل تصاعد العداء ضد العولمة، التي يعتقد المواطنون بأنها ليست في مصلحة البسطاء.

يأتي هذا في وقت تتهم فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الصين بوضع قيود وعراقيل قانونية، أمام دخول منتجاتهم إلى الأسواق الصينية، وفي وقت تتعامل فيه الولايات المتحدة بقلق شديد، إزاء تنافسية المنتجات الصينية لمنتجاتها في الأسواق المحلية الأمريكية.

إذن نظام عالمي أرسته العولمة الاقتصادية، لمزيد من الرفاه وتقليل الفقر، وإعطاء الفرص لرؤوس الأموال والعمالة والسلع والخدمات، للحركة والمنافسة، نظام بدأت ملامحه بالتشكل منذ اتفاقية الجات، وحتى اتفاقية التجارة العالمية المعلن عنها عام 1994، والبادئ تنفيذها مطلع عام1995، والمهتمة في نصوصها بتحرير حركة الأربعة عناصر عبر البلدان، فهل استطاع هذا النظام تحرير التجارة فعلًا؟

ما الذي يعنيه تحرير التجارة؟

تعد منظمة التجارة العالمية ممثلاً لفكرة العولمة الاقتصادية، كواحدة من ملامح العالم الحديث المهيمن عليه من قبل اقتصاد السوق، هذه المنظمة، وبالرغم من اعتماد فلسفتها على حرية رؤوس الأموال بين الدول وتحرير التجارة، إلا أنها كرست التمييز بين الشمال المُصنِّع، والجنوب المُستنزَف من موارده.

حيث ينتج الشمال أغلب الواردات العالمية من السلع والمنتجات المختلفة، بينما يعاني الجنوب من مشاكل البطالة والفقر وضعف القدرات الاقتصادية، الأمر الذي يقيد قدرة دوله على المنافسة.

في كتيب من إصدار مركز المشروعات الدولية الخاصة، بقلم الدكتور «أحمد غنيم»، مدرس الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ذكر أن تحرير التجارة يركز بشكل أساسي على خفض التعريفات الجمركية، وعلى عمليات الإصلاح الجمركي، لتسهيل ولوج السلع من وإلى البلدان.

وكانت التعريفة الجمركية في الماضي سببًا أساسيًا في تقييد حرية التجارة، ومع أنها في الوقت الحالي لم تعد ذات قوة ظاهرة في تحديد مدى حركة تجارة السلع والخدمات، خاصة منذ البدء في تطبيق اتفاقية الجات، التي خفضت كثيرًا من التعريفات الجمركية على السلع، إلا أن هناك من العوائق غير الجمركية ما يقيّد حرية السلع والخدمات، في نظر غنيم، أكثر من التعريفة الجمركية نفسها.

يعلل غنيم حكمه بعدد من الأمثلة، منها العوائق التي يضعها الاتحاد الأوروبي على تصدير مصر للبطاطس، فعلى الرغم من أن العفن البني للبطاطس غير ضار بصحة الإنسان، إلا أن الاتحاد الأوروبي يرفض شحنات البطاطس المصرية المصابة به، بدعوى أنه يضر التربة إذا تمت زراعته.

في المقابل نجد أن الحكومة المصرية لا تسمح باستيراد لحوم بها نسبة دهون أكثر من 7%، في حين إنها تسمح بلحوم محلية تصل نسبة الدهون فيها حتى 10%، معللة قراراها بأن الدهون، في حالة المستورَد، قد تنقل فيروسات وأمراض؛ بسبب العمليات المختلفة التي تتعرض لها من نقل وتبريد.

وبهذا، نجد أن إزالة عائق التعريفات الجمركية، بحسب غنيم، لم يحرر التجارة بشكل حقيقي بين الدول، لكنه غير نوعية القيود التي تفرضها، وفي رأي ينقله غنيم عن خبراء اقتصاد، يوضح أن التعريفة الجمركية ربما كانت أفضل من العوائق غير الجمركية؛ حيث إنها كانت واضحة وشفافة، بعكس العوائق الأخرى.

لذا، فيفرّق الاقتصاديون بين التحرير السطحي للتجارة، والذي يتضمن الأمور الرسمية المتعلقة بالتعريفة الجمركية، والتحرير العميق لها، والشامل لحرية انتقال الأشخاص والشركات وتوحيد أو تقريب القوانين التجارية بين الدول.

وعلى موقع «IIP Digital»، المشرف عليه مكتب برامج الإعلام الخارجي، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، نجد أن«كريستينار سفيللا»، نائبة مساعد الممثلة التجارية الأميركية لشؤون العلاقات العامة وشؤون الاتصالات ما بين الحكومات، تذكر أن تحرير التجارة هو جزء من أساليب مكافحة الفقر، حيث يقضي على التقييد الحارم للفقراء من السلع التي يحتاجونها لحياة أفضل.

تقول سيفللا «تستفيد الدول من التخصص في إنتاج البضائع والخدمات، التي تبرع في إنتاجها بأقصى حد من الكفاءة، ثم مبادلتها أو مقايضتها بالبضائع والخدمات التي تنتجها دول أخرى، بنوعية أفضل وكلفة أقل. وفي مثل هذا الوضع، تستفيد الدول من الإنتاج الأكثر كفاءة، ومن اتساع الخيارات المتاحة أمام المستهلك، ومن الحصول على بضائع وخدمات أعلى جودة وأقل كلفة».

حظوظ الدول النامية من «التحرير»

الواقع في الدول النامية يفرض رأيًا آخر، يتضح هذا من خلال علاقة الصين المنضمة إلى منظمة التجارة العالمية في نهاية عام 2006، وأحد الدول الـ 20 الكبرى، مع الدول الآسيوية الفقيرة، وهو موضوع تقرير أممي نقلته صحيفة الوسط، حيث تسببت حرية المنتجات الصينية، في ولوج أسواق الآسيويين، بمشاكل اقتصادية ضخمة، وانهيار صناعات محلية لعدد من هذه الدول؛ بسبب قدرة الصين الهائلة على الإنتاج، والتي تتآكل أمامها قدرات العديد من الدول على المنافسة والإنتاج، وهو أمر تخشى منه الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم.

يؤكد صندوق النقد العربي، في دراسة تم إعدادها وعرضها في الندوة السنوية المشتركة الـ 17، بين صندوق النقد العربي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت، يؤكد على وجود علاقة نمطية بين التشغيل وتحرير التجارة، بمعنى أن زيادة حركة التجارة تحرك عجلة النمو، لتوفر فرص عمل متجددة لحجم قوى عاملة متزايدة كل يوم.

وتضيف الدراسة أن تحرير التجارة، كما أنه يخلق وظائف وفرص عمل من جهة، فإنه يتسبب في تسريح العديد من العمّال من جهة أخرى، لكنه في النهاية يزيد من قاعدة التشغيل، مستشهدة بتجارب مثل سنغافورة والمكسيك، في أثر تحرير التجارة على تقليل معدلات البطالة لدى البلدين.

يقول الدكتور «أحمد خزيم»، المستشار والخبير الاقتصادي، أن أزمة الاتفاقية الرئيسة هي وجود عجز كبير في الميزان السلعي لدى الدول النامية، مضيفًا «لا تمتلك الدول النامية تكنولوجيا التصنيع التي تجعلها تستفيد من الخامات التي تمتلكها، مما يجعلها سوقًا لتوريد الخامات للدول المتقدمة، التي تعيد تصديرها إلى نفس الدول بأسعار أعلى وبمنتجات أكثر، ينتهي الأمر بأن تلك الدول تستورد أكثر مما تصدّر بفارق كبير».

ويرى خزيم أن المشكلة الرئيسة في معاناة الدول النامية هي «الإدارة السيئة للموارد»، ويعلل حكمه بأسباب أهمها أن وجود كم كبير من الموارد، مع وجود مشاكل كبرى كالبطالة والفساد، يدلان على عدم قدرة هذه البلدان على إدارة مواردها، بشكل يقوي اقتصادها ويحدث تنمية حقيقية في مواردها الاقتصادية: «أغلب الدول النامية تعتمد على اقتصاد «الجباية» الذي يدر أمولاً بلا قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد، وهذه أهم عناصر مشكلتهم».

في رسالة ماجستير أعدتها عن «آثار تحرير التجارة على الأمن الغذائي للدول المغاربية»، تذكر «مريم عربي» أن من آثار تحرير التجارة هو الاهتمام بالتجارة على حساب التنمية الزراعية، وبالتالي فيتم التغاضي عن الإصلاحات والتغير الهيكلي في الاقتصاد، مقابل المصالح التجارية.

تدلل عربي على هذا من خلال الإشارة إلى بنود اتفاقية التجارة العالمية، والتي أشارت إلى إصلاحات محددة، مثل تخفيض الرسوم الجمركية بكل أنواعها، وإزالة التشوهات المتعلقة بتجارة المنتجات الزراعية، بخفض جميع أنواع الدعم المقدّمة للقطاع الزراعي، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى فتح أسواق الدول النامية، على مصراعيها، لمنتجات الدول المتقدمة، والتي تحظى بالدعم لعشرات السنوات، مما يعزز قدرتها التنافسية العالية في مواجهة المنتج المحلي، الأقل منها في الجودة، ما يهدد القطاع الزراعي لهذه الدول النامية.

لكن في نفس الوقت، تشير الدراسة إلى بعض النتائج الإيجابية لتحرير تجارة المنتجات الزراعية، مثل تحسين المنتج الزراعي لتدعيم قدرته التنافسية، وخفض أسعار الأدوات المستخدمة في عملية الزراعة، وتشجيع الاستثمار الزراعي.

هذه المشكلات ربما تظهر بوضوح في الدول النامية، وقدرة منتجاتها التنافسية على مواجهة منتجات الدول المتقدمة، إلا أن الأمر لا يؤثر على الدول النامية وحدها.

بين الولايات المتحدة وروسيا والصين

حصل الدب الروسي على عضويته في نادي التجارة الحرّة في أغسطس (آب) 2012، بحسب BBC، بعد مفاوضات دامت 18 عامًا، كانت فيها عقبات كبيرة أمام روسيا، منها رفض جورجيا انضمامها لاتفاقية منظمة التجارة. ويعترض روسيون ينتمون للفكر الشيوعي على عضوية روسيا؛ لأنها ستتسبب في إغراق السوق الروسية بالبضائع الأجنبية الرخيصة.

في المقابل، ستتعرض العديد من الصناعات الروسية، التي ورثتها البلاد من العهد السوفييتي، للانهيار بعد تعرضها لمنافسة قد لا تستطيع فعل شيء حيالها، لكن المسؤولين الروس سعدوا بهذه الخطوة؛ لأنها ستفتح لروسيا مجالات وأسواق للتجارة والبضائع.

هذا وكانت العمليات العسكرية الروسية، على الأراضي الجورجية، واحدة من العراقيل التي أخرت انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، وهو ما ذكر على لسان مسؤولين أمريكيين مرارًا، مثل «كارلوس جوتيروز»، وزير التجارة الأمريكي في عهد الرئيس الأسبق «جورج بوش»، ذاكرًا ذلك للمجلة الألمانية «دير شبيجل»، ونقلته «رويترز».

وسبق عدم موافقة جورجيا، عدم موافقة الولايات المتحدة نفسها، تحت إدارة بوش الابن، على دخول روسيا المنظمة، وهو ما وصفه الرئيس الروسي بوتين بأنه «عرقلة مقصودة»، من قبل الأمريكيين، للمفاوضات بينهم حول دخول روسيا النادي العالمي للتجارة الحرّة.

هذه العراقيل كانت موجودة حتى وصول الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، لتشهد العلاقات الأمريكية الروسية نهجًا مختلفًا، يتضح في اعتبار أوباما وجود روسيا، في اتفاقية التجارة العالمية، أمرًا مهمًا، ليتم ذلك بالفعل في 2012.

أما عن الصين، فقد حصلت على عضويتها في العام 2006 كما ذكرنا، ومنذ هذا الوقت تمثل تهديدًا لسوق الولايات المتحدة، وذلك بسبب ارتفاع قيمة الدولار أمام الإيوان الصيني، وقدرة الصين على إنتاج سلع تنافس جودة المنتج الأمريكي، مما يعني أن الصين تدخل إلى سوق أكبر اقتصاد في العالم منتجات عديدة، تنافس جودة منتجاته،وبسعر أقل.

يقول الدكتور «صلاح الدين فهمي»، أستاذ الاقتصاد ورئيس قسم الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن الصين هي المستفيد الأكبر من مزيد من إجراءات تحرير التجارة «هناك قيود عديدة تفرضها دول، مثل الولايات المتحدة، تقلل فرص السلع الصينية من التواجد في السوق المحلي لها، وتسعى الصين لمزيد من الرقابة والإجراءات التي تمنع ذلك».

ويضيف فهمي أن الصين حاليًا هي قوة اقتصادية لا يستهان بها، وبالتالي، يمكنها فرض قواعدها على الاقتصاد العالمي، بما يسمح بمزيد من الاستثمارات، ويقول فهمي «الأمر لا يقتصر على تجارة السلع، اتفاقية التجارة العالمية تهتم بمنح الحرية لتنقل السلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمالة، لكن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة صارمون فيما يتعلق بحرية تنقل السلع والعمالة، هذا أمر تريد الصين تغييره».

أما الدكتور «أحمد خزيم»، الخبير والمستشار الاقتصادي، فيرى أن خطر الصين ليس داهمًا على روسيا، التي دخلت المنظمة وهي تخشى الآثار السلبية لدخولها، فكون روسيا عضوًا في اتحاد دول البريكس، والتي تضم البرازيل وجنوب إفريقيا والهند بالإضافة إلى الصين وروسيا، يمثل ذلك حماية لها من خطر توغل المنتجات الصينية في أسواقها، كون توحيد العملة بين دول الاتحاد قريب جدًا، بالإضافة إلى عدة إجراءات ستضمن توحدًا اقتصاديًا أكبر بين هذه الدول.

أمرٌ يبقي التساؤلات حول القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، واستراتيجيتهم في التعامل مع منافسة المنتجات الصينية لمنتجاتهم، في ظل اقتصادات لم تسترد عافيتها بشكل كامل، بعد كارثة الأزمة المالية العالمية في2008.

عرض التعليقات
تحميل المزيد