لماذا لا تملك الولايات المتحدة إلا القليل جدًا لتغيير الأوضاع في الشرق الأوسط؟

عقب غزو أمريكا للعراق، كتب نورمان بودهورتز، أحد المحافظين الجدد، والمحرر بمجلة Commentary مقالًا طويلًا يدَّعي فيه أن المعركة ضد التطرف الإسلامي ستقود إلى حرب عالمية جديدة.

كان لبودهورتز أسبابه لتوقع الكارثة، لكن الكثير من المحللين على الجانبين، اليمين واليسار، فضَّلوا رؤية الهجمات الصادمة للقاعدة داخل الأراضي الأمريكية كبداية حرب بين الغرب و«الفاشية الإسلامية»، كما وصفها كريستوفر هيتشنز. هدأت تلك الرؤية بعد فشل الإرهابيين في تنفيذ هجمات أخرى بنفس المستوى – على الأقل داخل أمريكا- كما أن الفشل غير المتوقع للحرب في العراق هدَّأ حماس مقاتلي المقاعد الوثيرة لخوض معركة حتى الموت بين التطرف الإسلامي والغرب.

مع هذا، يبدو فجأة تعبير «حرب عالمية» وكأنه ليس مغرقًا في الخيال كما في السابق. تأسيس خلافة إسلامية في قلب العالم العربي، وذبح مجموعة رسامين في قلب أوروبا جعلت الإسلام المتطرف يبدو أكثر تأثيرًا، أكثر قوة وأكثر تهديدًا عنه حين كان يمثله حفنة من قاطني الكهوف. حتى أولئك الذين سخروا من فرضية بودهورتز يرون العالم الغربي الآن في خطر. جورج فريدمان المحلل الذي يدير شركة الاستخبارات العالمية «ستراتفور»، كتب مؤخرًا أن «حربًا بين عالمين» – المسيحي والإسلامي- قد ظهرت للنور. بينما وصف المحلل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط آرون ديفيد ميلير – وهو دائم الشك في جدوى المغامرات المسلحة عالية التكلفة في الخارج- في مقال لفورين بوليسي، وصف الصراع مع التطرف الإسلامي بأنه «صراع أجيال» و«حرب طويلة الأمد».

إنني لا أجد هذه التوقعات مبالغًا فيها. إن إنكار التطرف الإسلامي لأولوية الاختيارات الفردية في مساحة علمانية، وعدم ممانعة أعداد كبيرة من الناس قتل الآخرين أو قتل أنفسهم في سبيل تدمير تلك المساحة، لهو تحدٍ أساسي أمام الغرب.

ما هو تحديدًا نوع «الحرب العالمية» التي نجد أنفسنا طرفًا فيها الآن؟ الحرب العالمية الوحيدة التي حدثت في القرن التاسع عشر، تلك التي كان طرفاها بريطانيا وفرنسا في العقود التي تلت الثورة الفرنسية، كانت -وعلى الرغم من ادعاءات الجمهورية الفرنسية- صراعًا كلاسيكيًّا على السيادة بين قوى عظمى. أما الحرب العالمية الأولى فكانت آخر تلك الصراعات الجغرافية – وليس الأيديولوجية-. الصراع العالمي منذ ذلك الوقت تدفعه أيديولوجيات شاملة تسعى لبسط نفوذها على العالم. كلا الصراعين ضد الفاشية والشيوعية – على الرغم من رقعتهما الجغرافية العالمية- كانا نموذجًا للصراع الأيديولوجي، هذه المرة بين رؤية ليبرالية للمجتمع الغربي وأخرى مناهضة بشدة لها.

يمثل التطرف الإسلامي جغرافيًا طرف النقيض لذاك الشكل من الصراع. إنها حرب داخل حضارة غير غربية تضرب وتستهلك النظام الغربي. قبل وقت طويل من ظهور القاعدة كان الإرهابيون الإسلاميون يستهدفون القوات البحرية الأمريكية في لبنان، الخطوط الجوية الأمريكية والبريطانية والكنائس والمعاهد اليهودية. لكن هجمات 11 سبتمبر وخطابات أسامة بن لادن أعطت بودهورتز دليلًا قويًّا بأن التطرف الإسلامي أعلن حربه على الغرب. تلك الخطابات والخطط تتابعت حتى اليوم، لنرى الهجمات على مجلة شارلي إيبدو، المؤامرات التي كانت تُحاك ضد أمريكا في اليمن أو الأضرار التي لحقت بمدن مثل لندن، مدريد وغيرها. العواصم الغربية تمثل للجهاديين قلاع العلمانية التي نذروا أنفسهم لتدميرها، كما تمثل بالنسبة للإرهابيين المقيمين في الغرب، أهدافًا جاهزة لاقتناصها.

لكن حتى لو افترضنا أننا في حرب بين التطرف الإسلامي والحداثة – وليس الغرب-، فإن مركز الصراع يتحول تدريجيًّا من الغرب إلى داخل العالم الإسلامي نفسه. تظهر إذًا أهمية ظهور وتمدد «داعش»، الخلافة في العراق وسوريا تمثل تهديدًا جادًا جدًا للغرب. لكنها تمثل تحدّيًا وجوديًا للأنظمة الإسلامية في المنطقة. كما القاعدة، فإن «داعش» ترى الدول القومية بدعة غربية دخيلة على الإسلام. لكن بخلاف القاعدة، فإن «داعش» قد أقامت بالفعل نموذجها البديل للدولة، والذي يعكس التراث الإسلامي ما قبل العصر الحديث.

انتشرت بسرعة مذهلة عدوى الدولة الإسلامية لنراها وصلت إلى ليبيا، ونيجيريا وأفغانستان. حتى إذا كانت هذه المجموعات الحديثة ليست إلا حفنة إرهابيين بأعلام سوداء، فإن الرغبة في الاكتساء بتلك الإعلام تظهر القوة الهائلة لفكرة إقامة دولة إسلامية «نقية» داخل الدول الإسلامية «الفاسدة»، وفقًا لتصورهم.

كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد أعطت انطباعًا خاطئًا بأن صعود التطرف الإسلامي هو مدعاة القلق الغربي أولًا، وأن الغرب مطالب بحرب على الإرهاب لهزيمته. لكن التطرف الإسلامي يمثل تهديدًا للإسلام والأنظمة التي تحكم باسمه بالدرجة الأولى. من الصعب تصور أن تفقد السرديات المتطرفة رونقها وجاذبيتها حتى تكتسب الأنظمة العربية مشروعية حقيقية في عيون مواطنيها. على الطرف الآخر فإن خطوة تأسيس دولة كما فعلت «داعش»، قد تعرض الأيديولوجية الجهادية لخطر آخر، لأن هكذا خطوة تجعل المتطرفين مطالبين بتلبية توقعات قد لا يكون باستطاعتهم تلبيتها، لتنهار الرؤية المتطرفة من تلقاء تناقضاتها الداخلية، كما حدث للشيوعية في النهاية.

ثمة أشياء كثيرة يستطيع الغرب أن يفعلها، بل يجب أن يفعلها، وسيفعلها ليدافع عن نفسه من العواقب الوخيمة لهذا الصراع. معظم هذه الأفعال يمكن وضعها تحت بند «الدفاع عن الوطن»، كالأعمال الشرطية، والاستخبارات، وحرس الحدود، أو ما شابها. جزءٌ منها سيتطلب إعادة التفكير في السياسات القومية نحو معاملة المسلمين المهاجرين، والقليل سيتطلب استخدام القوة في الخارج. الولايات المتحدة وأوروبا لا يملكان رفاهية السماح للدولة الإسلامية ببسط سيطرتها على مناطق أكثر. كما أن من السخيف الرهان على أن المتطرفين لن يسعوا لتدمير الأنظمة الإسلامية الأخرى وقتل كل أولئك الذين يرونهم مرتدين. لكن الحرب الحقيقية على أي حال يجب أن يخوضها العراقيون، والسوريون، وباقي القوى المحلية.

يستطيع الغرب أن يدافع عن نفسه، لكنه يستطيع فعل القليل لتغيير معطيات الصراع. إذا كنا نواجه صراعًا حضاريًا يتعلق بحضارة أخرى، فإن معظم الأدوات التي استخدمناها إبَّان الحرب الباردة ستصبح بلا جدوى.

منذ السنوات الأولى للحرب الباردة ضد السوفييت، انخرطت الولايات المتحدة في حملة دبلوماسية واسعة، سرية وعلنية، تهدف إلى إظهار تفوق الديمقراطية الرأسمالية على الشيوعية. الرئيس جورج دبليو بوش سعى لإحياء هذه الجهود فورًا بعد الـ11 من سبتمبر، إذ عيَّن شارلوت بيرز للعمل على خطاب دبلوماسي جديد موجه للعالم الإسلامي. تركيز خطاب بيرز على احترام أمريكا للمسلمين حظي بسخرية كبيرة في العالم العربي وتم نبذه سريعًا. اعترفت بيرز لاحقًا أن أمريكا لا يجب أن تتوقع الفوز بالقلوب والعقول. خلفاء بيرز لم يستطيعوا تقديم حلول أفضل. مكتب دبلوماسية الرئيس باراك أوباما يواجه الآن صعوبات كبيرة في محاولة معاكسة زخم حسابات تويتر الكثيرة وغير المنسقة للدولة الإسلامية بحساب مضاد، لكنها بالطبع مساعٍ عقيمة، ليس لأن الدبلوماسية الأمريكية فاشلة، ولكن لأن عددًا قليلًا جدًا من جمهورهم المستهدف سيستمع لما يقولون.

«ما يهم هو الأفعال لا الأقوال»، نقدُ شائعُ موجه للدبلوماسية الأمريكية، إذ لا معنى تمامًا للخطابات السعيدة عن التسامح الأمريكي بينما الولايات المتحدة تعذب المحتجزين المسلمين في جوانتانامو. أعلن أوباما في يومه الأول في البيت الأبيض أن الولايات المتحدة تدين التعذيب، ألقى خطابًا كبيرًا في القاهرة يعد بـ «بداية جديدة» للعلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي مبنية على «المصالح  المشتركة والاحترام المتبادل».

كانت قدرة هذا الخطاب على التأثير في العالم العربي أقل من تلك الخطابات السعيدة عن التسامح. من الجيد أن تجرب الولايات المتحدة أشياءً مثل إغلاق جوانتانامو للتأثير في الرأي العام العربي بدلًا عن الخطابات، لكنني لا أظن أيضًا أنه سيكون أمرًا ذا أهمية كبيرة. ربما دعم حل الدولتين بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو الاختبار الأكبر. أحد خلفاء بيرز، كارين هيز، اعترفت لي أنها أخبرت بوش بضعف احتمالية تأثيرها على الرأي العام العربي طالما أن الولايات المتحدة لا تجبر إسرائيل على تبني سلام حقيقي. لكن حتى هذا السلام لن يكون ذا قدرة كبيرة على تجفيف مستنقعات الجهاديين.

ثمة استراتيجية أساسية أمريكية أخرى كانت متبعة إبان الحرب الباردة. كانت الولايات المتحدة تقدم دعمًا عسكريًا، واقتصاديًا، ودبلوماسيًا لحلفائها المهددين بواسطة الشيوعية. على الرغم من تكرار تأكيد الدبلوماسية الأمريكية من عهد الرئيس ترومان فصاعدًا على دعمها للديمقراطيات التي تواجه أخطارًا، فالواقع يقول إن كل المستفيدين من دعم أمريكي كانت دولًا ديكتاتورية. إيران، وباكستان، ومصر، وتشيلي، والمغرب… إلخ. فقط مع انحسار الحرب الباردة إبان حكم جيمي كارتر ورونالد ريجن، كانت الولايات المتحدة مستعدة للمخاطرة بانتقاد حلفاء مستبدين مثل شيلي والفيليبين. عقب أحداث 11 سبتمبر، قرر بوش أن دعم الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط أصبح استراتيجية تهدم أكثر مما تبني. تعلمت الولايات المتحدة كما قال في خطاب تنصيبه عام 2005 أن العالم يبقى معرضًا للإرهاب «طالما ظلت مناطق كاملة من العالم ترزح تحت نير الظلم والطغيان». كان هذا بداية سياسة بوش الهادفة لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط.

لم تحقق مساعي دعم الحرية كما السياسات الخارجية الهادفة لتحسين صورة الولايات المتحدة، إلا جزءًا متواضعًا من أهدافها. العراق التي رآها بوش كفرصة لإثبات أن الديمقراطية قد تطبق في العالم العربي، أثبتت أنها مقاومة بشدة للجهود الأمريكية لتحسين نظام الحكم فيها، مع ضعف احتمالية إرساء دعائم الديمقراطية فوق أراضيها. الأسوأ من ذلك، أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها مضطرة للاستعانة بحلفاء استبداديين مثل مصر والسعودية لتحقيق أهدافها في العراق.

تعلم أوباما الدرس من التجارب الفاشلة السابقة، استخدم لغة أكثر لينًا وهدوءًا فيما يتعلق بالديمقراطية، آملًا في أن تشاركه الأنظمة المستبدة تحقيق أهداف عالمية مثل منع الانتشار النووي، بعبارة أخرى، حاول أوباما استعادة الوضع السابق.

الربيع العربي جاء ليشعل أملًا قصيرًا في أن الجمهوريات العربية ستطالب بنفسها بالحصول على حرياتها، ليعيد أوباما خطاب بوش بأن مصالح أمريكا تتطلب التزامًا أمريكيًا بتبني الإصلاحات الديمقراطية في الشرق الأوسط. لكن انهيار الحركات الشعبية في كل مكان وضع حدًّا لهذا الخطاب. قرار أوباما مؤخرًا بتأجيل جدول أعماله لتدبير زيارة سريعة إلى السعودية بعد وفاة الملك عبد الله، يظهر كم تستمر واشنطن بشدة في الاعتماد على المصادر التقليدية للاستقرار في العالم العربي. السعوديون مستعدون لمشاركة الغرب في حملته على «داعش»، تمامًا كما كانت إيران تحت حكم الشاه على استعداد لمواجهة الشيوعية.

من الواضح أن هذه المقارنة تظهر هشاشة الاستقرار تحت حكم أنظمة مستبدة، وأظن أنه سيأتي على الولايات المتحدة زمن تندم فيه على دعم العائلة الملكية السعودية، تمامًا كما فعلت مع الشاه.

ربما في هذه الحرب، تمثل شرعية الدول الإسلامية مسألة أكثر أهمية مما كانت تمثله شرعية الرأسمالية منذ نصف قرن. المتطرفون الإسلاميون تُحركهم الكثير من المظالم نفسها التي دفعت غير المتطرفين للتظاهر ضد الأنظمة الوحشية الفاسدة. الخيالات الرجعية للخلافة، بل والحكم الطائفي الذي يتقبله الملايين من السنة والشيعة لا يمكن أن ينقلبا إلا بواسطة دولة تحكم باسم مبادئ أكثر شمولًا. بخصوص هذا الأمر تحديدًا، كان بوش محقًا. حتى إذا كان مخطئًا في تصوره لقدرة الولايات المتحدة على معالجة المسألة.

من المفهوم أن إدارة أوباما تفعل ما بوسعها لإرضاء المزاج السعودي المتكدر، كل الإدارات السابقة فعلت نفس الشيء. لكن الفوائد الفورية التي تقدمها السعودية، في شكل نفط أو تأمين أو خطاب ديني ناعم، يقابلها الضرر الهائل نتيجة التأثير الكبير للإيمان الوهابي الفظ وغير المتسامح، ذلك الذي يحكم باسمه آل سعود، ونتيجة القمع الوحشي الذي تكون رسالته الضمنية أن الإسلام معاد للديمقراطية، حقوق الإنسان وحرية التعبير. لنكن واضحين: السعودية هي منبع أساسي للتطرف أكثر من كونها حصنًا ضده.

ثمة شكل آخر للحكم الإسلامي يبدو أكثر جاذبية وربما شرعية. ذاك الذي يظهر في جزر الاستقرار الإماراتية. هناك أصبحت ممارسة الدين أمرًا شخصيًا كما في الغرب، لكن الآداب العامة ما زالت فيما يخص الملبس أو تعاطي الكحوليات وما شابههما، تتوافق مع التعليمات الإسلامية. كشخص يسافر بانتظام لـ”أبو ظبي” أستطيع أن أشهد أن هذا النظام – على الأقل حين يكون مدعومًا بمليارات الدولارات من عائدات النفط- مناسب تمامًا لمواطنيه، حتى لو لم يكن ممكنًا أن نسميه نظامًا ديمقراطيًا.

ربما هذا الشكل من الحكم كان من الممكن أن ينجح نسبيًا أيضًا في دولة ذات ازدهار واعتدال نسبيين مثل سوريا، إذا كانت حكمت بقمعٍ أقل. لكن هذا النظام لا يصلح لدول أكبر وأكثر فقرًا وتدينًا مثل مصر. كما يشير شادي حامد في كتابه عن الإسلام السياسي «إغواء السلطة»، فإن المصريين شديدو الارتباط بالعواطف الدينية ولا يقبلون فكرة جعل الدين مسألة شخصية. إنهم يريدون أن تحكمهم الشريعة، على الرغم من أنهم داخليًّا قد لا يتقبلون تمامًا كل أحكامها. هكذا تمامًا يفكر مئات الملايين من الناس في العالم العربي والإسلامي.

في مقابلة حديثة، يقول حامد إن الحركة الإسلامية الوحيدة التي حاولت بجدية التكيف مع الدولة القومية هي حركة الإخوان المسلمين التي تشكلت في بداية عشرينات القرن الماضي إثر انهيار الخلافة العثمانية. يوضح حميد في كتابه أن الإخوان المسلمين ليست مؤسسة ليبرالية بأي شكل. لكنها تبدي تفاهمًا كبيرًا بخصوص الديمقراطية كما أنها تقبلت نتائج ديمقراطية غير إسلامية كما حدث في المغرب وتونس. انتخاب الإخوان المسلمين للحكم في مصر عام 2012 أعطى العالم العربي فرصته الأعظم لإثبات أن الإسلام والديمقراطية قابلان للتحقق معًا. لكن بسبب عدم الكفاءة وضيق الأفق لدى دولة الرئيس محمد مرسي، إضافة إلى تواطؤ العسكر والقضاء، تم الإطاحة بهم بعد عام واحد فقط من الحكم، ليشكل الأمر أحد أكبر جراح الربيع العربي.

مرة أخرى تصبح مصر – كما كانت لفترات طويلة- علمانية استبدادية يحكمها الجيش. أتساءل كم سيحتمل المصريون القمع الوحشي والركود الاقتصادي؟ سواء استمر نظام السيسي أو لم يستمر، فإن أحداث الأعوام الأخيرة أثبتت للإسلاميين أن لا مكان لهم في النظام السياسي العربي.

تتعامل مصر وحلفاؤها في الخليج العربي – ما عدا قطر- مع مسألة إسقاط الإخوان المسلمين باعتبارها نجاحًا عظيمًا. مع هذا من الصعب تصور أن ثمة سبيل لتعزيز شرعية طويلة المدى لنظام عربي دون احتواء ديمقراطي للإسلاميين المعتدلين. إن من مصلحة الولايات المتحدة بقوة أن تشجع حلفاءها العرب على إيجاد مكان لمثل هذه المجموعات مما يعزز العملية الديمقراطية نفسها. لكن هذا لن يحدث. سألت مؤخرًا إحدى المسئولات في إدارة أوباما عما إذا كانت تعتقد أن واشنطن تستطيع تحفيز الأنظمة على إلغاء حظر جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها جماعة إرهابية في معظم دول الشرق الأوسط، «لا”، هكذا أجابتني بشكل قاطع».

إذًا فالشكل الوحيد المقبول من الإسلام السياسي سيكون ذاك الذي تمارسه الأنظمة نفسها. ستستمر الحرب، ولن يملك الغرب إلا القليل جدًا ليفعله دعمًا لشرعية الأنظمة العربية.

لكن فعل القليل ليس كفعل لا شيء على الإطلاق. أي شيء يستطيع اللاعبون الأجانب فعله لتحصين شرعية الدول العربية في أعين مواطنيها، سيساعد على قلب موازين الحرب الإسلامية الداخلية. يشمل هذا الدعم الاقتصادي الهادف لتحسين التعليم أو الصحة، أو دعم ريادة الأعمال وتوفير فرص عمل للشباب. إنها حقيقة بسيطة وواضحة أن الرجال والنساء الذين لديهم عمل سيكونون أقل غضبًا من أولئك الذين يعانون من البطالة. كما يشمل التدريب والدعم المقدم من مراكز مثل المعهد القومي للديمقراطية. وفوق كل هذا يشمل المساعي الدبلوماسية التي جعلت العراقيين يتخلصون من رئيس الوزراء الطائفي نوري المالكي لصالح آخر أكثر جمعًا للأطياف المختلفة مثل حيدر العبادي.

الولايات المتحدة لا تبدو على استعداد لفصل نفسها عن السعودية. بل إن إدارة أوباما لم تفكر حتى في معاقبة البحرين، حليفها الصغير، والذي قمع مرارًا كل أشكال المعارضة السياسية. لن يرضي هذا السعودية التي أرسلت قواتها للمساعدة في قمع المتظاهرين. مع هذا بدأت إدارة أوباما مؤخرًا في انتقاد المحاكمات الجماعية التي يحصل من خلالها متظاهرون سلميون على أحكام لا نهائية بالسجن، لكن القاهرة في النهاية تبقى حليفًا أساسيًا للولايات المتحدة للسيطرة على انتشار الفوضى في المنطقة.

إذا كانت الولايات المتحدة واللاعبون الأجانب لا يملكون إلا القليل ليفعلوه لتغيير السردية المتطرفة أو زيادة شرعية الدول العربية، فما يتبقى هو استعمال القوة. هذا أيضًا سيطرح العديد من الأسئلة الأساسية. في بداية الحرب الباردة العديد من مستشاري ترومان السياسيين والعسكريين نصحوا بتعبئة عامة لدحر المكاسب السوفيتية في أوروبا الشرقية. على الرغم من هذا فإن الرئيس ترومان والرئيس أيزنهاور تبنيا سياسات أكثر قابلية لقياس نتائجها، أسموها محاولات الاحتواء. الإعدام العلني للرهائن الأمريكيين من قبل «داعش» جعل الأمريكيين أكثر حماسًا للحروب الجوية التي يخوضها أوباما في العراق وسوريا.

حاول أوباما التواصل مع الخاطفين باهتمام بالغ. كما لم يوافق على قصف الدولة الإسلامية جويًا إلا بعد أن استبدل العراقيون المالكي بعبادي، أي بعد أن قامت العراق بمحاولة جادة لتأسيس سلطة سياسية شرعية. أعتقد أنه قد فعل الصواب هنا، إنني لا أستطيع أن أسبر تمامًا أغوار سياساته في سوريا، حيث ضيع منذ عامين أو ثلاثة فرصة دعم المتمردين القوميين هناك – ولو كانوا بنكهة إسلامية- في وجه النظام القاتل لبشار الأسد. هو يأمل الآن أن يُدرب أولئك المتمردين المنهكين لمحاربة «داعش» عوضًا عن محاربة الأسد. كما يتمنى أن يحتوي ويهزم الدولة الإسلامية في سوريا من خلال حملات القصف حتى يتجهز المتمردون لمحاربتهم. أو هكذا يخبرنا. ربما، هو يتوقع القليل من برنامجه التدريبي، وربما تكون سياسته الحقيقية أن يعقد سلامًا مع الأسد لتجنيده في الحرب ضد التطرف. الأسد في النهاية هو داهية ماكر، وقد يكون مستعدًا للعيش مع الدولة الإسلامية إذا كانت ستبقى في حدودها الحالية شمال شرقي سوريا. ربما يؤمن أن هذا هو الخيار الأفضل ضمن سلسلة من الخيارات السيئة.

إذًا ستكون حربًا طويلة، ليس بين «الغرب» و«الإسلاميين»، ولكن داخل العالم الإسلامي نفسه. رئيس الجمهورية الأمريكي القادم ربما يكون أكثر ميلًا للقتال من باراك أوباما، والأمة الأمريكية قد تتعب من الصبر أمام المزيد من الهجمات الإرهابية، أو توسع الدولة الإسلامية. لكن في هذه الحالة تحديدًا، فإن مفهوم الحرب الباردة صحيح. الأمريكيون عليهم أن يتعلموا احتواء العدو الذي لا يستطيعون تدميره أو تغييره. وهذا سيكون اختبارًا قوميًا عظيمًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد