«لايوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولايوجد ماهو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. قراءة الأدب الجيد هو مصدر للمتعة بطبيعة الحال، ولكنه أيضًا تجربة لنعرف من نحن وكيف نكون، بعيوبنا وبنقصنا، من أفعالنا وأحلامنا وأشباحنا، وحيدين وفي العلاقات التي تربطنا مع الآخرين، في صورتنا العامة الظاهرة لدى الآخرين أو في تجاويف وعينا السرية» هكذا حكى ماريو بارغاس يوسا في مقاله: لماذا نقرأ الأدب؟

في قراءة الأدب عند البعض يتولد مسعى البحث بين الروايات عن الفوارق الجغرافية بين الصفحات إذا ما وحدت لغة القراءة بالعربية المترجمة عن عشرات اللغات، فبجانب الفارق الكبير بين نطق اللغتين الفرنسية والروسية فإن فوارق في المناخ والطبيعة مع اختلاف العصور السياسية جعلت منهما نوعين أدبيين فريدين يشذان عن بعضهما البعض، وربما معظمنا درس كلاسيكيات الأدب العالمي في المراحل التعليمية الأولى ما نمى لديه حس المعرفة لأدب أية دوله سيتجه إذا أراد ترقيق قلبه ببعض الرومانسية والمشاعر العذبة وإلى أين يتجه إذا أراد قراءة رواية سياسية ملحمية تدعمها مشاعر الخيانة والتكبر.

على موقع reddit لمشاركة ومناقشة الروابط على الإنترنت صمم مستخدم مميز يدعى Backforward24 خريطة لتصنيف الأدب العالمي بتسمية الرواية الأشهر أو الأقيم لكل دولة على مستوى العالم مستخدمًا أغلفة الروايات الأصلية في تصميمه، وبالطبع هناك بعض النقاش سنثيره حول ما اختاره من روايات بدلًا من أخرى ولكن لجمال ما فعله أن يجعل كلٌ فينا يفكر من منظوره الشخصي في أي الروايات يفضل وأيهم يستحق الانضمام للخريطة.

لعل أهم ما جاء في الخريطة هو اختيار رواية الحرب والسلام لليوتولستوي كرمز الأدب الروسي وتفضيلها على أعمال فيودور دستوفيسكي؛ ربما لأن قراءة أعمال دستوفيسكي مهمة صعبة ومرهقة ما جعل أدب تولستوي يتغلب عليه وإن لم يكن الأخير هو الأسهل على الإطلاق. رواية الحرب والسلام لتولستوي جاءت في ألف صفحة وضمت شخصيات واقعية فتحكي عن سلسلة من الأسر الأرستقراطية الروسية بداية القرن التاسع عشر وغزو نابليون روسيا، وحياة تلك الأسر المترفة قبل الغزو في ظل الحكم القيصري.

عن فرنسا جاءت أفضل رواياتها في الخريطة هي البؤساء من تأليف الكاتب الكبير فيكتور هوجو والذي بالتأكيد قبل اختيارها تنافست على الأقل مع روايات الكاتب نفسه. البؤساء تعد من أفضل وأشهر الروايات العالمية في القرن التاسع عشر ومازلت حتى اليوم تُقدم على شاشة السينما والمسرح وأفلام الأطفال بالتأكيد لأهميتها فقد جسدت فترة الظلم المجتمعي الذي حطم فرنسا بعد سقوط نابليون بونابارت والثورة ضد لويس فيليب ويتجسد الظلم في أزمات الأبطال الشخصية.

سيطر الأدب الفرنسي على الخريطة إذ جاءت ثان أفضل رواية فرنسية «الغريب» غلافًا لدولة الجزائر بفضل ألبير كامو الفرنسي والجزائري الأصل. حصلت رواية الغريب على المرتبة الأولى لتصنيف صحيفة اللوموند الفرنسية لأفضل 100 كتاب في القرن العشرين؛ ولمن قرأ الرواية سيقيمها بحقها. تأتي الرواية بطابع من الأدب الفلسفي العبثي في دورة كاملة كتبها كامو؛ وفي هذه الرواية يحكي عن رجل غريب عن وطنه محكوم عليه بالإعدام لارتكابه جريمة قتل.

«الحياة الواقعية، هي آخر مايكتشف وينوَّر. وأن الحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها، هي الأدب» مارسيل بروست

نحن الآن واقفين على الخريطة عند انجلترا. في القرن التاسع عشر عند كتابة أولى الروايات الرومانسية حين كانت دولة طبقية بشكل لا يصدق وهو ما ظهر في رواية «كبرياء وتحامل» لجين أوستن. تناولت الرواية قضايا الأخلاق والتعليم والفضيلة في مجتمع ملاك الأراضي وجسدت شخصيتا فيتزويليام دارسي وأليزي بينيت أكثر الأزواج شهرة في الأدب الإنجليزي، وتحكي الرواية عن محاولات البحث عن عريس يتزوج واحدة من بنات أسرة بينيت الخمس قبل وفاة والدهن ليذهب له الإرث كله كأقرب ذكر.

كان الأغرب هو الاختيار للرواية الأسبانية؛ فقد جاءت رواية «في ظل الريح» للكاتب كارلوس ثافون والتي صدرت عام 2001. تدور القصة في مدينة برشلونة وسط القرن العشرين حين كان يعيش رجل مسن وولده ذهبا إلى مقبرة الكتب أسفل المدينة حيث اجتمعت الكتب التي لم ترى النجاح. بدأ الطفل يبحث عن كتاب يحفظه ويأتمنه على حياته ودفعته الأقدار نحو رواية «ظل الريح» لكاتب منسي اسمه خوليان كراكاس يسحب جميع أبطاله إلى عوالم غامضة. الجمع بين رواية داخل رواية جعل القارئ يطوف بين جغرافيات متعددة بين باريس وبرشلونة فتختلط شخصيات الروايتان وتنحل العقد بينهما واحدة واحدة.

ترجمت رواية كارلوس ثافون إلى أكثر من 20 لغة وبيعت منها ملايين النسخ؛ ولكن الحديث عن أحقيتها في الوجود على خريطة أهم الروايات العالمية قد يدفعنا بقوة لنقدها، فربما قد نسى مصمم الخريطة «دون كيخوتي دي لا مانتشا» رواية للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا وأول رواية حديثة في العالم أجمع، ونسي معه فضل الأديب لويس خوسيه بورخيس وعوالمه المذهلة المفصولة عن منطق الواقع الأشبه بالمتاهات التي تعرفنا على رغباتنا الخفية وحقائقنا شديدة الخصوصية.

أنصفت دولة جواتيمالا رواية مرعبة لكل من قرأها وهي الأعجوبة «بيدرو بارامو» للأديب خوان رولفو الأب الشرعي للواقعية السحرية، وخوان رولفو كاتب مقل في كتاباته فلم ينشر إلا مجموعة قصصية بعنوان «السهل المحترق» وروايته التي نتحدث عنها «بيدرو بارامو» والتي تعتبر مدخل الأدب اللاتيني. تقدم الرواية نفسها على هيئة حكاية واقعية عن شيخ قرية، وهي في الحقيقة تحكي عن هسيس الموتى من أسرة خوان رولفو وأهل قريته وإن جاءت الرواية بعيدة تمامًا عن أدب السير الذاتية؛ قرية ميتة كل الناس فيها موتى بمن فيهم الراوي، يتحدثون أحاديث جانبية في شوارع وحدائق تهيم فيها الأرواح وتنساب الأسرار عبر المكان والزمان.

نعلو ونهبط على الخريطة حتى نصل لأوكرانيا وصوتها الذي خرج من تحت أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق «أندريه كوركوف» وروايته «الموت والبطريق». كان من الطبيعي أن يعكس الروائي الانتقال من قبضة ستالين الأكبر في الماضي لحاضر انفتح لتوه على الحرية فاضطرب ووُلد في مكان الحرية فوضى وانفلات غريزي وتفسخت القيم حتى سادت الجريمة وانتشرت المافيات وأصبح القتل المجاني ممارسة عادية. في رواية الموت والبطريق يصبح بطل الرواية فريسة لمطاردة عصابات القتل التي تسعى للقضاء عليه لأنه تعرف على أسرارهم.

«لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة – إلى حدود الحياة الشخصية والإجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته» ماريو بارغاس يوسا

«أن تقتل طائرًا بريئًا» لهاربر لي الروائية الأمريكية. الرواية التي غطى غلافها ولايات أمريكا المتحدة. تتناول الرواية قضية السود في أمريكا فترة الستينات وكانت صاحبة تأثير مدو في المشهد السياسي استفادت منه حركة الحقوق المدنية في محاربتها عن العدالة وحق الإنسان في الحياة بكرامة. في عمل واقعي بكل ما للواقع من إيجابيات وسلبيات وخاصة من واقع الحياة الاجتماعية للأطفال السود.

كان للنرويج نصيبها مع «الجوع» الرواية الأولى للنرويجي كنوت هامسون الفائز بجائزة نوبل في الأدب ورائد تيار الوعي والمونولوج الداخلي في البلاد الاسكندنافية ليناطح أسماء أوروبية وروسية عظيمة. أكد هامسون في روايته على عبثية الحياة ومأساة الإنسان المتواصلة؛ فالبطل يواجه مصيره العدمي بعدما أُغلقت في وجهه كافة الأبواب وأصبح يدافع عن بقائه البيولوجي دون هدف أبعد يسعى لتحقيقه.

«أصوات من تشرنوبيل» رواية حديثة جدًا جاءت على الخريطة للبيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 2015 والمعروفة بكتابتها المميزة حيث تجمع بين مهنتها كصحافية وتخلط حسها بالرواية فتخرج أعمالها ككولاج نثري. وجاء لأيرندا رائعتها «عوليس» لجيمس جويس، ولمصر رائعة الروائي العالمي نجيب محفوظ «بين القصرين»، و«عداء الطائرة الورقية» من دولة أفغانسان أول رواية للروائي الأمريكي من أصل أفغاني خالد حسيني، ومع التدقيق في الخريطة ومفاجآتها ربما تتفاجأ بكتاب «أنا مالالا» لمالالا يوسفزاي الناشطة الباكستانية.

تطول الخريطة ويمكنك تحميلها على حسابك الشخصي وتكبيرها وتلعب لعبة حل الألغاز معتمدًا على معرفتك الأدبية؛ ولكن إذا فكرنا فيمن غفلتهم الخريطة هل يمكنك التحدي؟ سنذكر لك هنا بعض الأسماء التي ربما ظلمتها الخريطة، ونترك لك المساحة للإضافة:

  • فرانز كافكا الألماني وروايته «المسخ» أو «التحول».
  • البريطاني جورج أورويل وروايته «1948».
  • الأمريكية هيريت ستو ورائعتها «كوخ العم توم» حجر الأساس للحرب الأهلية الأمريكية.
  • رواية «اسم الوردة».
  • دون كيخوته للروائي الأسباني ثربانتس.
  • ويكون السؤال ربما الأهم، ماذا عن تشارلز ديكينز وشكسبير وتشيخوف؟


عرض التعليقات
تحميل المزيد