رجال الدين، مصطلح يتردد كثيرًا على مسامعنا حتى بدا أن الرجال هم المسيطرون في عالم الدين. ولكن إذا بحثنا في التاريخ القديم، نجد أن النساء كان لهن أدوار بارزة في الدين أيضًا. إحدى هؤلاء النساء، امرأة كانت ذات نفوذ في عصرها، وخلقت عالمًا من الشعر الديني ساهم في تعزيز استقرار البلاد، وترك أثرًا في ديانات العالم القديم من بعدها. فمن هي؟ وما قصتها؟

إنهيدوانا.. ابنة سرجون العظيم التي عزَّزت مُلكه

نتحدث عن الشاعرة الأكادية إنهيدوانا، أول شاعرة ومؤلفة عرفها العالم. ولدت في عام 2285 ق.م في بلاد الرافدين بين نهري دجلة والفرات، منشأ واحدة من أشهر المدن وأعرق الحضارات. وكان والدها الملك سرجون العظيم (2334- 2279 ق.م)، مؤسس أول إمبراطورية في التاريخ، الذي فتح مدن وولايات بلاد الرافدين المستقلة، وجمعها تحت راية واحدة. ولكنه لم يكن ليفعل ذلك، دون مساعدة ابنته الأميرة إنهيدوانا.

كان سرجون ينتمي إلى أبناء السامية في الشمال، ويتحدث الأكادية، وكان يعد في نظر المدن السومرية القديمة في الجنوب المحتل الأجنبي. وقد ثاروا عليه مرارًا وتكرارًا لاستعادة استقلالهم، وسحق حكم سلالته الحديث. ولسد الفجوة بين الحضارات؛ عين سرجون ابنته الوحيدة إنهيدوانا كبيرة الكاهنات في أهم معبد في الإمبراطورية.

Embed from Getty Images

وضع سرجون ثقةً كبيرة في ابنته، التي رفعها إلى منصب كبيرة كهنة أهم معبد في مدينة أور في سومر القديمة (العراق حاليًا)، وترك لها مسؤولية دمج الآلهة السومرية مع الأكادية؛ لخلق الاستقرار الذي تحتاجه إمبراطوريته لتزدهر.

تعلمت إنهيدوانا القراءة والكتابة السومرية والأكادية والعمليات الحسابية، وتولت منصب كبيرة الكاهنات في شبابها. وبعد توليها، شرعت في توحيد الحضارة السومرية القديمة مع الحضارة الأكادية. ولتحقيق هذا ألفت 42 ترتيلة دينية، تجمع أساطير كلتا الحضارتين، وساعدت في توفير التجانس الديني الأساسي الذي سعى إليه والدها.

كان لكل مدينة في بلاد الرافدين إله راعٍ، وقد كرست إنهيدوانا تراتيلها لتعظيم آلهة الحكم في كبرى المدن، ومدحت معابدها. كذلك، مجَّدت صفات الآلهة، وفسرت علاقتها بعضها ببعض في إطار البانثيون (مجموعة الآلهة الخاصة بديانة ما) العراقي القديم.

أثر كتابات إنهيدوانا في الديانات القديمة

كانت إنهيدوانا كبيرة كاهنات إله القمر «نانا»، وإلهة الحب والحرب «إنانا». وكونها كاهنة كبيرة، فقد أدارت إنهيدوانا مخازن الحبوب في المدينة، وأشرفت على المئات من عمال المعابد، وفسرت رؤى مقدسة، وترأست عيد ولادة القمر كل شهر، وطقوس الاحتفال بتساوي الليل والنهار.

ولم تكن إنهيدوانا عند حسن ظن والدها وحسب، بل تجاوزت توقعاته وغيرت الثقافة الدينية بأكملها. ومن خلال أعمالها المكتوبة، غيرت طبيعة آلهة بلاد ما بين الرافدين، والتصور الذي كان لدى الناس عن الآلهة. ومثَّلت في كتاباتها الآلهة وكأنهم بشر يُعانون، ويتنازعون، ويحبون، ويستجيبون لتوسلات البشر. وكان لكتاباتها تأثيرًا عميقًا في لاهوت بلاد ما بين الرافدين؛ فقد قرَّبت الآلهة من سكان الأرض، وولَّفت المعتقدات السومرية والأكادية.

Embed from Getty Images

وقد كتبت قصائدها بالخط المسماري، بين عامي 2285 و2250 قبل الميلاد، وعُثر عليها مكتوبة على ألواح فخار مطمورة في أماكن مختلفة في جنوب العراق. ومن أبرز أعمالها الأدبية، الشعر الذي كتبته للإلهة إنانا التي وضعتها في أعلى منزلة في البانثيون بوصفها أقوى إله.

«سيدتي.. أنا لكِ. سأكون هكذا دائمًا. وليرضى قلبك عني» *في تمجيد الإلهة إنانا.

وتُعد تراتيل «عشيقة القلب العظيمة»، و«تمجيد إنانا»، و«إلهة القوى المخيفة» من أشهر أعمال إنهيدوانا، التي تمجد فيها الإلهة إنانا. وقد جعلت كتابات إنهيدوانا شخصية الإله نانا أكثر عمقًا وتعاطفًا، ورفعت الإلهة إنانا من إلهة محلية إلى ملكة الجنة القوية. وظهر هذان الإلهان، وغيرهما ممن غيرتهم من خلال عملها، أكثر تعاطفًا من ذي قبل.

وتميزت قصائدها المهداة لهما بكونها أول كتابات يستخدم فيها الضمير أنا، وأول مرة تكشف فيها الكتابة عن مشاعر عميقة وخاصة. كذلك، يُنسب إليها إنشاء نماذج الشعر والمزامير والصلوات المستخدمة في جميع أنحاء العالم القديم، والتي أدت إلى تطوير الأنواع المعترف بها في يومنا هذا. وقد أثرت كتاباتها في صلوات ومزامير الكتاب العبري المقدس، وملاحم الشاعر اليوناني هوميروس مؤلف الإلياذة والأوديسة. فضلًا عن ذلك، يمكن سماع أصداء أشعارها في ترانيم الكنيسة المسيحية الأولى.

انقلاب ومنفى وتوسل.. قصائدٌ تحكي تاريخًا

وبالإضافة إلى ترتيلاتها، ألفت إنهيدوانا أيضًا ثلاث قصائد ملحمية. ويقول عنها المؤرخ ستيفن بيرتمان: «تزودنا الترانيم بأسماء الآلهة الرئيسية التي عبدها سكان بلاد ما بين النهرين، وتخبرنا أين كانت معابدهم الرئيسية. لكن الصلوات هي التي تعلمنا عن الإنسانية، لأننا نواجه في الصلوات الآمال والمخاوف من الحياة البشرية اليومية».

وكانت بعض كتاباتها شخصية ومباشرة، تعكس الإحباطات والآمال الشخصية، والتفاني الديني، ومشاعرها تجاه العالم الذي عاشت فيه. وفي أشعارها نجدها تتحول من العشق والعاطفة إلى التوسل والغضب، اعتمادًا على المواقف التي مرت بها في حياتها، وكيف شعرت بمساعدة الإلهة إنانا لها. ونراها تسكب بعضًا من شخصيتها في آلهتها المعبودة، وتجسدها كائنات ذات أبعاد وعواطف.

«ملكتي، تنكمش الأراضي الأجنبية عند صراخك، في خوف من ريح الجنوب. أحضرت لكِ البشرية تذمرها البائس. وجلبت صراخها المؤلم. وانفتحت أمامك الفجعات العظيمة في شوارع المدينة» في تمجيد الإلهة إنانا.

وفي قصيدة أخرى، تكتب إنهيدوانا طلبًا إلى الإلهة إنانا، ترجوها أن تطلب المساعدة من الإله آن (إله السماء) بعد عزلها من منصبها كاهنةً عليا، وطردها إلى المنفى. فبعد وفاة والدها، الملك سرجون، انتهز أحد الجنرالات المدعو لوجال أني، فرصة فراغ السلطة، وقام بانقلاب عسكري ونفاها خارج مدينة أور إلى الصحراء الشاسعة.

«اقتربت من الضوء، لكن الضوء لسعني.

اقتربت من الظل، لكن عاصفة غطتني.

أصبح فمي المعسول متزبدًا. أخبري آن عن لوجال أني وعن مصيري

لربما آن لا يستجيب لي. لكن بمجرد أن تخبريه عن ذلك، سوف يُحررني»

ولاحقًا، استعاد ابن أخيها الملك السومري، نارام سين، السلطة، وأعادها لمنصبها كبيرةً للكاهنات، وهو المنصب الذي يبدو أنها كانت أول امرأة تشغله في أور، وكان سلوكها يعد نموذجًا مثاليًّا يقتدي به من تبعوها. وقد خدمت في منصبها ذاك لمدة 40 عامًا، وبعد وفاتها أصبحت إلهة صغرى، ونُشرت أشعارها ودُرِّست ومُثِّلت في أنحاء الإمبراطورية. وما يزال إرثها باقيًا إلى اليوم على الألواح الطينية، التي صمدت في وجه الزمان. وما تزال القصائد تُؤلَّف على النمط الذي ابتكرته، منذ أكثر من 4 آلاف عام.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«أنا مولودٌ للعشق».. رحلة تحوُّل جلال الدين الرومي من فقيهٍ حنفيّ إلى شاعر روحاني

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد