7,327

في بدايات عصر الإنترنت، لم نكن نستطيع التأكد من حجم الضرر والخسائر التي يسببها قراصنة الإنترنت خلال هجومهم على الأنظمة الإلكترونية للأفراد والمؤسسات، هذه الحقيقة تركتنا عاجزين عن تقدير هؤلاء الأشخاص الذين يشكّلون حائط الصد أمام هذه الهجمات: إنّهم القراصنة الأخلاقيون، أو «ذوو القبعات البيضاء» كما يطلق عليهم (White hat hackers). يمكن تعريف القراصنة الأخلاقيين بأنهم الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى الثغرات في الأنظمة الإلكترونية، قبل أن يصل إليها القراصنة غير الأخلاقيين الذين يستغلّونها لأغراض سيئة، كعمليّات النهب أو التخريب.

نشرت تقارير في عام 2014 تقدّر الخسائر المادية التي يتسبّب فيها القراصنة الإلكترونيون في العالم بقيمة 445 مليار دولار كل عام، هذه الخسائر الباهظة يمكن إضافتها إلى نوع آخر من الخسائر المعنوية والنفسية التي تنتج عن اختراق خصوصية الأفراد، وهو الأمر الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج غير محمودة الأثر. في هذا التقرير نلقي الضوء على بعض أبرز هؤلاء الأبطال الذي يقاومون هذه الجرائم والقائمين عليها.

1. مارك ميفريت.. معاناة الطفولة تنتج عقلًا استثنائيًا

بدأت قصة مارك (Marc Maiffret) عندما كان مراهقًا يفضّل قضاء الكثير من الأوقات في تعلّم الكثير من البرامج ولغات الحاسب، بعد الكثير من المهارات التي تعلّمها حاول مارك اختبار قدراته في اختراق أحد أنظمة المعلومات التابعة للحكومة الأمريكية؛ لينتهي به الأمر في أحد الأيام مستيقظًا على صوت مرتفع لطرق الباب الذي كان يقف خلفه أحد عملاء ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية. تم استجواب مارك عن نشاطاته ومحاولته اختراق نظام تابع للحكومة الأمريكية، وهو الأمر الذي لم ينته بتوجيه أي اتهام رسمي إليه، بينما تمت مصادرة الحاسب الآلي الخاص به.

Embed from Getty Images

رأت وكالة الاستخبارات الأمريكية أنها تستطيع الاستفادة من الخبرات التي يملكها مارك والمعرفة التي اكتسبها، فجرى توظيفه استشاريًّا لأنظمة الأمان الإلكترونية من نفس المؤسسة التي كادت تقتحم منزله، بينما كان مراهقًا. اكتسب مارك شهرة عالمية من خلال تخصصه في كشف الثغرات التي كانت تعاني منها بعض منتجات شركة «مايكروسوفت»، وقادته هذه الخبرة إلى أن استُدعي لاستشارات تخص الأمن الإلكتروني أمام الكونجرس الأمريكي. وقد أنشأ فيما بعد شركة «eEye» للأمن الإلكتروني لتحويل شغفه إلى عمل احترافي يمكن أن يحقق هدفه على نطاق أوسع.

«الجيوش الإلكترونية».. عندما تُستخدم ثروات الشعوب لتغييب وعيها

2. كيفين ميتنيك.. من أخطر قراصنة العالم إلى أشهر مقاومي الاختراق

يلقب كيفن (Kevin Mitnick) بأنه أشهر قرصان في التاريخ، وقد وُلد في ولاية كاليفورنيا الأمريكية في السادس من أغسطس (آب) عام 1963، وعاش طفولة شاقّة نتيجة انفصال والديه؛ وهو الأمر الذي أجبره على البقاء وحيدًا في غرفته أمام شاشة حاسوبه الخاص لساعات طويلة. مثل كلّ المخترقين، وجد كيفن متعة كبيرة في البحث واكتساب المعرفة بتفاصيل الأجهزة الإلكترونية وأجهزة الاتصالات الحديثة والثغرات التي تعتريها، وتمكّن في عمر 16 عام من اختراق نظام المدرسة التي التحق بها، ليس لإعطاء نفسه درجات أكبر كما قد يظن أحدهم، ولكن فقط لأنه يستطيع ذلك.

Embed from Getty Images

يمتلك كيفن تاريخًا كبيرًا مع الاعتقالات من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي بسبب الاختراقات التي كان يقدم عليها برفقة زملائه، أولها كان عام 1981 عندما اقتحم كيفن واثنان من أصدقائه أنظمة شركة «Cosmos» التي كانت تمتلك قاعدة بيانات معظم شركات الهواتف الأمريكية في ذلك الوقت من أجل التحكم في سجل المكالمات لديها، وقد حكم على كيفن بعد هذه الحادثة بثلاثة أشهر في السجن مع سنة من المراقبة؛ لأنه كان لا يزال مراهقًا.

المرة التالية التي اعتقل فيها كيفن كانت بعد عامين؛ عندما حاول استخدام حاسب آلي خاص بجامعة جنوب كاليفورنيا لاختراق أنظمة «ARPAnet» وهي المكافئ لشبكة الإنترنت في ذلك الوقت، وقد استخدم كيفن أنظمة «ARPAnet» للولوج إلى أحد الأجهزة الخاصة بالبنتاجون الأمريكي؛ ليحكم عليه بستة أشهر في سجن الأحداث بولاية كاليفورنيا. في أوقات لاحقة استطاع كيفن نسخ كود مملوك لشركة «DEC» وشركة «نوكيا»؛ ليُعتقل أخيرًا ويُجبر على قضاء خمس سنوات في السجن. هذه السنوات الخمس يبدو أنها جعلت من كيفن شخصًا جديدًا.

بعد خروجه من السجن، أسّس كيفن شركته الجديدة «Mitnick Security Consulting» المتخصصة في إجراء اختبارات الاختراق لعملائه، وقام بشغل وظائف خاصة بمقاومة الإختراق الإلكتروني في شركات أخرى، كما ألّف كتاب «فن الخداع» (Art of Deception) وكتاب «فن التسلل» (Art of Intrusion) لينقل لجمهوره ما يدور في عقل القرصان الإلكتروني. لقد تحول كيفن بعد كل هذه السنوات من أحد أخطر القراصنة في التاريخ إلى أحد أهم مقاومي القرصنة في العالم.

ادفع وإلا سنفضحك.. كواليس العالم الخفي للاحتيال الجنسي عبر الإنترنت

3. جوليان أسانج.. قصّة موقع قلب العالم رأسًا على عقب

جوليان أسانج هو أحد أشهر الصحافيين في العالم في وقتنا الحالي، وهو في الأساس مهندس برمجيات، وعمل صحافيًا في فترات من حياته، وهو مؤسس موقع «WikiLeaks» المتخصص في نشر الوثائق التي تم الحصول عليها بطرق سريّة، وتكشف عن أعمال وأحداث قامت بها شخصيات سياسية مشهورة ومؤثرة في العالم. تم إطلاق الموقع عام 2006؛ ليتسبب منذ ذلك الوقت في الكثير من الجدل حول القضايا والوثائق التي يتم نشرها من وقت لآخر، والتي أدّت إلى سقوط حكومات، والتحقيق مع شخصيّات مرموقة.

Embed from Getty Images

بدأ جوليان في اكتساب معرفة كبيرة بعالم الحاسب الآلي والبرامج الخاصة به منذ كان يبلغ 16عام، وقد استخدم معرفته هذه في تحقيق فلسفته الخاصة المتعلقة بتحقيق الشفافية التي تمكن الشعوب من معرفة خبايا وأسرار لا تريد الحكومات البوح بها؛ لكونها غير قانونية، أو لكونها لا تحقق مصالح شعوبها. كان لجوليان كوده الخاص فيما يتعلق بعمليات الاختراق التي يقوم بها، والتي كان أبرزها اختراق أجهزة البنتاجون الأمريكي، والقوات البحرية الأمريكية، وتمثل كوده الخاص في هذه القواعد: أولًا أن لا يتسبب بأي ضرر للأنظمة التي يخترقها، وثانيًا أن لا يغيّر من المعلومات في الأنظمة التي يخترقها، وثالثًا أن ينشر المعلومات التي يحصل عليها متى أمكن ذلك.

«نيويورك تايمز»: كيف أصبحت كوريا الشمالية بـ6 آلاف «هاكر» تهدد أمن الإنترنت؟

4. تسومو شيمومورا.. لا يهزم القرصانَ إلَّا قرصانٌ مثله

قد لا تصدقون هذه القصة، ولكن هل تذكرون كيفن ميتنيك؟ نعم، أخطر قرصان في العالم. حسنًا، لولا تسومو لم تكن الشرطة لتستطيع القبض على كيفن في الحقيقة. لقد كانت هذه الحادثة هي سبب شهرة تسومو عالميًا؛ إذ كانت هنالك منافسة كبيرة بينه وبين كيفن بسبب اختراق الأخير لأحد أجهزة تسومو؛ وعندها قرر تسومو مساعدة مكتب التحقيقات الفيدرالي في القبض على كيفن في الحال.

في هذه المعركة الكبيرة، قرّر تسومو، استشاري أمن الشبكات، استخدام أحد أكثر الحيل التي يجيدها، وهي اختراق أجهزة الهاتف النقال لاستخدامها ضد صاحبها، وهي التقنية التي استخدمها للإيقاع بكيفن في النهاية؛ إذ اخترق الهاتف النقال الخاص بكيفين، ونجح في مراقبته بشكل كامل؛ ليتم تتبعه إلى الشقة التي كان يقيم بها، ويتيح الفرصة لرجال الشرطة للقبض عليه. الطرق التقنية التي اتبعها تسومو، والكثير من التفاصيل المثيرة في هذه القصة، استُخدمت لصناعة فيلم يحكي تفاصيل الحادثة تحت اسم «Takedown».

5. محمد رمضان.. مصري ينقذ عملاق التواصل الاجتماعي

عندما نتحدث عن «فيسبوك»، فإننا نتحدث عن عملاق شبكات التواصل الاجتماعي الذي تحتوي منصته على أكثر من ملياري مستخدم في وقتنا الحالي؛ وهي الحقيقة التي تجعل من اكتشاف إحدى الثغرات في أنظمة فيسبوك ربما من أهم الإنجازات التي يمكن أن يحققها متخصّص في وقتنا الحالي. محمد رمضان، مهندس البرمجيات المصري، استطاع الكشف عن ثغرة في إحدى خدمات فيسبوك، والتي تتعامل مع السير الذاتية في صفحة الوظائف الخاصة بالموقع.

نشر محمد تفاصيل الثغرة على موقعه الخاص، وقد كافأته إدارة فيسبوك بمبلغ ستة آلاف دولار، ويقول محمد إنه تمكن من تحميل ملفّ نصيّ على صفحة الوظائف بالموقع، هذا الملف محمل بكود لم يتم التحقق منه من قبل نظام فيسبوك؛ وهو الأمر الذي يجعل النظام غافلاً تمامًا عن كثير من المخاطر التي يمكن أن تتسلّل إلى المنصة من خلال هذه الثغرة.
شاهد شرحًا لهذه الثغرة من خلال هذا الفيديو.

رغم أن محمد لم يستخدم الثغرة لأهداف سيئة، إلا أنها يمكن أن تستخدم في شن هجوم «رفض الخدمة» (denial-of-service) ومجموعة من الهجمات الأخرى التي يمكن أن تلحق بالمنصة أضرارًا هائلة من الولوج إلى كل البيانات التي تم تخزينها على المنصة بصيغة «XML files» أو ضخ أكواد مختلفة يمكن أن تقوم بوظائف غير محدودة داخل أنظمة المنصة.

يمكن أن يقلبوا حياتك في 36 ساعة فقط.. هكذا تحمي نفسك من هجمات الهاكرز