تعد المجاعات واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية على وجه الأرض، وتمتد آثارها لأشهر وربما سنوات، وتتسبب في حدوث نزوح جماعي، بالإضافة إلى هلاك الملايين نتيجة الجوع وسوء التغذية. تحدث المجاعات نتيجة نقص الغذاء الناتج من نقص الإنتاج، أو بسبب الحروب، أو نتيجة لكوارث طبيعية أخرى طويلة المدى مثل الجفاف، والفيضانات، والأعاصير، وتفشي الأمراض.

ورغم أن المجاعات قد تكون نتيجة لكوارث طبيعية، فإن قرارات الحكومات والتعامل مع الأزمة قد يفاقمها ويؤدي إلى عواقب جسيمة وآثار ضخمة. نستعرض في التقرير أسوأ ست مجاعات في التاريخ من حيث عدد الضحايا التي خلفتها.

1- المجاعة الصينية الكبرى.. السياسات الفاشلة الملوم الأعظم

كانت المجاعة الصينية الكبرى – دامت في الفترة ما بين ربيع عام 1959 إلى نهاية عام 1961 – من أكبر الكوارث الطبيعية حصدًا للأرواح في التاريخ. ورغم أن الجفاف الذي ضرب البلاد في عام 1960 كان عاملًا مساهمًا، فإن الجانب الأكبر من الكارثة يقع على عاتق سياسات ماو تسي تونغ. وبحسب المؤرخين الغربيين، فإن هذه المجاعة ما هي إلا نتاج السياسات الحكومية الفاشلة وسوء الإدارة البشرية، فقد كانت عواقب غير مقصودة لبرامج اقتصادية غير مدروسة جيدًا وسيئة التنفيذ.

بدأت المجاعة في أبريل (نيسان) 1959، أي بعد عام تقريبًا من إطلاق الصين لخطة القفزة العظيمة للأمام، وهي الخطة التي أجبرت السكان على التخلي عن الزراعة، والبدء في استخراج الرواسب المحلية من خام الحديد والحجر الجيري، وقطع الأشجار من أجل الفحم، وبناء أفران بسيطة لصهر المعادن؛ وذلك كي تلحق الصين بركب الولايات المتحدة وبريطانيا.

ماو تسي تونغ رئيس الصين خلال فترة المجاعة

ماو تسي تونغ رئيس الصين خلال فترة المجاعة

كذلك اعتمدت الحكومة على زراعة مساحات أقل من الحبوب، وصادرت حصصًا أكبر من الحبوب للمدن، واستمرت في تصدير الحبوب رغم العجز، وأنشأت قاعات جماعية للأكل الجماعي للمزارعين، واستولت على جميع وسائل الإنتاج الغذائي الخاص، بما في ذلك أواني الطهي.

وجعل الجوع الذي لا يطاق الناس يتصرفون بطرق غير إنسانية، حتى إن السجلات الحكومية أبلغت عن حالات أكل فيها الناس لحمًا بشريًّا، ورغم هذا، كانت ما تزال هناك حبوب في المستودعات، وتُصدِّرها الدولة ولا تمنحها للجائعين.

وللتستر على ما يحدث؛ صادر مكتب البريد 1200 رسالة مرسلة لطلب المساعدة من بؤرة المجاعة شينيانغ بمقاطعة خنان بوسط الصين. كذلك، أُرسل كل من أراد المغادرة إلى معسكرات العمل، وتعرض البعض للضرب حتى الموت.

أخفت حكومة الحزب الشيوعي الصيني المعلومات والإحصاءات المتعلقة بالمجاعة، لذا لم يُحسب إجمالي عدد القتلى بدقة. لكن السجلات أجمعت أن حوالي 30 مليون شخص ماتوا، على الرغم من أن بعض المؤرخين قد اقترحوا أن ما يصل إلى 45 مليونًا لقوا حتفهم، بينما قدرها الصحافي الصيني يانج جيشينج بحوالي 36 مليون قتيلع.

وكان يانج قد عمل متخفيًا لمدة 10 سنوات من أجل جمع معلومات تفصيلية عن المجاعة التي كانت سببًا في موت والده مع الملايين، فقد كان يانج يعمل مراسلًا لدى وكالة شينخوا الرسمية، وتمكن من الوصول إلى أرشيف المقاطعات للبحث في السياسات الرسمية وقت المجاعة.

2- مجاعة الصين العظمى.. الأمطار الغزيرة هي السبب!

يُقدر عدد القتلى في مجاعة الصين العظمى التي حدثت في عام 1907 بحوالي 25 مليون قتيل. وقد بدأت المجاعة نتيجة سقوط الأمطار الغزيرة في عام 1906، ما أدى إلى تدمير المحاصيل في مقاطعات آنهوي وخنان وجيانغسو.

غمرت الأمطار ما يزيد على 100 ألف كيلومتر مربع، وبحلول العام التالي، نفد الطعام المتاح في البلدات التي غمرتها الأمطار، وانتشرت الاضطرابات الاجتماعية وأعمال الشغب، مما أدى إلى التدخل العسكري. ومع قدوم ربيع 1907، وصلت أعداد الوفيات بسبب الجوع والأمراض المرتبطة به إلى 5 آلاف حالة يوميًّا.

استمرت آثار المجاعة لسنوات، وساهمت في الاضطرابات التي أطاحت أسرة تشينغ في عام 1911.

3- المجاعة الكبرى في شمال الصين.. للجفاف والثورات اليد العليا

استنادًا إلى معدلات سقوط الأمطار المدونة في الوثائق التاريخية، فإن الجفاف الذي ضرب شمال الصين في الفترة ما بين 1876 و1878 يعد أشد فترات الجفاف التي ضربت الصين على مدى 300 عام.

أدى فشل الحصاد إلى ارتفاع سعر الأرز من خمس إلى 10 مرات مقارنة بالسنة العادية، وكان التأثير الأكبر في المقاطعات الخمسة الواقعة في شمال الصين شاندونج، وجيلي، وشانشي، وخنان، وشنشي.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مجاعة اليمن ليست الأولى.. تعرف على 100 سنة من المجاعات في العالم العربي

بحلول الوقت الذي بدأت فيه الظروف في الاستقرار في عام 1879، يقدر أن 9.5 إلى 13 مليون شخص من سكان المنطقة المتضررة لقوا حتفهم من الجوع والأمراض المرتبطة بها.

لم يكن الجفاف وحده المسؤول عن المجاعة، وإنما ضعف أسرة تشينغ الحاكمة إلى حد كبير بسبب ثورات منتصف القرن، والأزمة المالية، والافتقار إلى القيادة القوية؛

وبالتالي لم تعد هناك القدرة على تخزين الحبوب وتوزيعها والتدخل اللازم لمنع الجفاف من التسبب في مجاعة، مثلما كان يحدث سابقًا.

فالتمرد والثورات استنزفت الموارد الوطنية، وشكلت النفقات العسكرية ما يقرب من ثلاثة أرباع الإنفاق الحكومي؛ مما ترك البلاد في حالة صعبة لا يمكن معها التعامل مع الجفاف.

4- مجاعة تشاليسا.. «إل نينو» تتسبب في وفاة 11 مليون شخص

جاءت مجاعة تشاليسا في عام 1783 في شبه القارة الهندية في أعقاب أحداث «إل نينيو» غير العادية التي بدأت في عام 1780 وتسببت في موجات الجفاف في جميع أنحاء المنطقة. و«إل نينيو» هي ظاهرة مناخية عالمية تختص بارتفاع درجة الحرارة عن حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ.

أثرت المجاعة في أجزاء كثيرة من شمال الهند، ولا سيما أقاليم دلهي، وشرق البنجاب، وراجبوتانا، وكشمير. يُعتقد أن ما يصل إلى 11 مليون شخص ماتوا في المجاعة.

5- المجاعة السوفيتية.. من صنع البشر

كانت المجاعة السوفيتية في 1932 و1933 مجاعة كبرى، قتلت ما يقدر بحوالي 10 مليون شخص في مناطق إنتاج الحبوب الرئيسية في الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك أوكرانيا، وشمال القوقاز، ومنطقة الفولغا، وكازاخستان، وجبال الأورال الجنوبية، وغرب سيبيريا.

يرجع السبب في هذه المجاعة إلى نظام المزارع الجماعية التي أسسها جوزيف ستالين؛ زعيم الاتحاد السوفيتي آنذاك، فقد ألغى ملكية كبار المزارعين «طبقة الكولاك» لأراضيهم، وأجبر الفلاحين على العمل في المزارع الجماعية التي تديرها الدولة.

حينما لاقت تلك السياسات معارضة الفلاحين، رفع النظام كميات الحبوب التي يجب أن يسلمها الفلاحون للحكومة إلى مستويات تعجيزية، ومن يعارض يُعتقل أو يُهدم منزله.

نصب تذكاري لضحايا هولودومور

نصب تذكاري لضحايا هولودومور

كما أن التقارير التي وصلت لستالين أفادت بإخفاء الفلاحين المحاصيل للاستهلاك الفردي، فأمر بتدمير أي محاصيل مخفية يمكن العثور عليها. في الواقع، كانت العديد من هذه المحاصيل مجرد بذور ستُزرع قريبًا.

ويُطلق الأوكرانيون على هذه المجاعة اسم «هولودومو» بمعنى الإبادة عن طريق التجويع؛ فقد قضت المجاعة على ما بين 3 إلى 7 مليون أوكراني، وأكثر من مليون كازاخستاني، علاوة على الآلاف في المناطق الأخرى التي تعرضت للمجاعة.

6- مجاعة البنغال.. التي لم توقف قسوة الاستعمار البريطاني!

عانت الهند من مجاعات عدة، وكانت مجاعة البنغال 1770 من أشدها قسوة وحصادًا للأرواح. فقد تجلت العلامات الأولى لهذه المجاعة الضخمة في عام 1769 واستمرت المجاعة نفسها حتى عام 1773، وقتلت ما يقرب من 10 مليون شخص.

منذ عام 1757، كان لشركة الهند الشرقية السيطرة الكاملة على أفضل الأراضي الزراعية في الهند، وذلك بتفويض من الإدارة البريطانية، كما كانت مفوضة لجمع الجزية من المزارعين.

عندما حدث الفشل الجزئي للمحاصيل عام 1768، لم يعد فائض المخزون الذي بقي بعد دفع الجزية كافيًا، فقد تدهور سريعًا. وبالإضافة إلى سوء المحاصيل، فقد ساهم الجفاف والسياسات الاقتصادية والإدارية البريطانية في الأبعاد الكارثية للمجاعة.

حدثت المجاعة بشكل رئيسي في ولاية البنغال الغربية وبيهار، لكنها ضربت أيضًا مناطق أخرى. كانت البنغال الأكثر تضررًا، وهاجر الآلاف من المنطقة على أمل العثور على الطعام في مكان آخر، إلا أنهم ماتوا جوعًا في وقت لاحق ليلحقوا بمن فضلوا البقاء في المناطق المنكوبة.

استمر الحكام الاستعماريون في تجاهل أي تحذيرات تتعلق بالمجاعة، ومع زيادة أعداد الوفيات في عام 1771، رفعت الشركة ضريبة الأراضي إلى 60% من أجل تعويض أنفسهم عن انخفاض المحاصيل والإيرادات نتيجة موت الكثير من الفلاحين، مما زاد الوضع سوءًا.

منوعات

منذ شهر
الصينيون أكثر من عانوا.. أكثر 6 كوارث حصدًا للأرواح في التاريخ

المصادر

تحميل المزيد