يعد الشعراء والأدباء أحد أكثر فئات المجتمع تفكيرًا في همومه، سواء كان هذا التفكير بإخلاص نتيجة نشأة هؤلاء الأدباء ومشاركاتهم المجتمع في جميع أحداثه، أو كان مفتعلاً حتى، لكي يستطيعوا الكتابة والحديث عما يسبب لهم شهرتهم ومركزهم. وبذلك يكون من الطبيعي أن يكثر في هذا الوسط الاكتئاب والأمراض النفسية.

وفي تاريخنا العربي يندر رصد حالة انتحار واحدة لشاعر شهير، فباستثناء حالة المتنبي، عندما لقي حتفه نتيجة قتال غير متكافئ قد دخل فيه بسبب بيت شعر كان قد قاله عن نفسه، لا توجد حالة أخرى تقريبًا.

أما عالميًّا فقد رصدت إحدى الإحصاءات عام 2007 أن حصيلة القرن السابق من انتحار الشعراء قد بلغ 150 شاعرًا على مستوى العالم، منهم 15 في عالمنا العربي.

وهم: خليل حاوي (لبنان)، منير رمزي (مصر)، عبد الباسط الصوفي (سوريا)، أنطوان مشحور (لبنان)، تيسير سبول (الأردن) ،عبد الرحيم أبو ذكري (السودان)، إبراهيم زاير (العراق)، قاسم جبارة (العراق)، عبد الله بو خالفة (الجزائر)، كريم حوماري (المغرب)، صفية كتّو (الجزائر)، أحمد العاصي (مصر)، فخري أبو السعود (مصر)، فاروق أسميرة (الجزائر) مصطفى محمد (سوريا).

وهذه 6 شخصيات مصرية استطعنا رصدها:-

 

1. الشاعر أحمد العاصي

“جبان من يكره الموت، جبان من لا يرحب بهذا الملاك الطاهر”، هكذا وجدوا بخطة ورقة داخل كتاب كان يقرأه قبل وفاته.

وقد يكون أحمد العاصي هو صاحب أول حالة انتحار لأديب عربي في العصر الحديث، حيث إن انتحاره كان سنة 1930.

ولد العاصي بدمياط سنة 1903 والتحق بمدرسة الطب بالقاهرة، وبعدها تحول لدراسة الفلسفة، وقد انتحر وهو موظفًا بمكتبة الكلية، بعد نشره للجزء الثاني من “ديوان العاصي”، ورواية “غادة لبنان”، وقصة “الأديب المنكود”.  ويذكر أن أمير الشعراء أحمد شوقي قد نعاه بقصيدة في صدر أحد دواوينه.

2. أروى صالح: نضال جيل الستينات

“نحن أبناء الزمن الذي فقد فيه حتى الحزن جلاله، صار مملاً هو الآخر، مثل البرد، أو مثل الصداع، والملل لا يصنع فنًّا، فقط أناسًا مملين”، هكذا كتبت متمردة الستينات أروى صالح في أشهر كتبها “المبتسرون”.

تخرجت أروى من كلية الآداب جامعة القاهرة، وكانت من أعلام نضال اشتراكيين ذلك الجيل، وكتبت في عدد من الصحف والمجلات الشهيرة، إلا أنه نتيجة ضجرها بالحياة، والذي عبرت عنه في كتابيها “المبتسرون” و”سرطان الروح” ألقت بنفسها من الطابق العاشر سنة 1997.

3. إسماعيل أدهم: لماذا أنا ملحد؟

واحد من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل خلال حياته، انتحر إسماعيل أدهم سنة 1940 بعد إصابته بالسل، كتعجيل وحسم لصراعه مع المرض.

كان أبوه ضابطًا في الجيش التركي، وكان جدّه لأمه معلمًا للتركية بجامعة برلين، وجده لأبيه مدير ديوان المدارس المصرية في عهد محمد علي. ولد إسماعيل بالإسكندرية، وتعلم بها وبالآستانة، وقد حصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة موسكو سنة 1931، وعين مدرسًا للرياضيات في جامعة سان بطرسبرج.

وهو من الكُتاب الذين أعلنوا إلحادهم، وكتبوا ودافعوا عنه. وله في ذلك كتاب بعنوان “لماذا أنا ملحد؟”. وقد أعلن في هذا الكتاب أنه سعيد بإلحاده، تمامًا كما يشعرالمؤمن بالله بالسعادة والسكينة.

وغير نبوغه في علم الرياضيات، فقد ترك إسماعيل أدهم كتبًا عميقة في مجالات مختلفة، علم الأنساب عند العرب، وشرح للنظرية النسبية، وكتاب تحليل لشعر خليل جبران.

4. رجاء عليش: المنتحر المجهول

“إن مجتمعًا بهذه الدرجة من البؤس فالحياة حرام عليه”، هكذا كتب رجاء عليش في روايته “كلهم أعدائي” قبل أن يتخذ قرار الانتحار.

وأما عن قولنا عنه كونه مجهولاً، فهذا من ناحية بسبب ندرة من يعرفونه ويعرفون أعماله، فالرجل لم يترك سوى عملين: رواية “لا تولد قبيحًا”، و”كلهم أعدائي”. والعملان لم يعاد طبعهما.

ومن ناحية أخرى بسبب قلة المكتوب والمعروف عنه، وبخلاف كونه كان غريب الأطوار، معقدًا للغاية،  مات منتحرًا بحرق نفسه في السبعينات، كان ميسرًا ماديًّا، إكان يعاني من دمامة وجهه، لا توجد أي معلومات أخرى عنه على الإنترنت.

5. وجيه غالي: انتحر بعد أن زار إسرائيل

“أظن أن الانتحار هو الشيء الأصيل الوحيد الذي فعلته في حياتي”، تلك كانت آخر رسالة تركها وجيه غالي قبل انتحاره بشقة الكاتبة الإنجليزية ديانا آتهيل عام ١٩٦٩.

لوجيه غالي رواية وحيدة نُشرتْ عام ١٩٦٤ عن دار بينجوين الإنجليزية، وهي رواية “بيرة في نادي البلياردو”، ودائمًا ما يشار له كأول مصري تنشر له دار بينجوين. ويقال إن تلك الرواية سيرته الذاتية.

تنحدر أصول وجيه من أسرة أرستقراطية تسببت ثورة يوليو في مصادرة أموالها، وقد زار الرجل إسرائيل في الستينيات، وكتب تحقيقات لمجلة صنداي تايمز بناء على زيارته لها، وكتب في روايته عن رفضه لإنفاق أي أموال على محاربتها، وكون هؤلاء اليهود يجب أن نعطف عليهم بعد ما شاهدوه من هتلر.

6. فخري أبو السعود: أديب الإسكندرية

ولد في بنها، وهو خريج مدرسة المعلمين سنة 1931، ونتيجة تفوقه في تدريس الإنجليزية أرسل في بعثة لإنجلترا سنة 1934، ليعود فخري أبو السعود بزوجة بريطانية أنجبت له ولدًا. عاش بعد رجوعه معلمًا للإنجليزية بالإسكندرية، وكتب خلال تلك الفترة كتابه “الثورة العربية”، ثم كتابه “مقارنة بين الأدبين العربي والإنكليزي”، والذي نشر مسلسلاً في مجلة الرسالة، وترجم عن الإنجليزية رواية للكاتب توماس هاردي. وخط ثلاثة كتب ما زالت مخطوطة، أحدها عن “الخلافة السياسية”، والثاني عن “الشاعر محمود سامي البارودي”، والثالث “التربية والتعليم”.

سافرت زوجته لزيارة أهلها عام 1939، إلا أن الحرب حالت دون عودتها، وخلال تلك الفترة مات ابنه في حادث غرق سفينة، وانقطعت أخبار زوجته.

فتغلب عليه اليأس، وأطلق النار على رأسه بحديقة داره.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد