تضفي فكرة الموت أصالة وصدقًا على الحياة الاجتماعية، فربما ليس هناك طريقة أفضل لتخليص جدول محبينا من الشوائب مما لو تساءلنا مَن مِنهم سيكلف نفسه عناء رحلة حتى فراشنا في المستشفى، وقتئذ سيكون البرهان بالغ القسوة، وستصيبنا نقمة على من أحبونا لأسباب غير ذواتنا، ونقمة علينا لأننا بلغنا درجة من الغرور لنقع في حبائلهم، وسيفقد حبهم المشروط أهميته لدينا، ومعه أمور كافحنا في سبيلها لنحصل على هذا الحب، من ثروة وسلطة وتقدير، لم يحمونا من أن نقضي أيامنا الأخيرة ونحن نتوق لمن يواسينا ويلاطفنا كأننا أطفال صغار، وما لفكرة الموت من قدرة على أن تعيد ترتيب أولوياتنا بالابتعاد عن العالم الدنيوي والاقتراب من البُعد الروحي.

من عادة الكيانات القمعية أيضًا أن تفقد سلطتها على أفكارنا وأفعالنا في حضور الموت، فيساعدنا التفكير في الموت أحيانًا على تصحيح نزعتنا لأن نعيش الحياة كما لو كنا مخلدين فيها، فنسوف ونؤجل ما نأمل، لصالح اللياقة والأصول والمفروض، ولكننا إذا تأملنا الموت، ربما يجعلنا هذا أشجع على انتزاع حياتنا من فخ ما يتوقعه منا المجتمع، مع تأكيد على المحبة والعلاقات الاجتماعية الصادقة والعطف، وإدانة للسعي للسلطة، والقوة، والثروة، والشهرة.

أزمة الحديث عن الموت

إن مفردات التعبير عن الخسارة وتأطير التعاطف في الحياة اليومية فقيرة جدًّا، ومغروسة في الابتذال وصعوبة التعبير، ومع تكرار الخسارة في المعركة بين الموت والحياة، تكون الشجاعة اللانهائية الطريق المثالي لجعل الثكالى أقوياء من جديد، فتسمع كلمات مثل: تجلّد وكن قويًا، أو كم أنت رائع بقدرتك على إخفاء عاطفتك، والمضي بحياتك كما كانت من قبل الحدث. ولكن كيف لا نخاف بعد الفقد؟ ولماذا نكره؟ وأين الغضب والرهبة والخراب والشعور بالوحدة؟ وكيف نتعامل مع الارتباك؟ ولماذا فقط نفضل الظهور كشخص مرن متحمل وقوي؟

المصدر: hbr

إن موت شخص عزيز هو أيضًا موت لثقافة فريدة ومكتملة وذاتية، مع لغتها الخاصة وأسرارها التي لن تُروى، وللأسف لن تعود، ولن يكون مثلها أبدًا، كما قال ديفيد غروسمان من فيلم «falling out of time» من روايته عن وفاة ابنه. فالموت مثل الرغبة، يمزقك من نفسك التي تعرفها، ويمزقك عن كل شخص كنت قد اختلطت به واختفى، ليتكلم وليحكي القصة، قصة غير موثوق بها، وهذه هي الخسارة الأخرى بعد الموت، خسارة نفسك، انعدام التحكم، وانعدام اليقين، فالموت هو الأكثر خصوصية وشخصية.

إنه وعلى الرغم من حساسيتنا نحو الموت، فإن الطرق التي نتحدث بها عن الموت، أو سجلات تعبيراتنا عن الحزن أو صمتنا عن عملية الموت هي جزء من الفضاء العام المعقد الذي نعيش فيه؛ فيصرخ المشيعون ويبكون ويتحمسون عند التعبير عن الفقد فرادى، متحدين فكرة أن يغلف الصمت فجيعتهم، وأن يتصل حزنهم بحزن الآخرين ما يسمح لهم بدعم أنفسهم بشكل أفضل، فتأتي التعبيرات أحيانًا مبتذلة، وأحيانًا هزلية، وأحيانًا مؤلمة أو غير لائقة، ويصبح الحديث مكروهًا نتهرب منه.

تدريبات على الاحتضار.. «كافيتريا الموت» تتيح لك شرب الشاي والتحدُّث عن الفناء

كيف يتحدث الغرب اليوم عن الموت وأربابه؟

الآن، وعلى الرغم من أننا نعيش نهاياتنا الخاصة كل يوم، فإننا لا نؤمن كفاية بالموت؛ فنحن نعلم أننا سنموت، لكننا لا نعرف كيف نتعامل، جسدنا لا يعرف كيف يتعامل، إلا في لحظات عنيفة، ومرهبة يطل فيها علينا الموت بنفسه، وقتئذ سنكمل حياتنا، وسيظل القلب ينبض، بغض النظر عن الألم، مع المسعى اليائس للشفاء منه، وبالتأكيد لا مفر من أن تمحو يد الموت جهودنا الدنيوية لتحمله، لكن هناك صمتًا متعمدًا حيال الموت، وغالبًا من يكتب عنه يكون لسبب اعتقاد بأن الكتابة في المقام الأول أداة لكسر المحرمات، ومنها الحديث عن الموت، في السنوات القليلة الماضية، كان هناك حشد من الكتب، من قبل الأطباء، والعلماء، والكتاب، والأشخاص الذين سعوا لإظهار طرق مختلفة ولطيفة لإنهاء حيواتهم، وكان دور الطبيب الملطف، أو «رب الموت»، الذي ظهر حديثًا في الغرب هو دعم المريض وأسرته في أوقات المعاناة الشديدة، والإرهاب، والخسارة، ومساعدة أولئك الذين يموتون وأسرهم على إيجاد طرق للتعامل مع حدث الحياة النهائي العظيم.

هذا ما فعلته كاثرين مانكس في كتابها عن عملها في الرعاية الملطفة، مصرحة بأنه «حان الوقت للحديث عن الموت، وعند الكتابة عن الفجيعة سنقدر أيضًا ثمن حياتنا». في مثل هذه الكتب يسجل الكاتب صمتنا الذي خلقناه عند ذكر الموت وحدوثه، بأن وضع الموت في سياقه الطبي الذي نزعناه منه، إذ تكمن الخبرة والمعرفة، بعد أن جعلنا الموت حدثًا غير عادي، وخبرًا يغمره عدم الفهم والغرابة، وأمرًا يسمح بإشراك الأسرة والأصدقاء جنبًا إلى جنب.

رمسيس الثاني.. انظر إلى أعمالي أيها المتجبر واستسلم لليأس

نحن نعيش في أجسادنا ونموت في أجسادنا، قبل قرون طويلة كان الموت مألوفًا ولم يكن مخيفًا كما هو عليه اليوم، متواريًا وخلف الجدران، فلم يكن هناك شخص بالغ لم ير والديه وأطفاله وأصدقاءه يموتون، دون أن يترك ذلك فيه الأثر نفسه، إذ هناك إيمان بأن الموت ليس النهاية، وكل من يشهد الموت تعامل معه وأعد له، حتى اعتنقه. وفي كتاب «قلق السعي إلى المكانة: الشعور بالرضا أو المهانة» روى آلان دو بوتون على لسان هيرودوت، أنه كان من المتبع قرب انتهاء الاحتفالات المصرية والأعياد القديمة، وعندما يكون المعربدون في أوج نشوتهم، أن يدخل الخدم سائرين عبر قاعة الطعام، حاملين جماجم على مراكب كالهودج بدون قبة، دون تفسير سبب ذلك الفعل، والذي وضعه بوتون بين احتمالين: أن يصبحوا أشد لهفة وحماسة لمواصلة اللعب والعربدة، أو ليعودوا إلى منازلهم متيقظين منتبهين.

ووفقًا لكتاب الشاعر بيرس بيسي شيلي «أوزيماندياس» في عام 1818، أن هناك كتابة منقوشة على قاعدة تمثال الملك المصري رمسيس الثاني، وفيها: «اسمي أوزيماندياس، ملك الملوك، انظر إلى أعمالي، أيها المتجبر، واستسلم لليأس»، وشرح شيلي أنه في هذا الوقت وجد تمثال الفرعون مطروحًا على الأرض في أجزاء متناثرة، ومن حول أشلائه كان ثمة رمال جرداء بلا نهاية، تمتد بعيدًا.

فن الأباطيل.. الجمجمة والساعة الرملية في القرن السادس عشر

في القرن السادس عشر الميلادي ظهر نوع فني جديد يهدف إلى أسر مخيلة الطبقات التي لا تشتري الأعمال الفنية على مدار 200 عام تالية، وسُمي هذا النوع بـ«فن الأباطيل» تنويهًا بسفر الجامعة القائل: «الكل باطل. جيل يمشي، وجيل آخر يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد». لم يكن الغرض من تلك الأعمال أن ترسل مشاهديها إلى حالة من الكآبة والخوف، باعتبار أن كل شيء باطل، بل كانت لتمنحهم الشجاعة على أن يتبينوا أوجه العوار في جوانب بعينها من تجاربهم، مع النظر إلى فضيلة المحبة، والتواضع، والعطف، والإخلاص.

سيمون رينار دي سان أندري، أباطيل. المصدر: pinterest

اعتمدت لوحات هذا النسق الجديد على رمزي الموت والعمر القصير، وهما الجماجم والساعة الرملية، وكانت تُعلق نماذج من هذا الفن على جدران المنازل وسط الأجواء الأسرية الحميمة، وعادة في غرف الدرس والنوم. انتمت لوحات هذا النوع الفني للطبيعة الصامتة، فصورت موائد أو مناضد، وقد وُضع عليها أشياء مختلطة، أحيانًا دون ترتيب، وأحيانًا أشياء متناقضة ومرتبة بقصد، وغالبيتها تمحور حول زهور، وكتب شعرية، وعملات معدنية، وزجاجات خمر، وقطع شطرنج، في تمثيل للأمجاد سريعة الزوال، وجميعها أشياء ثانوية إلى جوار الجمجمة، التي أحيانًا تزهر من فتحتات العين.

«ادفنوني في علبة برنجلز».. 5 من أغرب الوصايا في التاريخ

 

القرن الثامن عشر.. اتكئ على المقبرة واكتب شعرًا

يُقال دومًا إن الشعر أبو الخسارات، وإن الموت ليتحول لدى الشعراء بخلفياتهم الفلسفية والوجودية المتنوّعة، إلى ذريعة لأَنْسنة الحياة، وقد افتقدت لكثيرٍ من ملامحها وقوى تجددها، في ذاتها أو في مدى انعكاسها على مرآة النفس، ما ظهر في منتصف القرن الثامن عشر بإنجلترا، عندما تجسد تدبر الموت والعظة بوصفه مبدأ أخلاقيًّا، في أعمال متكررة لمجموعة شعراء عُرفوا باسم «مدرسة المقبرة»، وقد أشار الاسم إلى تخصصهم؛ فقد كتبوا قصائد يجد فيها الراوي نفسه في مقابر كنيسة ذات ليلة نجومها واضحة وقمرها مضيء، وإلى جانبه بعض المدافن المطموسة المعالم بدرجة كبيرة، ليشرع الراوي في تأمل سلطان الموت وسطوته على محو المجد، والمكانة، والسلطة الدنيوية. ومثل هذا النمط السائد بين شعراء العصر شفاء لمن عاملهم المجتمع بقسوة لفقرهم، وانتقام عند تصور المصير الأخير للظالمين.

كان من الواضح أن نمط «مدرسة المقبرة» كان بعيدًا عن الإحباط والكآبة لدى شعرائه، بل بدا منبع بهجة لم يمكنهم حبسها بداخلهم، وسبيلًا لزيادة إنتاجهم وإراحة نفوسهم المتواضعة أمام الملك الزائل، فيجلس توماس جراي أبرز شعراء «مدرسة المقبرة» على ضريح قبر مجهول، يكتب قصيدته «مرثية مكتوبة في مقابر كنيسة ريفية» عام 1751:

الفخر بشعارات النبالة، وأبهة السلطة،

وكل ذلك الحسن، كل تلك الثروة،

تنتظر، على السواء، ساعة لا مناص منها.

طريق المجد لا يؤدي إلى شيء سوى القبر.

أدب تولستوي.. إذا حان وقت الموت فاذهب إليه

«لا بأس، ستملك آلاف الأفدنة من الأراضي في محافظة سامارا و300 حصان، وماذا بعد؟… حسن جدًا، ستكون أشهر من جوجول أو بوشكين أو شكسبير أو موليير، أو من جميع كتاب العالم – فما نفع هذا؟ ولم أستطع أن أجد جوابًا على الإطلاق». *اعتراف 1882 لتولستوي

مشهد الانتحار في رواية «آنا كارنينا»

كان تولستوي من أكثر مَن كتبوا عن الموت عبر روايات «آنا كارينينا»، و«موت إيفان إيليتش»، و« السيد والخادم»، فبينما كان الموت في أدب دستويفسكي مفاجئًا، والحديث عنه مقتضبًا، كان تولستوي يقدم الموت أولًا شبحًا أسود قاتلًا يخطف الأنفاس، ثم يتقدم من الشخصية التي ستواجه الموت ورهبته، ومن ثم حقيقة الحياة للمرة الأولى.

ما حدث في «موت إيفان إيليتش» حين عذب تولستوي القاضي إيفان وهو يحتضر من أحد الأمراض، وسماع صراخه عبر السطور من شدة الألم حتى يسترد القاضي إيمانه، بعد أن كشف مرضه له زيف الحياة الوجيهة خارجيًّا التي عاشها، لكنها مجدبة وقاحلة داخليًّا.

ومع احساس تولستوي العميق بالعدم حقيقةً أخيرة، كانت حياته وأدبه معركة لتأخير الموت، أو السيطرة عليه، فإذا كان الموت هو الأفضل الآن فلا حاجة لتأخيره، ولهذا كان الانتحار أحد مصادر إلهام تولستوي، ليسيطر به على المواعيد الخارجة عن سيطرتنا، ومثال على ذلك في روايته «آنا كارنينا» والتي ظهر فيها الانتحار مرتين، الأولى لعامل في سكة القطار، والثاني انتحار آنا كارنينا نفسها، بعد ضياع كل شيء في حياتها؛ السعادة الزوجية، والابن، والزوج، والعشيق، والمكانة، والخذلان من أقرب المقربين.

ساراماجو.. ماذا لو أصبحنا مخلدين؟

«الفلسفة هي تعلم الموت». *رواية انقطاعات الموت

عُرف ساراماجو في أدبه بنظرته السوداوية الساخرة مما حوله من أفكار راسخة، فسخر من الخلود الذي شكل حلم الخلائق على هذه الأرض، ووضع النص في مواجهة متفردة مع القارئ؛ فاعتمد على أسلوب تغيب فيه الشخصيات الفردية والحوار عنصرًا أساسيًّا، ليستفرد بالقارئ وخيالاته، مستخدمًا تفاصيل التفاصيل في السرد لمزيد من التضييق والإحكام. وركز ساراماجو عند حديثه عن الموت بغيابه، غياب الموت، لفترة من الزمن، ثم عودته بثوب جديد، وعادة ما يكون مقبولًا، يمنح الإنسان فرصة لإنجاز أموره قبل أن يأتيه الموت، حتى يخلص الموت نفسه من كونه شماعة الإنسان، ليصبح دافعه لفعل كل ما يتمنى ولا يستطيع، ومن ثم وضعه في تحد أخلاقي.

جاءت رواية ساراماجو «انقطاعات الموت» نصًا فى مديح الموت، دون ضغينة أو كراهية أو تذبذب في موقفه منه، فهو هنا يدعونا لمحبة الموت بحس فكاهي لاذع، بعدما انقطع الموت فى دولة صغيرة – لا اسم لها- وأصبح سكانها لا يموتون ويبقى مريضهم على حاله. بدا الأمر للسكان رائعًا في البداية، فهو الخلود، ولكنهم سرعان ما شعروا بالكارثة، فقد أثار غياب الموت فوضى ليس لها مثيل، في المؤسسة الحكومية، والمؤسسة الدينية والفلسفة، والمواطن العادي، حتى أصبح على البشرية أن تقبل بالموت بوصفه وجه العملة الآخر للحياة، فنحن في الحقيقة يجب أن نموت لكي تستمر الحياة.

«تجارة المدافن»: أسعار الموت في مصر تنافس أسعار الحياة

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد