الكلمة أخطر من الرصاص، حقيقة يعلمها الكتاب والطغاة على حد سواء، فالكتاب يعلمون مدى أهمية جهودهم في معارضة الطغاة، ويبذلون جهدًا كبيرًا ويقدمون، في كثير من الأحيان، تضحيات عظيمة في سبيل كتابة أعمال أدبية توثق جرائم الأنظمة القمعية وتدينها.

بالمقابل، لا تألُ الأنظمة القمعية جهدًا في سبيل محاربة من يعارضها، وملاحقته، وتضييق الخناق عليه، والسعي حثيثًا لتدميره ومحاربة أعماله بكل الوسائل.

يستعرض هذا التقرير أبعة كُتاب اختاروا معارضة الأنظمة الفاشية التي سيطرت على بلادهم، وعملوا على فضح جرائمها وتوثيقها في أعمالهم، فكانت النتيجة أن حاربتهم تلك الأنظمة بكل ما أوتيت من قوة وحظرت أعمالهم من النشر والتداول، واعتقلت البعض ونفت البعض الآخر من أوطانهم.

1. كارل فون أوسيتزكي.. سجنه هتلر فأغضبه بـ«نوبل» للسلام

لا شك أن الأمر يتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة للوقوف في وجه نظام ينكل بكل من يختلف عنه، وليس فقط معارضيه، ونقصد هنا نظام هتلر.

لم يكن هذا القدر من الشجاعة يعوز الكاتب الألماني كارل فون أوسيتزكي الذي عارض النازية في عقر دارها، فحوكم بتهمة الخيانة العظمى واحتُجز في ما يُدعى بالحبس الوقائي بسجن سبانداو في برلين، واعتُقل بعدها في معسكر اعتقال إيسترفيجن بالقرب من مدينة أولدنبورج، ولم يخرج من ذلك المعسكر إلا إلى المستشفى التي وافته المنية فيها.

كان أوسيتزكي أحد دعاة السلام الذين عارضوا النازية بشراسة منذ بداية ظهورها، فكان مؤيدًا قويًّا للديمقراطية والمجتمع التعددي، وسخَّر مهنته الصحافية لمعارضة السياسة العسكرية الألمانية منذ السنوات الأخيرة للإمبراطورية الألمانية أثناء حكم الإمبراطور فيلهلم الثاني، وكان أول صدام حقيقي له مع السلطة حين نشر معلومات عن خرق مسئولين ألمان لمعاهدة فرساي وقيامهم بإعادة التسليح السري، فكانت النتيجة أن حُكم عليه بالسجن لمدة عام.

لكن معاناة أوسيتزكي الحقيقية لم تبدأ إلا حين وصل أدولف هتلر سدة الحكم في ألمانيا، ففي حين قرر معظم المعارضين الهرب خارج البلاد ومعارضة النازية من الخارج، صرح أوسيتزكي بأن «المعارضة من الخارج ما هي إلا معارضة جوفاء»، وقرر مقاومة النازيين في عقر دارهم، فناصبه هتلر شخصيًا العداء وكال له الاتهامات واحتجزه في معسكرات الاعتقال حيث تعرض لتعذيب وحشي.

Embed from Getty Images
الكاتب كارل فون أوسيتزكي

حين كان أوسيتزكي يتجرع صنوف العذاب في معسكرات النازية، رشحه عدد من أصدقائه الفارين من ذلك الجحيم، الذي اختار المكوث فيه بإرادته، لنيل جائزة نوبل للسلام، وفاز بها بالفعل في عام 1936.

في ذلك الوقت كان مرض السل قد تمكن من الكاتب وأصبحت أيامه في الحياة معدودة، وعلى الرغم من ذلك لم توافق السلطات النازية على إطلاق سراحه ليسافر لتلقي الجائزة، وأعلنوا زورًا في وسائل الإعلام المختلفة أن الكاتب رفض الجائزة.

قيل إن هتلر قابل خبر فوز أوسيتزكي بجائزة نوبل بغضب شديد واعتبرها إهانة شخصية له. وتسببت تلك الحادثة في صدور قرار يمنع أي مواطن ألماني من قبول جائزة نوبل في أي من فروعها المختلفة، وأن عاقبة معارضة هذا القرار سوف تكون وخيمة على الجميع.

برتولت بريخت.. ثائر في مواجهة النازية

منذ نعومة أظافره، اتخذ الكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت من التمرد والثورة طريقًا. فهو لم يفضل الامتيازات الاجتماعية العديدة التي وفرتها له عائلته الغنية، وبدلًا عن أن يرافق أقرانه من نفس طبقته الاجتماعية إلى الحفلات الراقصة، اختار مرافقة أبناء الطبقة العاملة ووجد سعادته في الاختلاط بعامة الشعب بعيدًا عن الزيف الذي ادعى أنه يخيم على قصور الأثرياء.

بالنسبة إلى بريخت، كان التمرد، لا الاجتهاد في الدراسة، هو ما أكسبه الكثير من المعارف والخبرات خلال فترات دراسته، إذ أرسل خطابًا إلى أحد أصدقائه يخبره فيه أن هروبه من الحصص الدراسية التي لم يكن يحبها ولم يستطع الاستفادة منها هو ما أعطاه فرصة كبيرة لاكتشاف ذاته، وجعله يبحث في فروع العلوم المختلفة التي فضل منها الفلسفة وجعلها، هي والطب، محور دراسته الجامعية.

مثلما حدث مع كارل فون أوسيتزكي، وجد بريخت نفسه فجأة مجبرًا على الانضمام للجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، ولكن بصفته طبيب لا مقاتل. وهناك على الجبهة، فزع من طريقة تعامل القادة مع الجرحى باعتبارهم آلات يجب إصلاحها بأقصى سرعة كي تعود لتقاتل على الجبهة، فكتب أول قصيدة له بعنوان «أسطورة جندي ميت»، أدان فيها وحشية الحرب وهاجم كل من تسبب فيها.

Embed from Getty Images
الكاتب المسرحي برتولت بريخت

كغيره من الأدباء والمفكرين، استشعر بريخت بادرة خطر في الشعبية الساحقة التي كان يحققها الحزب النازي في ألمانيا، وانتابه الذعر من تصاعد الفاشية فكتب إلى أحد زملائه يخبره أن هتلر إنما يعمل على استخدام العنصرية لتحويل اهتمام الناس من الصراع الأساسي بين الأغنياء والفقراء، وبالتالي سوف يشتت انتباههم ويصرفهم عن القضايا التي يجب أن يحاربوا لأجلها.

حين وصل هتلر إلى سدة الحكم، أمر بالقبض على كافة أعضاء الحزب الشيوعي في ألمانيا وأصدر قرارًا بإعدامهم، ولم يكن بريخت قد قرر الرحيل بعد من بلاده، ولكن قراره بالفرار جاء حين اقتحمت الشرطة أحد عروضه المسرحية، واعتُقل منظم العرض بتهمة الخيانة العظمى.

فنون

منذ 4 شهور
ممثلون وكتَّاب ومخرجون.. قصص مشاهير خدموا في الجيش وآخرون رفضوا

في الدنمارك، وهي البلد التي قرر بريخت الاستقرار فيها بعد فراره من ألمانيا، بدأ بريخت مرحلة جديدة من معارضة النازية والكتابة ضدها.

كتب في تلك الفترة أشهر مسرحياته ضد النازية بعنوان «الخوف والبؤس في الرايخ الثالث،» وهي مسرحية تعرض آليات القمع في النظم الفاشية وتُعد بمثابة رسالة تحذير مما يستطيع اليمين الشعبوي أن يفعله في الناس.

تسببت هذه المسرحية، التي كشف برخت فيها عن الأضرار الوخيمة التي تُلحقها الأنظمة القمعية بمجتمعاتها، فتحول أفرادها إلى حفنة من الوشاة، والحاقدين، والخونة المستترين برداء الوطنية في إشعال غضب هتلر الذي سحب الجنسية الألمانية منه، وأمر بسحب كافة أعماله من المكتبات وحرقها علنًا.

مع ذلك كانت الكلمة هي من قاومت الطغيان، وظلت ألمانيا – حتى الآن – تفخر بأديبها الفذ برتولت بريخت وتتداول أعماله بكل فخر.

إريك ماريا ريمارك.. لا شيء هادئ على الجبهة الغربية

وُلد الكاتب الألماني إريا ماريا ريمارك في مدينة أوسنابروك بشمال ألمانيا، والتحق بالجيش الألماني أثناء الحرب العالمية وهو في سن مبكرة جدًا. ففي سن الـ18، ذهب ريمارك إلى الجبهة الغربية للمرة الأولى، وهناك أُصيب عدة إصابات، كانت آخرها خطيرة للغاية، فكادت تودي بحياته، وشهد موت عدد من رفاقه.

ظلت مشاعر الجرح والألم لفقدان الأصدقاء ملازمة له طوال حياته، فحاول التحرر منها عن طريق الحديث عنها في روايته، التي تُعد من أفضل ما كتب عن الحرب العالمية على الإطلاق، وهي رواية «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية».

تأخذ تلك الرواية معها القارئ في رحلة مروعة عبر خنادق ومعسكرات الجنود إبان الحرب العالمية الأولى، فيجد القارئ نفسه في صحبة مجموعة من الجنود الألمان الشباب الذين أُقحموا رغمًا عنهم في حرب جعلت الموت يتربص بهم من كل جانب. ومع اعتياد مشاهد القتل والدمار، يبدو كل شيء هادئ على الجبهة الغربية، بينما يغلي الغضب في صدور كل من شارك في الحرب.

Embed from Getty Images
الكاتب إريك ماريا ريمارك

على الرغم من أن هذه الرواية تُعد إدانة للحرب، ولا تصطدم مع النازية بشكل مباشر، إلا أن نظام هتلر رأى فيها تهديدًا لصورة ألمانيا، وجيشها في نظر العالم.

غضب هتلر، الذي كان رفيقًا لريمارك خلال فترة الحرب، من الشعبية الساحقة التي حققتها في الأوساط الأدبية العالمية؛ فقرر معاقبة رفيقه على جرأته في سرد ما رآه من أهوال واتخذ قرارًا باغتياله، ولكن الأخير نجح في الفرار من ألمانيا قبل أن يستطيع هتلر تنفيذ مبتغاه.

وم يكتف هتلر ونظامه بملاحقة ريمارك، بل أمروا كل مواطن ألماني بتسليم النسخ التي يمتلكها هو وأسرته لتُحرق في محرقة علنية. وحين ظن الكاتب أنه أفلت من النازية بنسخة من روايته حملها معه إلى أمريكا، لم يكن يدرك أن فراره هذا سيتسبب في موت أخته، التي أعدمها النازيون انتقامًا منه.

أثناء محاكمة أخت ريمارك أخبرها القاضي أنها لن تستطيع الإفلات من قبضتهم كما فعل أخوها، ولم يتورع هتلر ورجاله عن محاكمة امرأة انتقامًا من أخيها بتهمة هزلية، وهي تقويض جهود ألمانيا الحربية في خضم أزمة وطنية.

لم ينته الأمر بهم عند هذا الحد، فبعثوا إلى عائلتها بفاتورة تضم تكاليف سجنها وإعدامها وطالبوهم بدفعها كاملة، ليسقط ريمارك في حالة من الحزن والأسى في منفاه بعد أن دفع هو وعائلته ثمن كشف جرائم الفاشية، وأعلنوا أن لا شيء هادئ أبدًا في ألمانيا النازية.

توماس مان.. صوت من المهجر يقض مضجع هتلر

ينتمي الروائي الألماني الحائز على جائزة نوبل في الآداب بول توماس مان إلى عائلة أدبية عريقة، فأخوه هو الكاتب الراديكالي الشهيري هاينريش مان، وأصبح ثلاثة من أبنائه فيما بعد من أهم أدباء ألمانيا.

كغيره من الأدباء السابق ذكرهم، بدأ انشغال مان بالسياسة مع الحرب العالمية الأولى، فكتب عنها مجموعة مقالات تتساءل عن أسبابها وجدواها وتنتقد الحكومات الشمولية التي تعادي الديموقراطية. وكما هو الحال مع كل من بريخت وريمارك، اضطر مان إلى الهجرة سويسرا، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية هربًا من نظام هتلر النازي.

Embed from Getty Images
الكاتب توماس مان

في المهجر، صرح مان بأن غربته عن وطنه أمر يفوق احتماله، ولكن عزاءه الوحيد يكمن في مدى وحشية النازية والمناخ السام الذي أحدثته في ألمانيا فجعلتها بلادًا أخرى غير تلك التي عرفها في طفولته وشبابه؛ فاضطر حين هجرها إلى حمل بلاده التي عرفها في صباه في قلبه، وترك تلك الأرض التي خيم عليها الظلم.

على الرغم من أن مان قد آثر عدم معارضة هتلر علنًا في البداية، إلا أنه ما لبث أن تراجع عن قراره ذلك في عام 1936 حين كتب مقالًا أشار فيه إلى أن الحملة البربرية التي يشنها هتلر لا تستهدف اليهود فقط، بل كل من تسول له نفسه الانشقاق عنه أو معارضته، وبالتالي فإن خطره على بلاده ألمانيا وعلى أوروبا ككل أصبح مضاعفًا.

ثقافة

منذ 9 شهور
أدب الأقليات.. 4 روايات تحكي لك الجانب المجهول من القصة السياسية

واعتمد مان على شهرته، باعتباره أديب حاصل على جائزة نوبل في الآداب، في الترويج لأفكاره المعادية لهتلر فأصبح صوت المنفيين الألمان في أمريكا، وأسس صالونًا أديبًا ضم فيه الأدباء الذين طاردهم النظام الفاشي في ألمانيا وشجعهم على الكتابة ضد هذا النظام وفضح انتهاكاته؛ لأنه كان يعلم يقينًا أن الفن والكلمة هما أكثر ما يخيف هذا النظام الوحشي.

مثل رفاقه ممن ناضلوا ضد النازية، سُحبت الجنسية الألمانية من توماس مان، الذي طالما افتخر وطنه به وبحصوله على جائزة نوبل قبل صعود النازية، وحُرقت أعماله في محارق علنية.

المصادر

تحميل المزيد