يظن البعض أن العقل يتوقف تمامًا عن العمل خلال النوم؛ ولكن يبدو الأمر مختلفًا  عن ذلك الاعتقاد؛ إذ كشفت أكثر من دراسة علمية إمكانية تعلم الإنسان حتى أثناء النوم، بما يتضمن: تعلم اللغات وإدراك الأماكن والأصوات خلال مراحل معينة من النوم.

1- العقل يستجيب لمهام تعليمية «روتينية» أثناء النوم

من السائد معرفة أن النوم يؤدي إلى فقدان الوعي الحسي، وعدم القدرة على التفاعل مع البيئة المُحيطة، وقد كان يُعتقد أن السبب في ذلك يرجع إلى غلق الدماغ المدخلات الخارجية، ولكن الأمر بدا مختلفًا وفقًا لدراسة علمية تعود لسبتمبر (أيلول) عام 2014، كشفت أن المخ يمكنه معالجة المؤثرات الخارجية الواردة إليه، ويستجيب لبعض التعليمات، بحد ما حتى أثناء النوم.

فخلال الدراسة، أتى الباحثون بمبحوثين في غرفة مُظلمة، وشغلوا مقاطع صوتية لكلمات منطوقة، على أن يصنف المبحوثين تلك الكلمات إذا ما كانت  لحيوان أو جماد؛ فيضغطون على زر بيدهم اليمنى إذا كانت الكلمة لحيوان، وزر بيدهم اليسرى إذا كانت الكلمة لجماد.

واستمرت مهمة المبحوثين في تصنيف الكلمات، في عملية روتينية آلية، حتى طغى عليهم النعاس، ولكن لم يتوقف الاختبار والاختيار؛ إذ استمر المبحوثون في اختيار الكلمات بدقة، ولكن بوتيرة أكثر بطئًا بعدما غلب عليهم النوم، ليكتشف الباحثون أن نشاط المخ استمر في العمل حتى وهم نائمين، بوتيرة أقل نسبيًا عن العمل أثناء الاستيقاظ.

2- تعلم اللغات أثناء النوم

يلعب النوم دورًا محوريًّا في تعلم اللغات، لا يتوقف فقط على دوره الإيجابي في تعلم اللغة قبل الذهاب إلى النوم، وإنما يمتد لما هو أبعد، وربما أغرب، بدوره في تعلم اللغة «أثناء» النوم.

قد يبدو الأمر ضربًا من الخيال، ولكن دراسة علمية سويسرية للباحث بيورن راش تؤكد ذلك، فمن خلال الدراسة التي نشرت في يونيو (حزيران) 2014، درس مجموعتان من المتحدثين بالألمانية عددًا من الكلمات الهولندية، قبل النوم، وأثناءه، شغّل الباحث تسجيلات صوتية بالكلمات التي تعلموها قبل نومهم بجانب إحدى المجموعتين، في حين نامت الأخرى دون تشغيل تسجيلات صوتية بتلك الكلمات جانبها.

Embed from Getty Images

 

وبعد استيقاظ المجموعتين، أدت تلك المجموعة التي شغّل الباحث بجانبها تسجيلات صوتية أفضل بشكل ملحوظ في اختبارات الكلمات الهولندية، من المجموعة الأخرى التي نامت دون تشغيل تسجيلات صوتية للكلمات بجانبها.

 

7 طرق مثبتة علميًّا تساعدك على تعلُّم لغة جديدة

3- تحسين تعلم الموسيقى خلال النوم

لا يتوقف دور النوم المهم في تعلم اللغات وكلماتها الجديدة فقط، وإنما أيضًا للنوم دور مهم أيضًا في تثبيت  ألحان موسيقية في الذهن والذاكرة، فالمعلومات التي يكتسبها العقل أثناء الاستيقاظ يُمكن أن يُعاد تنشيطها، وتثبيتها في الذهن.

ففي هذا الصدد، جرت دراسة علمية تعود ليونيو (حزيران) 2012، وخلالها تعلمت مجموعتان من المبحوثين إنتاج نغمتين مختلفتين مع تحريك مؤثرات بصرية، ثم أخذوا قيلولة نوم، وبدون علم المبحوثين شغّل الباحثون خلال القيلولة، واحدة من تلك النغمات لإحدى المجموعات التي تعلمتها بشكل هادئ لا يزعج المبحوثين النائمين، في حين نامت المجموعة الثانية بدون أن  يشغل الباحثون النغمة التي تعملوها، وطُلب من المبحوثين إعادة تلحين النغمة التي تعلموها، بعد الاستيقاظ.

Embed from Getty Images

 

وكانت النتيجة لافتة؛ إذ كشفت الدراسة أن المجموعة الأولى التي تعرضت لتسجيل صوتي للنغمة أثناء نومها كان أداؤها أفضل من المجموعة الثانية التي لم تتعرض لتسجيل صوتي، وكشفت الدراسة أيضًا أن العلامات الكهربية لعمل الذاكرة، عززت إدراك تلك النغمة  غير المزعجة في الذهن والذاكرة خلال فترة نومهم.

4- تذكر المكان الذي وضعت فيه شيئًا من خلال النوم

هل تعرضت لموقف وضعت فيه مادة معينة في مكان ما بحاسبك الآلي ثم نسيت أين وضعتها؟ إذا كانت الإجابة بنعم فإن سماع أصوات معينة خلال النوم قد يساعدك على إيجاد الحل؛ ففي دراسة علمية تعود لعام 2013، أتى الباحثون بـ60 مبحوثًا من البالغين الأصحاء، ووضعوا  مادة في مكان معين على شاشة جهاز الحاسب الآلي، ومع تموضع تلك المادة يُصدر الجهاز صوتًا معينًا.

 

وبعد ذلك أخذ المبحوثون قيلولتين تمتد  لـ90 دقيقة، ونام المبحوثون بهدوء في القيلولة الأولى، ولكن مع القيلولة الثانية تعرّض المبحوثون  لنفس الصوت الذي صدر عند وضع المادة في مكان ما على الحاسب الآلي، وبعد النوم تلاشت من أذهانهم مكان المادة، ولكن كان من اللافت أن التلاشي كان أقل عندما تعرض المبحوثون – بشكل غير واع- لنغمة التموضع، وكان تذكرهم أقوى عندما عرفوا أن تلك المادة تحمل قيمة عالية.

من بينها الضحك.. 7 طرق مُثبتة علميًا لتنشيط العقل

 

5- تباين قدرة التعلم باختلاف مراحل النوم

تتباين إمكانية التعلم خلال نومه من مرحلة نوم لأخرى، فيمكن للنوم أن يقوي الذاكرة  ويلعب دورًا تعليميًّا جيدًا في مرحلة معينة، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية بمحو الذكريات أو عدم تسجيلها في مرحلة نوم أخرى، بحسب ما كشفت دراسة  علمية فرنسية تعود  لأغسطس (آب) 2017.

 

ودرس الباحثون إمكانية التعلم والتذكر خلال ثلاث مراحل للنوم: الأولى تعرف باسم النوم الريمي، وهي مرحلة فقدان الوعي، والثانية: تعرف باسم النوم الريمي الخفيف، أو النوم اللا ريمي من الدرجة الثانية (N2)، والمرحلة الثالثة، هي النوم اللاريمي العميق (N3) وهي مرحلة نوم عميقة.

Embed from Getty Images

 

وخلال الدراسة تعرّض المبحوثون لأنماط صوت مختلفة بشكل متكرر، خلال خلفية  روتينية من الضجيج الأبيض (كصوت المطر مثلًا)، وكشف الدراسة تحسن الأداء السلوكي للمبحوثين، عند الاستيقاظ، خلال مرحلتي النوم الأولى والثانية، التي تتشابه فيهما وضعية جسم النائم وعدم انتباهه للبيئة المحيطة، وقد قال توماس أندريون، أحد باحثي الدراسة،  إن التعرض للأصوات أثناء تلك المراحل في النوم : «يساعد في تمييزها عند اليقظة؛ لذلك يمكن استخدام النوم نظريًّا، للمساعدة في جعل الانسان يألف أصوات لغة أجنبية».

 

ولكن من ناحية أخرى كانت النتائج عكسية، عند تعرّض المبحوثين لنفس الأصوات في المرحلة الثالثة للنوم (N3) المرتبطة بالنوم العميق؛ إذ أسهمت تلك  المرحلة في إعاقة أداء التعليم وإضعافه أو عدميته؛ بمعنى أن تلك الأصوات التي تعرّض لها المبحوثون في المرحلة الثالثة، هي والعدم سواء، فلم تدركها الذاكرة، كما لو أن المبحوثين لم يتعرضوا لها في الأساس.

 

8 طرق مثبتة علميًا لتحقيق نوم أفضل 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد