مزقت «معاهدة سيفر» أوصال الإمبراطورية العثمانية. ورغم انتهائها؛ إلا أن الشرق الأوسط مازال يعاني آثارها.

تسبب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى في نتائج كارثية بالنسبة للإمبراطورية العثمانية، والتي دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا؛ فأدى ذلك إلى هزيمتها وتدميرها الوشيك وانتهاء سيادتها بحلول عام 1920. بتوقيع قوات الحلفاء المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى معاهدة سيفر «Treaty of Sèvres» في 10 أغسطس 1920 مع ممثلين عن الحكومة التركية العثمانية.

والتي بلورتها قوات الحلفاء خلال أكثر من 15 شهرًا لتفصلها على مقاس «رجل أوروبا المريض» – كما كانوا يطلقون على الإمبراطورية آنذاك – والذي تكبد فقدانه أطرافه نتيجة لهذه المعاهدة.

«رجل أوروبا المريض» يموت!

أثناء توقيع «معاهدة سيفر» بمصنع الخزف في فرنسا

فقد قضت هذه المعاهدة على الإمبراطورية العثمانية؛ مجبرة تركيا على التخلي عن كافة حقوقها في الدول العربية بآسيا وشمال أفريقيا. ونصت المعاهدة أيضًا على اعتراف تركيا بـ«أرمينيا المستقلة»، وحق الأكراد في تقرير مصيرهم بجانب الاعتراف الدولي بـ«مملكة الحجاز». بالإضافة لمنح اليونان تراقيا، وسيطرتها على جزر بحر إيجه الموصلة لمضيق الدردنيل.

فرض الوصاية الاقتصادية والعسكرية

على الجانب الآخر بلغت العواقب المالية المترتبة على «معاهدة سيفر» من الشدة بأن هيمن الحلفاء على الموارد المالية للإمبراطورية العثمانية واقتصادها. بما في ذلك السيطرة على البنك العثماني، والتحكم في رسوم الواردات والصادرات، والإشراف والتحكم في الموازنة العامة، ووضع القواعد واللوائح الحاكمة للأنظمة المالية، والتحكم في طلبات الحصول على قروض أو إصلاح النظام الضريبي.

وضع مؤتمر سان ريمو شروطًا ملزمة قانونيًا في معاهدة سيفر

فقد سيطرت فرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا على سداد الديون، ومنح الحلفاء لأنفسهم الحق الحصري بحمل سندات الديون. ومنعوا الإمبراطورية العثمانية من وجود أي تعاون اقتصادي مع ألمانيا، والنمسا، والمجر، وبلغاريا، وصفُّوا جميع الأصول الاقتصادية لهذه الدول الأربع داخل الإمبراطورية العثمانية. بجانب منحهم الحق في إعادة تشكيل النظام الانتخابي والتمثيل العرقي بالإمبراطورية العثمانية.

كذلك فرضت المعاهدة قيودًا عسكرية على تعداد الجيش العثماني والبحرية العثمانية، وحظرت حصولهم على سلاح جو، مع تشكيل لجنة مشتركة بين الحلفاء للإشراف على تنفيذ البنود العسكرية ومراقبتها وتنظيمها.

ولادة تركيا وموت كردستان

دعت هذه الأسباب «الحركة التركية الوطنية» بقيادة مصطفى كمال أتاتورك إلى شن الحرب ضد شروط هذه المعاهدة القاسية، والتي لم يُصادق عليها أبدًا، لتُبرم فيما بعد «معاهدة لوزان» عام 1923.

دولة كردستان كما حددتها «سيفر»

إلا أن المعاهدة الجديدة تجاهلت ما للكرد من حقوق أقرتها «سيفر». وحددت على إثرها الحدود الحالية بين العراق وتركيا في يوليو 1926. وبتوقيع هذه المعاهدة انتهت رسميًا الإمبراطورية العثمانية لتحل محلها تركيا «العلمانية» الحديثة.

حلم الوطن الكردي

وبينما يشار لاتفاقية «سايكس-بيكو» أنها قسمت كردستان؛ إلا أن لـ«اتفاقية سيفر» أهمية بالغة في شأن الأكراد، مع أنها لم تر طريقها للنور. وذلك كونها أول اتفاقية أشارت إليهم صراحة وبحقهم في الحكم الذاتي، والتي لعبت فيما بعد دورًا في تكوين الحركات الانفصالية الكردية.

لكن تراجع الحلفاء في وعدهم للأكراد بدولة كردية عند توقيعهم «معاهدة لوزان». ومع انقلاب أتاتورك على «معاهدة سيفر» اندلعت ثورة الأكراد عام 1925 تقودها حركة «خويبون»؛ وهي أول حركة كردية في سوريا، هرب أعضاؤها من بطش «الكماليين» ولجأوا لسوريا منادين بتحرير «كردستان» منهم، وفقًا لما حددته معاهدة سيفر.

المصالح أولًا

أثناء توقيع معاهدة «لوزان» التي حددت الحدود التركية واليونانية في عالمنا الحالي

لم تذكر المعاهدة حدود الأكراد وحقوقهم بنص صريح، فقد وضعت فقط ملامح عريضة لدولة كردستان اقتطعتها من أراضي تركيا ممزقةً بها أوصال الأكراد ما بين «تركيا وإيران، والعراق، وسوريا».

علاوة على ذلك، قيدت المعاهدة قيام الدولة الكردية بطلب الأكراد الاستقلال في المنطقة المحددة بالمادة 62 في المعاهدة، وتشمل: «شرقي نهر الفرات، وجنوب الحدود الأرمنية التي لم تحدد بعد، وشمال حدود تركيا مع سوريا وفي العراق«.

إلى جانب انضمام ولاية الموصل لكردستان، واشتراط اعتراف عصبة الأمم بجدارة الأكراد للاستقلال، وتنازل تركيا عن حقوقها في هذه المناطق، والذي رفضته فيما بعد. وفي النهاية عندما رأى الحلفاء أن مصالحهم مع تركيا؛ لم يصادقوا على الاتفاقية أبدًا.

«الحق التاريخي» للأكراد في سوريا

«بارزاني»: «سايكس-بيكو» فشلت ولابد من اتفاق جديد لقيام دولة كردية.

ومع ذلك لا يزال الأكراد ينادون بحق الدولة الكردية في سوريا، وعلى رأسهم «مسعود مصطفى بارزاني»؛ الزعيم الكردي ورئيس إقليم كردستان العراق. ويشير بارزاني بفشل اتفاقية «سايكس-بيكو» داعيًا إلى التوصل لاتفاق جديد يمهد الطريق لقيام دولة كردية. مطالبًا بإعادة ترسيم الحدود الحالية للشرق الأوسط؛ والذي يعلله الأكراد بأن وطنهم جرى اجتزاؤه من كردستان الكبرى وضمه لسوريا.

تاريخ سوريا يكذِّب الأكراد؟

لكن الحدود التي رشحها الحلفاء في «سيفر» لإقامة كردستان لا تتناسب مع الحدود الحالية؛ فشمال الحدود التركية السورية يقع الآن ضمن الأراضي السورية. بعد أن انتزعت سيفر الألوية الشمالية بسوريا وضمتها لتركيا. وحددت مساحة سوريا بنحو350 ألف كم مربع؛ إلا أن سوريا الحالية لا تبلغ مساحتها سوى 185 ألف كم مربع.

يرى البعض دعوى الأكراد بوطن في سوريا دعوى للاعتداء على الحدود السورية

علاوة على ذلك، يثبت تاريخ تكون سوريا الحديثة أن أيًّا من الاتفاقيات لم تحدد قسمًا من كردستان بسوريا. بينما يرى بعض الباحثين أن الغرب لا يهتم إلا بمصالحه فقط، واستمرار تدفق النفط إليه، ويستفيد من إبقاء جذوة التناحر والضعف في الشرق الأوسط مستعرة ليظل مشتتًا، فيما يرى آخرون أن هذه دعوى للاعتداء على الحدود السورية.

الأكراد بين مطرقة بريطانيا وسندان تركيا

يرجع جزء كبير من المعضلة الكردية إلى الأكراد ذاتهم. وفقًا لمعاهدة سيفر؛ فإذا كان للدولة الكردية أن تقوم؛ فستغدو تحت السيطرة البريطانية. وهذا ما وجده بعض القوميين الأكراد أنه استقلال شكلي فقط. ورأى غيرهم من الأكراد المتدينين أفضلية استمرار الحكم التركي عن سيطرة أوروبا المسيحية؛ فانضموا لحرب الاستقلال التي شنتها الحركة الوطنية التركية. ليفاجأ الأكراد فيما بعد عندما اتضح لهم أن دولة أتاتورك التي حاربوا إلى جانبها ستكون دولة تركية علمانية خالصة تحارب من أجل «أتركتهم».

مصالح الغرب لا تستقر إلا باضطراب الشرق الأوسط

تسببت الحدود التي أقرتها «معاهدة سيفر» في بقاء قضية الأكراد عالقة حتى يومنا هذا. فقد خلقت حالة الضعف والوهن في الشرق الأوسط. يتبين منها أن أوروبا قد رسمت هذه الحدود بغية تحقيق الاضطراب وإشاعة الفوضى في هذه المناطق بما يمنعها من الاتحاد، هذا وتكوين قوى تخولها لمقاومة الطموحات الإمبريالية للقوى الغربية.

الوفد العثماني الموقع على «اتفاقية سيفر»

فبعد نجاح محاولات أوروبا في التخلص من تهديد الإمبراطورية العثمانية، والتخوف من التوسع الإسلامي لها؛ بعقدها اتفاقيات «سايكس بيكو وسيفر ولوزان» وغيرها، والتي أقرت الحدود المتعارف عليها حاليًا. قد يبدو من المنطقي أن تتخلص أوروبا من القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) عاصمة الإمبراطورية التاريخية، فقد هددت بطردها من أوروبا.

فإذا كانت أوروبا تريد أن تقضي على رجلها المريض؛ فلا شك أن أنجع تلك الوسائل هي قطع رأسه! خاصة بعد أن حقق المسلمون النبوءة النبوية بفتح القسطنطينية على يد «محمد الفاتح» وبالتالي ما كانت لتوجد تركيا الحديثة في شكلها الحالي.

إلا أن تركيا مركز الخلافة آنذاك قد حققت بالوقت الحالي قدرًا أكبر من الازدهار والديموقراطية مقارنة بسوريا أو العراق ومعظم الدول العربية بل وتعد ثاني أكبر عضو بالاتحاد الأوروبي.

أعدم الجيش التركي «عدنان مندريس» وهو أول رئيس منتخب لتركيا بتهمة إقامة دولة دينية وتطبيق الشريعة الإسلامية وأدائه فريضة الحج سرًا

وذلك لم يأتِ بمحض المصادفة؛ ولكن ساهمت فيه خطط أتاتورك في بناء الدولة التركية العلمانية على النمط الأوروبي، فقد رأى أتاتورك أن الإسلام هو الذي تسبب في انهيار الخلافة وكسل المسلمين في الدفاع عن أراضيهم، فأعلن عن تأسيس تركيا العلمانية ومحاربة كل من يختلف معها، وفرض «الأتركة» على جميع الفصائل. والذي خدم مصالح الغرب وطمأن مخاوفهم من المد العربي والإسلامي خصوصًا.

ومع أن معاهدة سيفر قصيرة العمر إلا أنها لا تزال تثير الجدل إلى يومنا هذا. فقد تسببت المعاهدة في تقزيم الإمبراطورية التركية إلى قرابة ربع مساحتها؛ بينما يتساءل العديد من القوميين الأكراد حول دولتهم الكردية التي كانت من الممكن أن تتحقق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد