خلال الأسابيع القليلة الماضية، كانت مدينة «درسدن» الألمانية مسرحًا للتظاهرات التي نظمتها حركة «الوطنيين الأوروبيين ضد أسلمة أوروبا»، والتي تعرف اختصارًا باسم «بيغيدا». وقد دفع الحضور الحاشد لتلك التظاهرات والذي وصل في بعض أيامه 18 ألف متظاهر المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل إلى إدانة التظاهرات. وشملت حملات الإدانة أيضًا العشرات من السياسيين والمشاهير الذين أصدروا بيانًا بذلك في صحيفة «بيلد»، أوسع الصحف الألمانية انتشارًا. ورغم أن أنصار «بيغيدا» قد يكونون أقلية، إلا أن تجمعاتهم ما تزال فعالة بشكل واضح.

ولكن ما الذي دفع «بيغيدا» إلى تنظيم تلك الاحتجاجات؟

لطالما كانت الجماعات اليمينية المعادية للمهاجرين عاملاً أساسيًّا في السياسة الألمانية، وذلك على الرغم من القوانين الألمانية التي تمنع الصور النازية أو التحريض على «الكراهية ضد قطاعات من السكان». كما أن السلطات فشلت في حظر الحزب الوطني الديمقراطي الألماني الذي غالبًا ما كان يوصف بكونه إحدى الجماعات النازية الجديدة.

حتى الآن، فإن «بيغيدا» ما تزال أكثر ذكاءً من الحزب الوطني الديمقراطي. فالحركة تتبنى ذات الأفكار المناهضة للمهاجرين والشعارات المعادية للمسلمين بطريقة تسمح للطبقة الوسطى في ألمانيها بقبولها. كما قامت الحركة بحظر شارات النازيين الجدد في مسيراتها وأعلنت عن رفض دعوات كراهية الأجانب، وعن دعمها لـ«حق تقرير المصير الجنسي». وفي الوقت الذي ينحدر فيه بعض من المشاركين في تظاهرات الحركة إلى الحزب الوطني الديمقراطي أو المجموعات اليمينية المتطرفة، فقد وصفتهم وسائل الإعلام بالمواطنين العاديين الذين يبدون مخاوف مما اعتبروه التدفق غير المنضبط للأجانب.

ورغم الانتشار الواسع لخطاب الحركة بين الطبقات الوسطى، فإن ملامح ذلك الخطاب لا تختلف في مضمونها عن خطاب الجماعات اليمنية المتطرفة الأخرى، بما في ذلك رفض الهيمنة الثقافية الأجنبية في ألمانيا، والدعوة إلى “حماية الثقافة اليهودية المسيحية”.

لدى ألمانيا واحدة من أكثر سياسات اللجوء السياسي ليبراليةً في أوروبا. وشهدت البلاد تدفق قرابة العشرين ألف لاجئ والكثير من الفارين من الحرب في سوريا العام الماضي، وهو ما أثار بدوره مخاوف مشروعة في ألمانيا. وتتصاعد تلك المخاوف مؤخرًا خاصة في ظل الهجمات التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في كندا وأستراليا، وكذا الاشتباكات الأخيرة بين الأكراد والجماعات السلفية المتشددة في العديد من المدن الألمانية.

وحتى مع موجات الهجرة المتتالية لألمانيا من الدول الإسلامية عامة، ومن تركيا بشكل خاص على مدار نصف قرن، فإن تعداد المسلمين لا يتعدى 1.9 % وفقًا لتعداد 2013. ولا تتجاوز نسبة المسلمين في مدينة درسدن التي شهدت تظاهرات بيغيدا سوى 1% في مقابل 2.8% للأجانب.

إن الأهمية التي تمثلها حركة الاحتجاجات الأخيرة في ألمانيا تتخطى كونها تعبيرًا متطرفًا، بل إنها تتعدى تلك النظرة إلى ما هو أشمل من ذلك. فبحسب نتائج الاستطلاع الأخيرة في ألمانيا، فإن 34% يرون أن ألمانيا تتجه نحو مزيد من الأسلمة، كما أن واحدًا من كل ثمانية أشخاص سينضمون إلى تظاهرات بيغيدا إذا مرت بالقرب من دارهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد