إنه آخر يوم له في المدرسة التي لم يعد بإمكانه ارتيادها؛ لأنه أحد «أطفال القمر». يجلس في طريق العودة إلى منزله في سيارة معتمة جيدًا، يهبط منها مرتديًا زيه الخاص المكون من قناع واقٍ، وقفازين، وملابس تغطي كامل جسده، ونظارات شمسية لحماية عينيه من وهج الشمس. يدخل المنزل، ويراقب بحذر تسلل أشعة الشمس أسفل نوافذه وأبوابه، التي أغلقت بعناية لحجب الأشعة فوق البنفسجية.

لا يمكنه الخروج من كهفه، دون زيه الخاص، ولا يمكنه اللعب مع أقرانه سوى لفترة زمنية محدودة. وأدى خروجه المبكر من المدرسة لعدم إجادته القراءة والكتابة، لكنه اضطر إلى ذلك بعد تكرر إصابته بالتقرحات الخبيثة، التي أجرى عشرات العمليات الجراحية من أجل إزالتها. وإذا كان إطفاء الأنوار، وحلول الظلام يبث الرعب في نفوس الصغار، فإنه يجد الظلام صديقًا مؤنسًا، فهو متنفسه للخروج من سجنه الاضطراري الذي فرضته عليه أشعة الشمس في منزله؛ ليتجول قليلًا في الشوارع دون خوف، تحت ضوء القمر.

إنه واحد من «أطفال القمر»، التعبير الذي أطلق اصطلاحًا على مرض جلدي خبيث، يُدعى «جفاف الجلد المصطبغ (Xeroderma Pigmentosum)» والذي يعرف اختصارًا بـ(XP). اكُتشف هذا المرض الوراثي النادر لأول مرة عام 1870، بعد أن لاحظ الطبيب موريتز كابوسي، الذي عاش في مدينة فيينا؛ ظهور بقع أشبه بالنمش على جلود أطفال تعرضوا لأشعة الشمس، قبل أن تتطور هذه البقع خلال سنوات قليلة إلى تقرحات قاتلة. وتشير التقديرات إلى أنه يُصيب حوالي واحد من كل مليون شخص في الولايات المتحدة وأوروبا، وينتشر بصورة أكثر شيوعًا في اليابان، وشمال أفريقيا، والشرق الأوسط.

وإلى جانب جفاف الجلد المصطبغ، توجد آلاف الأمراض النادرة الأخرى التي يعاني منها الملايين حول العالم. ومن أجل التوعية بهذه الأمراض، ودعم مصابيها وذويهم، جرى تخصيص اليوم الأخير من شهر فبراير (شباط) من كل عام، ليصبح اليوم العالمي للأمراض النادرة. فما هي أشهر تلك الأمراض في عالمنا العربي؟ وما هي أسبابها؟ وما هي الجهود المبذولة للتعامل معها؟

400 مليون شخص في العالم يُعانون من الأمراض النادرة

يحتفي العالم اليوم باليوم العالمي للأمراض النادرة، الذي يُعقد في اليوم الأخير من شهر فبراير من كل عام؛ وذلك لرفع مستوى الوعي بين عامة الناس، وصانعي القرار بالأمراض النادرة وتأثيرها على حياة المرضى. وقد بدأت المنظمة الأوروبية للأمراض النادرة (يورورديس)، الاحتفاء بهذا اليوم منذ عام 2008، بمشاركة 18 دولة فقط في نسختها الأولى، ثم ارتفع العدد تدريجيًا على مر السنوات إلى أن بلغ عدد المشاركين الآن نحو 90 دولة. 

وتعد «يورورديس» منظمة غير حكومية، تضم تحالفًا من 738 منظمة للمصابين بالأمراض النادرة في 65 دولة. وتسعى حملاتها إلى استهداف الجمهور العام، جنبًا إلى حنب مع صانعي السياسات والسلطات العامة، وممثلي الصناعات الدوائية، والباحثين. وتؤكد على أنه مثلما يحتاج مجتمع المرضى إلى الباحثين، لأنهم يكتشفون الأمراض، ويطورون العلاجات، يحتاج الباحثون أيضًا إلى المرضى لضمان فعالية الأبحاث. 

وفي هذا اليوم يدهن المشاركون وجوههم بألوان مختلفة، تضامنًا مع المصابين بالأمراض النادرة، والذين يبلغ عددهم على مستوى العالم 400 مليون مصاب بمرض نادر. ويختلف تعريف المرض النادر في أماكن مختلفة في العالم. على سبيل المثال، في أوروبا يُعد المرض نادرًا إذا أصاب أقل من واحد من كل ألفي شخص. وفي الولايات المتحدة، يختلف المعيار ليصبح واحد من كل 200 ألف شخص.

صحة

منذ سنتين
سر القبيلة المسلمة التي يعيش أفرادها 100 عام ويلدن في السبعين ولا يصابون بالسرطان!

ويوجد في العالم حاليًا أكثر من 7 آلاف مرض نادر، ويجري الكشف عن  خمسة أمراض جديدة كل شهر في النشرات الطبية. ويُعد كثير من هذه الأمراض النادرة وراثية، قد تظهر منذ الولادة، وقد يظهر البعض الآخر متأخرًا. وهي في الغالب اضطرابات خطيرة ومزمنة تُهدد الحياة، وتضع أعباء طبية ومالية كبيرة على المرضى وأسرهم. ونظرًا لصعوبة تشخيص الأمراض النادرة في الغالب، قد يستغرق الأمر سنوات للتوصل إلى تشخيص دقيق. 

وحتى بعد التشخيص المناسب فغالبًا ما يصعب علاجها؛ إذ لا يوجد سوى 5% فقط من الأمراض النادرة التي لها علاج معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). ونتيجة لذلك تشكل الأمراض النادرة عبئًا ثقيلًا على كل من المرضى، وعائلاتهم، والمجتمعات ككل. 

منطقة المغرب العربي تضم أكبر تجمع لأطفال القمر في العالم

بالعودة إلى حيث بدأنا، دعونا نتجه شمالًا وغربًا على خريطة العالم العربي، لنجد أن منطقة المغرب العربي (ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب) وحدها تضم أكبر تجمع في العالم لأطفال القمر، أو مرضى جفاف الجلد المصطبغ. وتُشير التقديرات الأولية، نظرًا لغياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، إلى وجود أكثر من 3 آلاف إصابة بهذا المرض، تُمثل نصف الحالات العالمية. ومن بين هذه الحالات، توجد في تونس وحدها قرابة ألف إصابة، تتركز في مناطق الجنوب، والشمال الغربي. 

ويصل معدل الإصابة في تونس إلى واحد من كل 10 آلاف نسمة، ويسجل المعدل في المناطق الجنوبية والشمالية الغربية منها رقمًا قياسيًا عالميًا؛ إذ يبلغ إصابة واحدة من بين كل 100 نسمة. ويقول الدكتور محمد الزغل، الطبيب المتخصص بالأمراض الجلدية، ورئيس جمعية «أطفال القمر» بتونس، في حوار مع مجلة «ناشيونال جيوجرافيك»: «إن هذه الأرقام المفزعة ترجع إلى ارتفاع نسبة زواج الأقارب في هذه المناطق، والتي تتعدى 32%، إضافة إلى نقص الوعي المجتمعي بهذا المرض».

Embed from Getty Images

ويُضيف الزغل أن متوسط العمر المتوقع لدى المصابين بهذا المرض، يتفاوت حسب النوع الجيني للمرض؛ فهناك ثمانية أنواع جينية مكتشفة في العالم حتى الآن، أكثرها انتشارًا «النوع ج» الذي يُعد أخطرها على الإطلاق، ويصل متوسط حياة المصابين به إلى 15 عامًا فقط. 

كذلك، صرح الدكتور أحمد عزيز بوصفيحة، أستاذ طب الأطفال، ورئيس جمعية هاجر لمساعدة الأطفال المصابين بضعف المناعة الأولي، في حوار مع «سبوتنيك عربي»، أن الأمراض النادرة منتشرة بقوة في المغرب والدول الأفريقية، وأكد أن الأمراض الوراثية منتشرة ليس في المغرب فقط، بل في عدد من الدول الإسلامية، حيث تبلغ نسبة القرابة في المغرب 15%، بينما تصل في السعودية إلى 55%، وتبلغ في دولة مثل عمان 70%.

وأشار بوصفيحة إلى أن مرضًا مثل نقص المناعة الأولي (Primary immunodeficiency) ينتقل بالوراثة، ويتسبب في وفاة صاحبه مبكرًا، في حال عدم تشخيصه في الشهور الأولى من حياة المولود. وأوضح أيضًا أن كثيرًا من الأمراض النادرة لم تُشخّص بعد، نتيجة غياب المراكز المتخصصة في الكشف، وقلة حملات التوعية بخطورة الأمراض النادرة.

وفي السياق ذاته، قالت خديجة موسيار، رئيسة ائتلاف الأمراض النادرة بالمغرب: «إن التشخيص في المغرب يعتريه مشاكل عديدة، في مقدمتها غياب المراكز المتخصصة، وغياب الرصد الممنهج عند الولادة، مثل الكشف عن قصور الغدة الدرقية الخلقي، مع أن التشخيص والعلاج المبكر قد يساهمان في تفادي الإعاقات الجسدية والذهنية».

ومن جانبها أكدت الدكتورة نزهة موعن، الأستاذة بالمستشفى الجامعي لطب الأطفال بالمغرب، أن الأمراض النادرة منتشرة انتشارًا كبيرًا في المغرب، وفي عدد من الدول العربية. وأضافت أن الدول المتقدمة لا تعاني من ارتفاع نسب هذه الأمراض، بفضل الكشف المبكر على الرضع، والذي يكون غالبًا في الأيام الثلاثة الأولى من الولادة. وأشارت إلى ضرورة تبني الدولة إستراتيجية واضحة؛ لمواجهة الأمراض النادرة، والحد من انتشارها.

جهود المجتمع المدني تدعم أطفال القمر

وبالرغم من تعدد أنواع الأمراض النادرة، يُعد مرض أطفال القمر، أحد أبرز تلك الأمراض المنتشرة في المغرب. ومن أجل مواجهة هذه الأمراض، قال بوصفيحة «إن احتواء هؤلاء المرضى في المستشفيات العامة أمر صعب للغاية، ولابد عن إنشاء مراكز متخصصة؛ لتقديم منظومة متكاملة للعناية بمرضى الأمراض النادرة، فضلًا عن خطط التوعية والوقاية».

وعلى الجانب الآخر، أشار الدكتور الزغل إلى تجاهل العالم العربي لمرض جفاف الجلد المصطبغ، وغياب الاستثمار في الأبحاث العلمية والطبية المتعلقة به؛ ما يضع أطفال القمر في دائرة التهميش، على عكس الاهتمام الواسع في البلدان الأوروبية، التي خصصت حيزًا مهمًا من الأبحاث والأموال لحماية هؤلاء الأطفال؛ عبر ابتكار بذلات خاصة تقيهم الأشعة، وتخصيص فضاءات ترفيهية محمية، تمكنهم من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

وبالرغم من قلة إمكاناتها، والانعدام شبه الكلي لدعم الحكومة، تحاول مؤسسات المجتمع المدني في بلدان المغرب العربي التخفيف من وطأة معاناة أطفال القمر. ففي تونس على سبيل المثال، أطلقت جمعية «أصدقاء القمر»، عن طريق جمع التبرعات، برنامجًا لتوفير بيئة عيش خالية من الأشعة فوق البنفسجية للمصابين، وتيسير حصولهم على وسائل الوقاية والعلاج المتطور، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية، وكسر عزلتهم عبر إعداد أقسام آمنة داخل المدارس، تكون مجهزة بوسائل حماية؛ الأمر الذي مكَّن عشرات الأطفال من الانتظام في صفوف الدراسة. 

كذلك تعمل الجمعية على توفير تكاليف التحاليل الوراثية للأجنة للعائلات المعوزة، إضافة إلى تأمين أدوية سرطان الجلد التي لا تتوفر في المستشفيات العمومية. علاوة على ذلك، يقول الدكتور الزغل، الذي أخذ على عاتقه منذ أكثر من 30 عامًا مهمة البحث عن أصول هذا المرض، وتطوير وسائل جديدة للوقاية منه: «لقد تمكنا في تونس، بفعل تراكم خبرات علم الأحياء الوراثية من تحقيق اختراقات متقدمة في سبيل مكافحة هذا المرض. وأصبحنا قادرين على تمييز كل أنواعه الوراثية، وإجراء تحاليل الأجنة الوراثية، والتعرف على الأفراد غير المصابين الحاملين لنسخة من جين المرض. ولدينا أيضًا كل التقنيات اللازمة لتقليص عدد المصابين بالإعاقات الوراثية بنسبة 80%. كل ما يلزمنا الآن هو التمويل لمواصلة هذا العمل».

وإلى الجارة المغرب، حيث يرأس الحبيب غزاوي، التي تعاني ابنته فاطمة من مرض جفاف الجلد المصطبغ، وخاضت عشرات العمليات الجراحية لاستئصال أورام سرطانية ناتجة عن المرض، جمعية التضامن مع أطفال القمر بالمغرب؛  والتي تسعى لتوفير المراهم الأساسية، والنظارات المقاومة لأشعة الشمس، والملابس الواقية، والمصابيح المخصصة لهم.

صحة

منذ 9 شهور
الإيدز يبدو مرضًا بسيطًا مقارنة بها.. ماذا تعرف عن أمراض المناعة الذاتية؟

وقد أكد الحبيب في تصريحات لـ«سبوتنيك عربي»، أن الوقاية من أشعة الشمس تعد أفضل علاج لهذا المرض، وقد تحدث لهم مضاعفات خطيرة تسبب الوفاة، إذا لم تجر حماية المصابين عن طريق استعمال المراهم الوقائية، والنظارات، والقبعات، وبعض أنواع الإنارة. ويرجع ذلك إلى كون أطفال القمر معرضين لخطر الأشعة فوق البنفسجية، أكثر من الإنسان السليم بمقدار 4 آلاف مرة.

وفيما يبدو أن أطفال القمر يُنفِّذون حكم الشمس فيهم بالسجن المؤبد في غياهب الظلام، فإنهم يحلمون في يوم يُعانقون فيه شعاعها. وبدلًا عن أن يُمثِّل لهم نور الشمس رعبًا حقيقيًا، ويُعد الليل فرصتهم الوحيدة لتلمُّس شوارع مدنهم وقراهم تحت ضوء القمر، تأتي الحملات التوعوية مثل يوم الأمراض النادرة لدعم الجهود التي من شأنها أن تحقق حلمهم في مغادرة الظل، ومهادنة الشمس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد