على مدار الثماني سنوات الأخيرة، نجح الرئيس الصيني شي جين بينغ، في تعزيز وترسيخ حُكمه داخل بلاده، والسير على تقاليد رؤساء البلاد الأبديين، الذين لا يغادرون كراسيهم إلا في حالة الموت، ونجح في تنفيذ خطط نمو اقتصادية طموحة، أعاد بلاده إلى مسار انتعاش النمو الاقتصادي، الذي بلغ أدنى مستوياته العام الماضي، خلال الـ30 عامًا الماضية. ومدد فترة ولايته الرئاسية، دون قيود عليها، مرسخًا صورة «القائد الذي لا مثيل لها»، وفي عام 2017، وصفت «إيكونوميست» الأمريكية، شي جين بينغ بأنه يستحق أن يراه البيت الأبيض «الزعيم الأقوى في العالم».

مر شي جين بينغ بظروف صعبة واختبارات قاسية في الداخل والخارج تجاوزها كافة؛ لتعزز من سلطاته الواسعة وصلاحياته المُطلقة. غير أن تفشي فيروس الكورونا، مؤخرًا، داخل بلاده، وانتقاله إلى خارج حدودها، يكاد يكون الاختبار الأهم في مسيرة الرجل، الذي كلفه أضرارًا كبيرة لحقت بصورة نظامه السياسي وهيبته، في ظل استمرار انتشاره، وعدم السيطرة عليه حتى الآن.

حقوق إنسان

منذ شهر
من رجل الدبابة إلى مكتشف «كورونا».. أبطال في الظل تحظر الصين سيرتهم

شي جين بينغ.. حين خلد «القائد الذي لا مثيل له» نفسه في السلطة

لأب كان أحد أبطال الثورة الشيوعية، ولد شي جينبينغ عام 1953، وسط ظروف هيأت له الاستقرار، قبل أن تتبدل الأحوال عقب إدراج والده ضمن آلاف الأشخاص الذين تعرضوا للتطهير في الستينيات، من جانب الحزب الشيوعي الصيني، لتتغير هذه الأجواء، وتتعرض أسرته للإذلال والتضييق عليها من كافة النواحي، حتى أن شقيقته انتحرت.

أمام هذه الظروف الجديدة، اضطر شي جينبينغ للسفر لإحدى القرى النائية الفقيرة، للعمل في ظروف قاسية بلا كهرباء ولا مواصلات ولا أدوات ميكانيكية، لسبع سنوات متصلة، كان يعيش فيها في كهف، ويُذاكر دروسه على ضوء مصباح الكيروسين، حتى نال شهادة في الهندسة الكيميائية. غير أن ماضي والده لم يمنعه من الانضواء تحت الحزب الشيوعي، في عام 1974، والصعود داخل سُلم الحزب، بنهج جديد خالف فيه والده خشية تعرضه لنفس تجربته، ليصير مسؤولًا للحزب الأول في مدينة شنجهاي، ثاني أكبر مدن الصين ومركزها التجاري.

Embed from Getty Images

امتدت رحلة الصعود داخل الحزب، حتى تم انتخابه عضوًا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب إلى أن وصل لمنصب الرئاسة عام 2012. ظل ماضي الأب الأليم ماثلًا أمام نجله وهو في موقع الرئيس؛ ليبدأ ولايته بسلسلة تغييرات سياسية واقتصادية هيكلية، بنى الرئيس صورة لنفسه باعتباره «القائد الذي لا مثيل له»، كما يُعرف بهذا اللقب في جميع أرجاء الصين، فهو الحاكم الذي قاد بلاده «لمعجزة اقتصادية» جعلت من بكين أبرز منافس للعملاق الأمريكي في الاقتصاد.

وحجم شي جين بينغ من نفوذ خصوم محتملين ومسؤولين بارزين في الحزب الحاكم، وأحال بعضهم للمحاكمة، أو الفصل. وألغى، لاحقًا، الحد الأقصى للولايات الرئاسية. كانت الخطوة الأخيرة للرئيس الصيني هي النتيجة المنطقية لسنواته الطويلة على كُرسي الحُكم، من أجل تأمين مكتسباته من سُلطات مُطلقة، وصلاحيات واسعة على كافة أجهزة الدولة، ليتجه نحو تعديل مواد الدستور؛ بشكل سمح له بالبقاء الأبدي في السلطة، خلافًا للتقليد المتعارف عليه دستوريًّا ببقاء الرئيس في منصبه لولايتين لا أكثر.

مهد الرجل لهذا البقاء الأبدي في السلطة، عقب انتهاء فترتي حُكمه، حين تناسى تقديم خليفة مُحتمل له، كما فعل من سبقوه، خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الحاكم في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017، وقدم لهم مُقترحًا بديلًا بتعديل في الدستور يسمح له بالبقاء مدى الحياة في الحكم.

وإمعانًا في تعزيز نفوذه وسلطاته، صوت الحزب على تكريس اسمه وأيديولوجيته السياسية في دستور الحزب، مما رفع مكانته إلى مستوى مؤسسه الراحل ماو تسي تونغ، وأصبحت أفكار الرجل في الكُتب الدراسية مقررات تعليمية، يختبر فيها الطلاب الجُدد، ويقيس درجة ولائهم.

الرجل لم يترك قيد خطوة في سبيل تعزيز مكانته داخليًا إلا وفعلها، حتى صورته في هيئة الرجل الرياضي، الذي لا تظهر عليه علامات تقدم السن، فعلها حين أبرزت وكالة الأنباء الصينية الرسمية أخبارًا عن عاداته اليومية في تأدية رياضة السباحة، كُل يوم، لأكثر من ألف متر يوميًّا مهما كانت انشغالاته.

كانت هذه التحولات الكُبرى مرهونة بمشروع الرجل الجديد «حقبة جديدة من القوة الصينية العالمية»، وهي الخطة التي تتضمن تغييرات جذرية وهيكلية في الصين. والسبب الآخر هو وعي الرجل إلى أن الحفاظ على الذات، والبقاء في أمان، من خصومه الذين يُعدون بالآلاف الذين زج بهم في السجون، لن يتأتى سوى بالبقاء في السلطة، والتمسك بكرسي الحكم متى ظل حيًا.

بعد آخر يفسر سياق هذه الترتيبات الكُبرى التي تتعلق بنظرته لذاته؛ فهو يرى أنه الوحيد القادر على استرجاع الترابط الأيديولوجي في الصين، وحماية الحزب الشيوعي من أي انشقاقات محتملة. وقد عزز من حضوره ووزنه داخليًا وخارجيًا، وحسم مشروعه للبقاء في الحكم كما خطط، ما وصل إليه اقتصاد بلاده باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم؛ ليظهر في خطاباته الرسمية أمام الكاميرات متباهيًا بما وصلت إليه بلاده، مهددًا بأنها «لن تسمح لأي أحد بأن يخبرها كيف تدير شؤونها»، وغير عابئة بمواجهات وحروب تجارية مع أمريكا.

Embed from Getty Images

دوليًا، أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ بلاده لخريطة التنافس السياسي، عبر نسج مسارات نفوذ سياسي وعسكري داخل أفريقيا والشرق الأوسط، بعدما كان الأخير يحتل مرتبة متدنية على لائحة الأولويات العالمية للصين، وقد كانت المُقاربة لتعزيز حضور الصين سياسيًا في هذه البلدان تستند على الجمع بين قوتها الاقتصادية الصاعدة وشراكاتها التجارية، وترجمة ذلك لنفوذ سياسي على أرض الواقع، إلى جانب العمل على زيادة مبيعات الأسلحة لهذه الدول وفتح أسواق جديدة للسلاح الصيني.

وقد كانت مبادرة «حزام واحد.. طريق واحد»، التي أطلقها الرئيس الصيني في عام 2013، هي القناة الخلفية لتسلل النفوذ الصيني سياسيًا وعسكريًا لدول الشرق الأوسط وأفريقيا، إذ ترجمت المبادرة، التي بلغت كلفتها قرابة التريليون دولار، وشملت ما يربو على 80 دولة، أهدافها عبر إطلاقات شراكات استراتيجية شاملة مع عدد من دول شمال أفريقيا، ضمت عشرات مذكرات التفاهم، وتعهُّدات صينية بمنح تلك الدول قروضًا إنمائية واستثمارات في البنى التحتية في إطار المبادرة، لتنخرط الصين، إثر هذه المبادرة، في العديد من مشاريع البناء والبنية التحتية في جميع أنحاء المنطقة، من «مدينة الحرير» المخطط لها في الكويت إلى ميناء الدقم العماني، انتهاءً بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر، فضلًا عن المشروعات المكثفة في آسيا وأفريقيا.

وقد انعكس هذا الحضور الاقتصادي على التواجد العسكري للتنين الاقتصادي، ليؤسس شي جين بينغ أول قاعدة عسكرية إقليمية للصين في جيبوتي، وتوسعت الصين في حجم قواتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وظهر ذلك في زيارات القوات البحرية الصينية المتكررة إلى موانئ في جنوبي الخليج، فضلًا عن النشر المكثف للسفن العسكرية الصينية في خليج عدن. 

ما فعلته الكورونا في خطط شي جين بينغ الطموحة وسمعته

لم تنل خطوات الرئيس الصيني شي جين بينغ لتعزيز حُكمه بطريقة استبدادية من هيبته أو سمعته كثيرًا؛ فهو في عيون شعبه «القائد الذي لا مثيل له»، الذي قفز بمعلات نمو بلاده لمستوى غير مسبوق، وجعل من بكين مُعجزة اقتصادية وأكبر مُنافس للعملاق الأمريكي. وطور من قدرات بلاده سياسيًا، لتصبح رقمًا رئيسيًا في معادلات الصراع والنزاع بالشرق الأوسط الذي كانت تغيب عنه بكين.

دولي

منذ 7 شهور
لي بينغ.. «جزار بكين» الذي قتل آلاف من معارضيه في ليلة واحدة!

وظلت تقارير المنظمات الحقوقية حول استبداد نظام بينغ السياسي، وسجنه لآلاف من معارضيه، حبرًا على ورق، لم تغير شيء داخليًا، أو تكون دافعًا لاحتجاج ملايين الصينين، أو حتى تنعكس على نفوذه خارج بلاده في الشراكات التي أطلقها مع عشرات الدول التي لم تهتم بهذه القضايا التي عدتها غير مؤثرة.

غير أن مجيء الكورونا وانتشارها بهذه الطريقة، التي فاقت فيها فيروس السارس، من حيث عدد الوفيات أو الآثار الاقتصادية والسياسية، أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بنظام الرئيس الصيني الذي ظل سنوات طويلة يرممه، ويشيد جدرانه، جعلته يفقد كثيرًا من نقاط قوته، ويثقب فتحات في هذا الجدار. وكانت دراسة شاملة تناولت أكثر من 72 ألف حالة إصابة مؤكدة ومشتبه فيها بفيروس كورونا الجديد الذي أطلق عليه اسم «كوفيد – 19»، أجراها علماء صينييون، كشفت أن فيروس «كورونا» الجديد أكثر عدوى من «سارس» و«ميرس».

كان التحدي الأكبر من ظهور كورونا بالنسبة لشي جين بينغ، هو سمعة الرجل الذي ظل غائبًا عن كاميرات وسائل الإعلام لنحو أسبوعين، من انتشارها؛.خصوصًا بعدما انكشفت مسؤولية نظامه عن التكتم على ظهور المرض أسبوعين كاملين، بوصفه «سرًا حربيًا»، ليس هذا فحسب، فقد سجن هذا النظام طبيب العيون، لي وين ليانج، (34 عامًا) أول من حذَّر من انتشار فيروس كورونا، بسبب «نشر الشائعات».

امتدت آثار الفيروس سياسيًا على قوة الرئيس الصيني خارجيًا، وتحديدًا في حربه التجارية الأهم ضد أمريكا، ليتحول الرجل الذي يُهدد واشنطن بعقوبات مماثلة، والتعهد من أنه «لن تسمح لأي أحد بأن يخبرها كيف تدير شؤونها»، إلى القبول بمساعدات مالية من واشنطن، والتنسيق معها، والاستماع لتوصياتها في مواجهة المرض.

غير أن الأثر الأكبر هو اضطراب نموذج حكمه، والتشكيك في صموده سياسيًا واقتصاديًا، ما جعل بعض قادة دول العالم يطرحون، من جديد، فكرة ضرورة التنويع بدل الاعتماد على مركز واحد تقريبًا الذي يتمثل في الصين، خصوصًا إذا كان هذا المركز محكومًا بآلة حزبية ودعائية قادرة على إخضاع الوقائع والأرقام لمعالجات سرية حرصًا على صورة النظام.

حفاظًا على سمعته وهيبته التي خرقها فشله في السيطرة على الفيروس، أقال شي جين بينغ العديد من المسؤولين المحليين والإقليميين في إقليم هوبي، مصدر انتشار الفيروس، بسبب سوء تعاملهم مع الأزمة، ونشرت صحيفة تابعة للحزب الشيوعي الحاكم خطابًا داخليًا، كشفت فيه أن شي جين بينغ كان على علم بتفشي فيروس كورونا قبل أسابيع من تعامله بشكل علني مع المشكلة وحثّ على اتخاذ إجراء حاسم لوقفه، مُحملًا مسؤوليه تبعات انتشار الفيروس لعدم تنفيذ أوامره من قبل المسؤولين الأصغر.

بحسب تحليل منشور في موقع ناشيونال إنترست الأمريكي، فالرئيس الصيني يدور في رأسه حدث رئيسي لمدينة ووهان، أولهما أنَّ المدينة شهدت نقطة انطلاق الثورة التي أنهت ألفي عامٍ من الحكم الإمبراطوري، في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1911، وقد انكشف هذا الغضب في خروج حشود مقدرة ببضع الآلاف إلى شوارع ووهان في أول مظاهرةٍ ضخمة في المدينة، مُستلهمة من هونج كونج، في أوائل يوليو (تموز)، احتجاجًا على إدارة السلطات للأزمة، كما أن هذه الأزمة أحدثت هزة سياسية في الحزب الشيوعي، ظهرت تجلياتها في تسريبات خرجت من الاجتماعات المنعقدة، وسط توترات تسيطر على الرئيس الصيني من احتمال اندلاع أزمات أكبر نتيجة ما حدث.

ويتقاطع مع الرأي السابق تصريحات لمحللين مختصين في الاقتصاد الصيني، يقولون إنه حال تفاقم الوباء، واستمر الانتشار دون السيطرة عليه بمرور الوقت، وتأثر الاقتصاد بشكل أكبر مما هو متوقع، فإن اللوم سيوجّه إلى الرئيس الصيني، ونموذج حكمه الذي عمل على بنائه السنوات الماضية.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
بالأرقام.. حصاد خسائر الصين الاقتصادية من فيروس كورونا

الأكثر من كُل ما سبق هو أن «الحلم الصيني» نحو ريادة العالم اقتصاديًا، كما خطط لذلك شي جين بينغ، بات يصطدم بعقبات حقيقية تمثلت في الخسائر الاقتصادية؛ ليحد من هذه الخطط، ويقف أمام تنفيذ الخطط الطموحة، ويشل كثيرًا من قدرات التنين الاقتصادي. كان أبرز مظاهر هذه الخسارة توقعات البنوك الاستثمارية بتراجع نمو الاقتصاد الصيني في الربع الأول من العام الجاري 2020 بنسبة أكبر من 2%، أي بزيادة عن معدل الخفض الذي أحدثه الوباء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد