لم تختلف مأساة لاجئي فلسطين على أيدي النظام السوري الذي نكّل بشعبه كثيرًا عما عاشوه في ظل الاحتلال الإسرائيلي قبل سبعة عقود؛ فخلال العقد الأول من الثورة السورية قتلت قوات النظام والمليشيات الموالية له أكثر من 4 آلاف فلسطيني.

وساهم النظام – الذي سمَّى للمفارقة أشرس فروعه الأمنية بـ«فرع فلسطين» – في تغييب نحو 1700 فلسطيني سوري ما زالوا يقبعون في معتقلات النظام، بينهم ما لا يقل عن 100 سيدة، وقد فشلت الجهود الأهلية التي بذلت لتحييد المخيم عن الحرب التي دارت في البلاد منذ اندلاع الثورة في مارس (أذار) 2011؛ ليسود اعتقاد لدى البعض أن النظام السوري تعمّد جر المخيم نحو الحرب لمآرب أخرى. في حين استغل الروس الفوضى التي عمّت المخيم لكسب رضا إسرائيل، وتقديم هدايا له يأملها الإسرائيليون منذ 36 عامًا.

ست سنوات أفرغت عاصمة الشتات الفلسطينية

يعتبر مخيم «اليرموك» مخيم لاجئين غير رسمي – حسب توصيف الأمم المتحدة، جرى تأسيسه عام 1957 على رقعة مساحتها 2.11 كيلومتر مربع بمدينة دمشق؛ إذ كان موطنًا لأكبر مجتمع من الفلسطينيين اللاجئين من حرب 1948، وشكّلت حارة الفدائيين النواة الأولى للمخيم، حتى تجاوز عدد سكانه نحو 200 ألف فلسطيني.

داخل المخيم شارعان رئيسان، هما: شارع اليرموك، وشارع فلسطين. في حين عمل العديد من اللاجئين في المخيم أطباء، ومهندسين، وموظفين مدنيين، وعمل آخرون عمالة مؤقتة، وباعة متجولين. فيما احتوى المخيم على أكبر عدد من المدارس التابعة لـ«الأونروا»؛ إذ ترعى الأخيرة مَركزَين لبرامج المرأة لتقديم الأنشطة الخارجية.

وبدأت رحلة المخيم في الحرب مع النظام السوري بعد قصف طائرات النظام الحربية لمسجد «عبد القادر الحسيني» في منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2012. وفي اليوم التالي للقصف وفي الساعة السادسة صباحًا بدأ سكان المخيم في مغادرة الحي وهم يحملون حقائبهم كأولى موجات النزوح التي شملت نحو 80% من سكان المخيم في مشهد شبيه بنكبة 1948.

وحسب اللاجئ الفلسطيني أحمد طبازة، فإنه عقب هذه الأحداث اندلعت اشتباكات بين قوات وبعض العناصر الفلسطينية التي انشقّت عن اللجان الشعبية التابعة لأحمد جبريل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، تلا ذلك تمركز لدبابات النظام عند ساحة «البطيخة» أول المخيم، وعندها بدأت موجة نزوح للأهالي بأعداد هائلة.

وعاش أهالي «اليرموك» تحت وطأة حصارٍ شامل، وتحديدًا في شهر يوليو (تموز) من عام 2013، إذ بدأت حكايات الجوع، والبرد، والموت لأكثر من 50 ألف فلسطيني كانت الأعشاب والتوابل طعامهم طوال أشهر الحصار، وبحسب «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا»، فإن 184 فلسطيني قضَوا جُوعًا بسبب الحصار. وبحلول نهاية عام 2014 انخفض عدد سكان المخيم إلى 20 ألف شخص فقط.

ويعتبر حصار حي اليرموك – حسب وصف مدير برنامَج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية، فيليب لوثر – حصار قوات النظام العسكري الأكثر دموية؛ إذ تسبب في زيادة المعاناة الإنسانية التي لا توصف. فيما اتهم فايز أبو عيد – رئيس قسم الإعلام في «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا»، وهي منظمة حقوقية مقرها لندن، متخصصة في شؤون فلسطينيي سوريا في ظل الأزمة السورية، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» – النظام السوري بتعمده تهجير أهالي المخيم من أجل مشروعات ومخططات اقتصادية.

خلال تلك المدة خضع الحي لسيطرة «الجيش السوري الحر»، وعملت الحكومة السورية المؤقتة على استحداث مجلس محلي في المخيم لتسهيل الأمور الإغاثية والإدارية للاجئين المتبقين داخله، واستمر تواجد الجيش الحر ومؤسسات المعارضة السورية هناك حتى أبريل (نيسان) 2015؛ إذ حدث ما لم يكن في الحسبان: فقد اقتحم مقاتلو «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» المخيم، وسيطروا عليه بالكامل، ليشن النظام بعد ذلك حملة عسكرية من مواقعه على أطراف الحي، حيث هدم فيها أكبر عددٍ ممكن من المنازل.

وفي أواسط عام 2018 عقد النظام السوري – وبوساطة روسية – صفقتين، إحداهما أحاطتها السرية. الأولى بدأت بتهجير مَن تبقى من أهالي المخيم باتجاه مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري، ليُوزَّعوا على عدة مخيمات في ريفي حلب وإدلب. ووجد الفلسطيني نفسه في خيمة جده وأبيه بعد 70 سنة من الخيمة الأولى.

أما الثانية فكانت مع عناصر تنظيم «داعش» المتبقين في المخيم؛ إذ وصفت هذه الصفقة بالسرية، وتمت دون ضجيج إعلامي لضمان محاولة تجنّب تعرّض قافلة التنظيم للقصف من جانب طيران «التحالف الدَّوْليّ» الذي شُكِّل في سبتمبر (أيلول) 2014 من أجل محاربة التنظيم.

فدخلت حافلات بعد منتصف ليلة السبت – الأحد 20 مايو (أيار) 2019، وحملت على متنها مقاتلين من التنظيم وعوائلهم والبالغ عددهم 1700 شخصًا، واتجهت نحو البادية السورية، ليرجع مخيم اليرموك تحت سيطرة النظام السوري بوجود نحو 500 عائلة فقط.

الحرب الممنهجة على المخيم

في إحدى حلَقات مسلسل «الولادة من الخاصرة»، الذي أنتج وعرض الجزء الأول منه في 2011، ثم تبعه جزآن في 2012 و2013، تلك الحلقة التي طلب فيها أحد المسؤولين قصف منطقة سكنية من أجل تهجير أهلها، والسيطرة عليها لإعادة بنائها بأبراج سكنية، وكسب استثمارات خارجية أعادت إلى الأذهان ما حصل في مخيم اليرموك.

فنفس المسلسل – الذي اتُّهم فيه كاتبه سامر رضوان بتهمة «النيل من هيبة الدولة»، والتحريض على العِصْيَان المسلّح من قبل النائب العام بريف دمشق القاضي «نور الحسن»، وأصدر في حقه مذكرة اعتقال – وصف بشكل شبه دقيق ما يراه البعض قد حدث على أرض الواقع في العاصمة السورية خلال الأعوام الثلاثة، وكأن الكاتب كان في أقبية المخابرات السورية.

فقبل الحرب كان المخيم مكتظًا بالمنازل الأسمنتية المبنية من الطوب، ويعاني من اكتظاظ سكاني ضمن مساحة ضيقة، فيما يبدو أن الدولة رأته عبئًا يشوه العاصمة السورية، ويبدو أن تلك الصورة السلبية لدى النظام عن هذه المخيم قد ساهمت في قرار النظام بجره نحو الحرب كما شرحنا سابقًا، وفقًا لـ«فايز أبو عيد».

وقد سمح النظام السوري لعناصره بنهب ما تبقى من ممتلكات اللاجئين في المخيم بعد السيطرة عليه. فوفقًا للتقرير الصادر من مجموعة العمل في مايو 2021 فإنَّ 93.2٪ من سكان المخيم سُرقت منازلهم، حتى الأبواب، والنوافذ، والكابلات، وما إلى ذلك؛ لمنع عودة الأهالي.

قانون لنسف المخيم من الوجود

وفيما قد يراه البعض استكمالًا لخطة النظام للاستفادة اقتصاديًا من المنطقة حطّم إعلان النظام عن المخطط التنظيمي رَقْم «105» لمخيم اليرموك آمال اللاجئين الفلسطينيين الحالمين بالعودة إلى ديارهم؛ إذّ يهدف المخطط لإعادة بناء مدن فخمة، وقسم المخيم إلى ثلاث وحدات عقارية، وتعامل معه كحي دمشقيّ؛ ما دفع السماسرة المرتبطين بالتجار التابعين للنظام إلى الضغط على أصحاب العقارات المهجّرين لبيع ممتلكاتهم.

وما زاد الطين بِلة هو اشتراط محافظة دمشق السلامة الإنشائية، وإثبات الملكية، والحصول على موافقات الجهات المختصة لعودة الأهالي، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا؛ فمعظم ساكني الحي فقدوا وثائقهم بسبب الحرب. وجزء كبير من السكان السابقين للمخيم خارج البلاد، ويصعب قدومهم في هذه الظروف، فيما أكدّ 72% من أهالي المخيم لمنظمة العمل أنّهم غير قادرين على ترميم منازلهم بأنفسهم.

الشكوك في نزاهة الإجراءات القانونية التي وضعها النظام، فضلًا عن قدرة الأخير على الاستيلاء، وامتلاك عقارات الغائبين دون تعويض وفقًا للقانون رَقْم 10، والذي صدر عام 2018، بالإضافة إلى قيام النظام بحل اللجنة المحلية لمخيم لليرموك – وهي لجنة أسست عام 1964، وكانت تابعة لوزارة الإدارة المحلية، ومهمتها إدارة العقارات التابعة للمؤسسة العامة للاجئين الفلسطينيين – وإلحاقها بمحافظة دمشق، وهو ما يراه طبازة «خطوة لشطب مخيم اليرموك من جغرافية سوريا».

مقابر المخيم محرمة على أبنائها

وبعد 10 سنوات على الثورة السورية هجر فيها 150 ألف فلسطيني من مخيم اليرموك، وتبقى منهم 400 عائلة من أصل 44 ألف عائلة فلسطينية، تصدّر النظام فيها جميع الأحداث، إلا أن هنالك لاعبًا خفيًا كان يعمل في صمت من أجل استرضاء من ساهم في هجرة أبناء الحي إليه، خصوصًا بعد «حرب 1956».

فبعد سيطرة النظام على المخيم دخلت القوات الروسية إلى المخيم، وأحاطت بمقبرة «الشهداء»، وهي مقبرة قديمة مدفون فيها كل من ماتوا في المخيم، ومنعت الأهالي من الوصول إليها دون معرفة الأسباب، ولكن اتضح لاحقًا حقيقة الدور الذي تلعبه روسيا في المخيم.

وتحديدًا بدأ الأمر في أبريل 2019 عندما أعلن الجيش الإسرائيلي استعادة رفات أحد جنوده المفقودين «زخاريا باومل» في معركة السلطان يعقوب بسهل البقاع اللبناني قرب الحدود السورية في يونيو (حزِيران) 1982 حين كان يقود إحدى الدبابات الإسرائيلية.

وظل الرقيب «باومل»، ومعه «يهودا كاتز»، و«زفي فيلدمان»، في عداد المفقودين دون تحديد لمصيرهم، وفشلت إسرائيل في تحديد أماكنهم، وكان هناك العديد من التقارير التي أشارت إلى موتهم ودفنهم في مخيم اليرموك.

وبعد حادثة «باومل» شددّت القوات الروسية الحراسة على المقبرة في فبراير (شباط) 2021، وبدأت في نبش القبور للبحث عن رفات الجنديين، وصنفّت منطقة البحث عن رفات الجنديين منطقة عسكرية مغلقة؛ إذ جرت عملية البحث باختبار للحمض النووي للقتيلين، وحسب مصادر لموقع «صوت العاصمة» السوري، فإن القوات الروسية أخرجت فعلًا من القبور عددًا من الجثامين، وأجرت لها تحليل السلسلة الوراثية قبل إعادتها إلى القبور مجددًا.

ولكن حتى اللحظة – وحسب أبناء الحي – لم تُكلل المحاولات الروسيّة بالنجاح، ولم تزل المقابر محرمّة على الأهالي حتى في الأعياد التي تعتبر المناسبة التي يتذكر فيها المدنيون موتاهم، ويقومون بزيارتهم في مجاميع رجالية ونسائية.

«التدخل الروسي ومنعه وصول أهالي المخيم إلى المقابر»، عدّه طبازة خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أداة ربح استغلها الروس مع إسرائيل بتواجدهم في سوريا، واستغلها النظام السوري لتنفيذ أجنداته داخل العاصمة السورية؛ إذ طالما شكّل الفلسطينيون في مخيم اليرموك للنظام – الذي يتغنى بالمقاومة – مأزقًا؛ لأنه يريد اجتثاثهم من أجل «تأهيل العاصمة كمدينة هوليودية»!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد