ميرفت عوف 3
ميرفت عوف 3

3,253

لك يوم أسود يا مخيم اليرموك. *قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي «أرئيل شارون» متوعدًا المخيم في عام 1982

الآن يعيش المخيم «يومه الأسود» واقعًا، فأحياء العروبة، شارع الثلاثي -والمغاربة التي لا يوجد فيها ماء ولا دواء وهواؤها متغبر بغبار الراجمات والصواريخ الثقيلة والبراميل المتفجرة- أضحت ضمن مساحة 75% من مباني المخيم المدمرة بالكامل، نتيجة شن النظام السوري وحلفائه على المخيم حملة عسكرية ضخمة قبل أيام، تهدف حسب النظام لإخراج تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من المخيم.

 إلا أن التنظيم باقٍ إلى الآن، في حين أن ما تحقق بالفعل هو وقوع دمار كبير مع سقوط ضحايا من المدنيين لا يعرف مصيرهم بين الاستشهاد أو الإصابة، بسبب حصار المخيم وفقدانه لكل مقومات الحياة والتواصل.

النظام السوري ينفذ حملة «إبادة» 

نفذ النظام السوري وحلفاؤه تهديدهم المستمر ضد مخيم اليرموك في 19 أبريل (نيسان) 2018، حين بدأ حملته العسكرية لاقتحام المخيم بهدف ما وصفه بمحاولة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي يصل عدد مقاتليه -حسب مصادر النظام- إلى حوالي ألفي مقاتل، مضافًا لهم عناصر «جبهة تحرير الشام» المتواجدة أيضًا داخل المخيم.

عسكريًّا، تهدف هذه الحملة إلى استعادة النظام لكامل المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، وتأمينها بعدما سيطر على الغوطة الشرقية التي بقيت لسنوات المعقل الأبرز لفصائل المعارضة، ويرتكز القصف الآن على منطقة معبر «يلدا» الذي يربط المخيم بيلدا وبيلا وبيت سحم، تلك المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية.

لكن تحقيق هذا الهدف العسكري تسبب في تناثر الجثث والأشلاء في شوارع المخيم، أما الجرحى فقد عجز الجميع عن إسعافهم تحت وطأة القصف الكثيف والمستمر، وخرج مستشفى فلسطين الوحيد في المخيم عن الخدمة، وتركت تحت أنقاضه جثمان المسعف الفلسطيني «جمال سميح حميد» برأس مقطوع.

وبسبب انقطاع وسائل الاتصال لا يعلم الناشطون السوريون الذين طردهم تنظيم الدولة من المخيم كم عدد المدنيين العالقين في بيوتهم أو في الأقبية، ومن منهم حي يرزق أو شهيد أو جريح، ولذلك قالت المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) في دمشق كريس جانيس إن: «النزوح مستمر؛ إذ ينتقل الناس إلى منطقة يلدا المجاورة للفرار من القتال، بعض الأسر مستقرة في اليرموك، إما لأنها لا تستطيع الانتقال بسبب احتدام المعارك، وإما لأنها اختارت البقاء، الوضع الإنساني في اليرموك ويلدا لا يحتمل».

تمكن «ساسة بوست» من التحدث إلى الناشط الفلسطيني من الجنوب الدمشقي مجد المصري، فأكد أن المخيم يتعرض منذ بدء النظام السوري والميليشيات الشيعية الحملة ضد (داعش) لمئات الغارات من الطيران الحربي الروسي، ومئات البراميل المتفجرة، ومئات من صواريخ «أرض- أرض»، وتابع القول: «الوضع مأساوي للغاية، لا نستطيع إحصاء أعداد الشهداء وأسمائهم، استطعنا توثيق البعض، لكن هناك أعداد مجهولة لم نستطع التأكد منها بسبب القصف الهائل، والقصف مستمر حتى هذه اللحظة».

صور للدمار الذي لحق بالمخيم (المصدر: صفحة مخيم اليرموك على فيسبوك)

ويضيف المصري: «الناس داخل المخيم محاصرة داخل الأقبية، لا يتوفر لديهم ماء ولا أي شيء، فمعظم الأقبية تعرضت للقصف، ووضع الأشخاص بداخلها مجهول، كما أن المستشفى الوحيد داخل المخيم التابع للهلال الأحمر الفلسطيني تعرض للقصف، ودمر بالكامل».

فيما يقول المنسق العام لتجمع «مصير» أيمن فهمي أبو هاشم إن الوضع الإنساني في المخيم كارثي إلى أبعد الحدود، إذ يواجه قرابة 5 آلاف مدني ما زالوا داخله خطر الإبادة الوشيكة، بسبب الغارات الجوية المتواصلة التي تقوم بها طائرات النظام والطائرات الروسية كل دقيقة تقريبًا، إضافة إلى صواريخ «أرض- أرض» وبراميل متفجرة وصواريخ الفيل وراجمات الصواريخ، ويؤكد أبو هاشم أن الأهالي في مخيم اليرموك غير قادرين على دفن جثامين الضحايا بسبب شدة القصف، عدا عن افتقاد المدنيين كافة مقومات الحياة من طعام وأدوية.

وقبيل هذه الحملة العسكرية، عاش مدنيو اليرموك منذ خمس سنوات «جحيمًا» لم يستطعوا الهرب منه إلى الأحياء المجاورة، فقد دفع فقدان أبسط مقومات الحياة سكان المخيم لتناول النباتات السامة، وذبح القطط والكلاب؛ من أجل البقاء على قيد الحياة، فالحصار المستمر من قبل النظام السوري والميليشيات الفلسطينية منذ عام 2012 لم يقتصر على منع دخول الدواء والطعام؛ بل قطع كذلك المياه عن المخيم منذ عام 2014، إضافة إلى قطع الكهرباء والاتصالات.

«النظام لا يهمه إلا تدمير المخيم»

في 21 من أبريل الجاري، بدأ مقاتلو المعارضة السورية بالانسحاب من منطقة القلمون الشرقي (شمال شرقي دمشق)، بعد اتفاق مع النظام السوري، وبذلك لم يبق إلا جيب واحد محاصر شمالي مدينة حمص.

منطقة أخرى في الجنوب الدمشقي كان من المفترض أن يشملها اتفاق مشابه ، هي مخيم اليرموك، وبالفعل أُعلن في هذا الشهر التوصل إلى اتفاق بين النظام السوري وداعش، يقضى بخروج التنظيم نحو البادية السورية، ويرى المحللون أن الهدف من انتقال عناصر داعش إلى البادية هو إعادة إحياء التنظيم في تلك المنطقة الصحراوية التي تبلغ ضعف مساحة سوريا، فعملية نقل العناصر إلى هذه المنطقة ستؤدي إلى توسيع التنظيم الذي سيعمل على إحياء نفسه من جديد.

لكن هذا الاتفاق لم يتم تنفيذه؛ بل بدأ النظام حملته العسكرية سابقة الذكر وهو مستمر بها حتى الآن، ويؤكد شهود عيان لـ«ساسة بوست» أن النظام حتى هذه اللحظة لم يستهدف مقرات داعش، كما لم يُر أي مسلح من التنظيم في المخيم، فالقصف يرتكز على منازل المدنيين، وتدمير المنشآت بغية عدم عودتهم إلى هذه المنازل في حال تم التوصل إلى اتفاق.

يشدد أيمن أبو هاشم على أن تدمير المخيم عن بكرة أبيه هو الهدف الأساسي للنظام السوري بذريعة محاربة داعش، ويفسر ذلك إصرار النظام على تأجيل تنفيذ اتفاق اخلاء المخيم مع داعش إلى البادية السورية، رغم موافقة التنظيم على ذلك قبل العملية الأخيرة بيومين، ويعقب بالقول: «هذه فضيحة جديدة تضاف إلى جرائم النظام في تهجير المدنيين من بيوتهم، فتدمير عاصمة الشتات الفلسطيني تستفيد منه في المقام الأول دولة الاحتلال الإسرائيلي، والنظام سينفذ اتفاقه مع داعش حال تدميره ما تبقى من المخيم».

ويختم أبو هاشم بالقول لـ«ساسة بوست»: «من المعيب أن يجري كل ذلك في ظل صمت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عن جريمة إبادة اليرموك التي هي استمرار لنهج النظام في قتل الفلسطينيين منذ مجزرة مخيم تل الزعتر التي ارتكبها عام 1976، ومن العار أن يتواصل هذا الصمت في الوقت الذي تشارك به ميليشيات فلسطينية مأجورة في تدمير المخيم مع النظام».

القصف ينال من مساجد اليرموك (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

يذكر أن هناك خمس مناطق رئيسية خارجة عن سيطرة النظام في الجنوب الدمشقي، أكبرها منطقة بلدات «يلدا» و«ببيلا» و«بيت سحم» التي تسيطر عليها فصائل من المعارضة المسلحة، أما منطقة «الحجر الأسود» فهي معقل داعش، فيما تعد المنطقة الخامسة هي «مخيم اليرموك» التي يسيطر على الجزء الأكبر منها داعش أيضًا، وتسيطر «جبهة تحرير الشام» على جيب صغير في غرب المخيم، في حين يسيطر النظام وميليشيات فلسطينية على القسم الشمالي منه. وفي حال نجح النظام السوري في دخول مخيم اليرموك والمناطق المحيطة به، تتبقى يلدا وبيت سحم وببيلا آخر مناطق خارج سيطرة النظام في دمشق وريفها.

تدمير «اليرموك» لتخفيف التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران

يعتبر مخيم اليرموك بالتحديد والجنوب الدمشقي ككل مناطق ساقطة عسكريًّا، فالفصائل التي تعادي النظام السوري وتسيطر عليها هي فصائل قليلة العدد والعتاد العسكري، هذا التعامل مع المخيم من قبل النظام يطرح تساؤلًا حول الأسباب التي تقف وراء تركه المخيم طيلة الفترة السابقة.

يجيب عن هذا التساؤل الكاتب السوري عماد ديوب، فيؤكد أن تدمير المخيم «لا يستند إلى أية حجة واقعية، فالمخيم وحيا الحجر الأسود والتضامن مناطق هامشية من حيث عدد المقاتلين فيها، وداعش مكروهة من كل الفصائل الإسلامية وغير الإسلامية الرافضة للنظام، وبخروج كل مسلحي الغوطة، وبمعاداة فصائل بلدات الجنوب (داعش)، تصبح أية حجة لتدمير المخيم لاغية».

ويتابع ديوب القول في مقاله «عندما تدمّر الممانعة مخيم اليرموك» المنشور في صحيفة «العربي الجديد»: «يستطيع النظام استعادة المخيم بقوات محدودةٍ؛ بل إن بمقدوره عقد اتفاقية لإخراج داعش، كما حال اتفاقيته مع داعش، القلمون الغربي من قبل، وربما تسجّل مبرّرات التدمير ضمن سياسة تخفيف التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران، إذ إن هناك تصعيدًا كبيرًا بينهما، ولا سيما بعد قصف الأولى مطارات الشعيرات والتيفور والضمير؛ تدمير رمزية مخيم اليرموك مهم لإسرائيل».

فيما يؤكد رئيس الهيئة العامة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في الحكومة السورية المؤقتة فهمي أبو هاشم أن: «النظام كان له دور في استجرار تنظيم داعش إلى داخل المخيم بهدف استثمار الأمر سياسيًّا، خصوصًا خلال المفاوضات السياسية في جنيف وسواها، وإبراز دوره كمحارب للإرهاب الذي بات يهدد العاصمة دمشق، فضلًا عن سعيه إلى تسعير الصدام بين تنظيم داعش وفصائل المعارضة التي تقاتله في محيط دمشق، بهدف إضعاف الطرفين».

ويضيف لـ«العربي الجديد»: «الهدف النهائي للنظام هو تدمير المخيم ومسحه عن الخريطة، على غرار مخيمي تل الزعتر ونهر البارد في لبنان، وذلك بهدف منع عودة سكانه إليه، وتقديم ذلك هديةً لإسرائيل».

السلطة والفصائل الفلسطينية تغض الطرف

قبل ربيع عام 2011، كانت منطقة الجنوب الدمشقي تضم أكثر من مليوني نسمة، قرابة المليون منهم يقطنون في مخيم اليرموك وحده، فالمخيم هو مركز الحركة الفلسطينية تاريخيًّا، ففيه مقرات لكل الفصائل الفلسطينية، وفيه أكبر خزان بشري للمقاتلين الفلسطينيين في الشتات، وحتى أنه كان يعتبر منطقة آمنة لمعارضين سوريين.

سكان اليرموك أثناء محاولات الحصول على مساعدات إنسانية– أرشيف

لكن الأوضاع بعد الانتفاضة السورية تسببت في جعل المخيم يقتصر على وجود نحو 4 آلاف فلسطيني محاصرين داخل أحيائه في مساحة تصل إلى نحو كيلومترين، وزادت الأمور سوءًا حين سيطر تنظيم داعش على الجزء الأكبر (70%) من المخيم، فضلًا عن أجزاء من حيي الحجر الأسود والتضامن المحاذيين له، فيما تسيطر جبهة النصرة على 20%، والفصائل الفلسطينية على 10%.

كانت الأوضاع التي تنال من المخيم محل صمت التنظيمات والحكومات الفلسطينية، فلم تحرك ساكنًا لنصرة المخيم، يقول الناشط الفلسطيني في مجال حق العودة، نزار السهلي: «رسالة القيادات الفلسطينية، ومعظم أمنائها العامين الذين يتخذون مكاتب لهم في حيي المزرعة والمزة، وفي رام الله وغزة، كانت نظرتهم إلى مخيم اليرموك، من باب الموقف لجهة عدم الانخراط، في ما أطلقوا عليه (الأزمة) أو (اندلاع الأحداث)، وهما مصطلحان يؤمنان الهروب من مواجهة الحقيقة، في الثورة السورية، التي تعرّض أبناؤها لحملة منظمة من القتل والمجازر التي دأب على إنكارها أصحاب نظريتي (الأزمة والأحداث)، وصولًا إلى ترديد ما يُكتب في أروقة الفروع الأمنية لبيانات فصائلية فلسطينية».

ويضيف في تحليل سياسي معنون بـ«عن سيناريو مخيم اليرموك»: «شكّلت معظم المواقف الرسمية الفلسطينية الغطاءَ الفعلي لجرائم حصار المخيم، ومقتل العشرات جوعًا نتيجة الحصار، وكان موفدو منظمة التحرير الذين تقاطروا إلى دمشق، يتبنون رواية الفروع الأمنية التي روجتها مكاتب الفصائل».

ويتابع القول: «المستفيد من قصف المخيم، وتدميره، وتهجير سكانه، وقتل المئات منهم تحت التعذيب، واعتقال الآلاف في زنازين لا يحلم ذووهم بزيارتها أو السؤال عنهم؛ بالتأكيد هو من يتمتع باحتلال هضبة الجولان وفلسطين؛ إذ إن جواره محكوم بفاشية مطلقة، تركت له هوامش مناورة واسعة، فيما بقيت تلك المدن والأحياء وذاكرة السوريين مستهدفة، حتى لا يُعاد جمع رواية المعاناة والتمرد والثورة. ولم يعرف الطاغية بعدُ أن جرائمه تركت ملايين الأسباب، لملايين الثورات عليه وعلى نظامه، ليس في اليرموك وحسب؛ بل في كل بقعة سورية وعربية يسكنها حرّ».