كُتب على سكانه أن يكونوا من اللاجئين، أو من أبناء الطبقة المُعدمة، ما يَقرُب من مليون نَسمة تسكن في مساحة لا تتعدى الـ2.1 كم، في النزاع بين السلطات المختلفة يستخدم كأداة للضغط، ليس فقط لأنه “مخيم للاجئين” ولكن كأرض يعيش عليها كل من ضاقت به سبل العيش في خارج مساحته المحدودة جدًا، به يعيش قرابة الـ200 ألف لاجئ فلسطيني الأصل، والباقي سوريون لم تقوَ قدرتهم المالية على العيش في مكان غيره. من ضمن خمسة مخيمات للجوء بـ”سوريا” موزعة على ست مدن وُجد “اليرموك” غير أنه أكبرهم من حيث عدد اللاجئين به، وأصبح رمزًا للعودة، وبات يُعرف بـ”عاصمة الشتات الفلسطيني”.

واستكمالًا للشتات الذي لطالما عانوا منه منذ 1948، تتجدد المأساة مرة أخرى باندلاع الانتفاضة السورية ضد نظام بشار الأسد فتطال المخيم كما طالت باقي أرض سوريا، فينزح أكثر من نص سكان المخيم ومن لم يلُذ بحياته يبقى فريسة بين مطرقة النظام، وسندان داعش ومواليها.

وفي هذا التقرير تَتّبع للأحداث التي مرّ بها المخيم منذ تأزم الوضع في سوريا، ونبذة تاريخية عن نشأته.

اليرموك.. ليس مخيمًا!

على الرغم من أنه التجمع الأكبر للاجئيين الفلسطينيين بسوريا، إلا أن الأونروا لا تعترف باليرموك كمخيم للاجئين، كان المخيم يضم أربع مستشفيات ومدارس ثانوية حكومية وأكبر عدد من مدارس الأونروا، وترعى الأونروا مركزين لبرامج المرأة لتقديم الأنشطة الخارجية، وتعد نسبة المتعلمين فيه من أعلى النسب ليس على مستوى المخيمات بسوريا فقط، بل على المستوى العربي.

اليرموك الذي تم تأسيسه في 1957، ويقع على بعد عدة كيلومترات جنوبًا من العاصمة “دمشق”، وهو يعد الفاصل بين دمشق وريفها وتحفّه الأحياء الشعبية السورية.

كان المخيم يتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا، وصدر قانون في 1956 – أي قبل عام من إنشاء المخيم- يساوي اللاجئين الفلسطينيين بالمواطنين السوريين، الأمر الذي جعل تماهي اللاجئين مع المجتمع سهلًا.

توالت التغيرات العربية من حول القضية الفلسطينية وتقلد حزب البعث السوري القيادة وكانت أيديولوجيته القائم عليها هي أن يكون نظامًا ممانعًا ويدعم القضية الفلسطينية، الأمر الذي لم يدم كثيرًا حتى نشبت خلافات بين الرئيسين الراحلين: ياسر عرفات وحافظ الأسد، تعرض إثرها المخيم إلى حملات أمنية موسعة شهدت اعتقالات وتقييد ومراقبة بتهمة الانتماء لـ”فتح”.

فبدأ المخيم شيئًا فشيئًا بالانسحاب من دائرة الضوء والتركيز إلى كونه مجرد مكان لإيواء اللاجئين ومن تعثرت ظروفه المعيشية من أهل الداخل السوري.

مع بداية الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، حاول المخيم أن ينأى بنفسه عن الصراع الدائر ويُجنب قاطنيه ما يمكن أن يحدث لهم إذا ما أظهروا موقفًا، لكن لا تسير الأمور في كل الأوقات وفقًا للخطة، فبعد أن أعلنت حركة حماس رفضها للنهج الذي يتبعه النظام في مواجهة الاحتجاجات السورية ضده، ولموقعه المتميز بدأ المخيم يحتضن الفارين من القصف على دمشق وريفها، فأصبح ملجًا لكلٍّ من الفلسطينيين والسوريين، ومع تصاعد الاحتجاجات بدأ مسلحو المعارضة محاولة دخول المخيم، فدخل بعضهم للاحتماء به، غير كتائب أكناف بيت المقدس التابعة لحماس الموجودة به بالأساس لحمايته، فأصبح المخيم هدفًا للنظام.

اليرموك تحت القصف والحصار أيضًا

بدأ الصراع ينتقل لداخل المخيم في نهايات 2012، حيث وقعت اشتباكات بين مسلحي المعارضة – الجيش السوري الحر، ومسلحين إسلاميين وكتائب أكناف بيت المقدس الفلسطينية وزهرة المدائن- وبين الجيش النظامي.

وللمرة الأولى وفي 16 ديسمبر 2012، قام سلاح الجو السوري بقصف المخيم، سقط على أثرها 25 قتيلًا كانوا يحتمون في 3 مراكز للنازحين، وبين كرٍّ وفر، تعلن المعارضة المسلحة سيطرتها على جزء فيقوم النظام بقصفه قصفًا عنيفًا ليصبح غير موجود بالأساس وصولًا إلى الحصار.

بدأ نزوح العوائل المختلفة قبل الحصار حتى وصل عدد من بقوا بالمخيم ما يقدّر بـ30 ألف شخص معظمهم من الفلسطينيين الذين لم تسعفهم قدرتهم على الفرار.

بدأ الحصار بشكل كامل في 18 يوليو 2013، حيث حوصر المخيم من كافة الجهات من النظام بكتائب مختلفة التسليح منها كتائب مسلحة بالصواريخ، ومصير أي شخص يحاول الخروج من المخيم هو الموت برصاص القناصة المنتشرين بكثافة.

في اليوم الـ 170 للحصار كان قد سقط ما يقرب من 30 شخصًا جراء الجوع، هذا غير نفاد الطعام وحتى فضلاته، بدأ سكان المخيم بالاعتماد على الحشائش كغذاء، لعدم وجود غيره.

وفي فيلم قصير مدته 9 دقائق يحكي صنّاعه 4 حكايات للحصار من داخل المخيم، عنوان الفيلم “الحصار” ونُشر على الإنترنت بتاريخ 3 أبريل 2015.

وبعد آخر مشهد في الفيلم يقول صناعه:

تم إنجاز هذا الفيلم خلال مدة أربعة شهور، فقد خلالها عبد الرحمن، أحد مخرجي هذا الفيلم، والده برصاصة قناص من قبل النظام.

تعرض عبد الله أحد مخرجي هذا الفيلم إلى محاولة اختطاف.

اغتيل فراس الناجي منسق مركز وتد والشريك في صناعة هذا الفيلم.

استشهد جمال خليفة، أحد مخرجي هذا الفيلم، خلال هجوم داعش الأخير على مخيم اليرموك.

هذا جزء صغير من حكاية جنوب دمشق المحاصر.

الفرق المتصارعة بالمخيم.. من ضد من؟

لم يقف الأمر عند حد حصار النظام وتجويعه للاجئين، فانضم تنظيم داعش أيضًا ليصبح الأمر أكثر سوءًا، حيث قامت مناوشات بين أكناف بيت المقدس وداعش على أثر اغتيال القيادي في حماس “يحيى حوراني”، والذي اتهمت الأكناف داعش باغتياله، فبدأت داعش باقتحام المخيم جنبًا إلى جنب مع مقاتلي النصرة، الذي كان أميرها في اليرموك “أبو جعفر” قد بايع داعش في وقت سابق قبل اقتحام المخيم.

وتشهد الساحة تنسيقًا عاليًا بين الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، وجيش الإسلام والأبابيل وشام الرسول ضمن غرفة عمليات نصرة أهل المخيم، حيث قام مجاهدو الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام بالهجوم على منطقة الحجر الأسود فتم حصار مقاتلي داعش وبعض من ساندها هناك وبدء التمشيط بين الحارات من جهة فرن العائدي.

تضارب في الأخبار بين أبواق إعلامية لتنظيم الدولة يعلن سيطرته على 80% من المخيم وسعيه للخلاص من المرتدين والخونة وقطع رؤوسهم، وبين بيانات للأكناف تعلن ثباتهم ومناشدة باقي الفصائل للتدخل والوقوف بجانبهم، وبيان من جبهة النصرة يعلن أنه يقف على الحياد حقنًا للدماء، وينفي وقوفه مع تنظيم الدولة فيما سمي بـ”غزوة اليرموك”، الأمر الذي نفاه نشطاء من داخل المخيم. تظل الحقيقة ملتبسة وسط الصخب الحادث والرؤية الغائمة.

بيان من جبهة النصرة لنفي قتالها إلى جانب داعش

بيان جيش الإسلام عن مشاركته في قتال داعش إلى جانب الأكناف

موقف السلطة وحماس من اقتحام المخيم

اتفق الطرفان على اتخاذ نفس الموقف بأن “يتوحد الجميع ويهبوا لإنقاذ المخيم، وإجلاء المسلحين من المخيم”.

وكانت الرئاسة أعلنت أنها تقوم بـ”سلسلة من الاتصالات المكثفة مع أطراف عربية ودولية وإنسانية” لإنقاذ المخيم من المأساة التي يعايشها.

في الوقت نفسه قام أحمد أبو فؤاد نائب الأمين العام لـ”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” بدعوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى عقد جلسة مفتوحة لمتابعة أحداث مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق، ووضع خطة للتحرك السياسي دوليًّا وعربيًّا لإنقاذ المخيم وإخراج المسلحين جميعًا منه وفي المقدمة عناصر “داعش”. وسرعة إنقاذ الشعب الفلسطيني الذي وقف على الحياد في الأزمة على حد تعبيره.

وناشد “صلاح البردويل” القيادي في حركة حماس الجميع للوقوف صفًّا واحدًا لإنقاذ المخيم، مطالبًا الأمة العربية والإسلامية بالتدخل العاجل لوقف المذبحة الواقعة بحق الفلسطينيين.

 وطالب الفصائل بعدم الدخول في صراعات وحسابات ضيقة، وقال: “لتقف كل فصائل شعبنا صفًّا واحدًا في وجه هذا الظلم لتجنب شعبنا هذه المظلمة الكبيرة”.

وقام “محمد دحلان” القيادي بحركة فتح بالتنديد بالجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين بالمخيم، وقال في حسابه على فيسبوك: “إن تلك العصابات الإجرامية المتسترة بالدين ترتكب في هذه اللحظات أبشع الجرائم بحق المشردين والمحاصرين من أبناء مخيم اليرموك”.

وتابع أن الدم الفلسطيني لن يذهب “سدى”، وطالب جميع الفصائل الفلسطينية باتخاذ موقف موحد من تنظيم داعش والوقوف ضد جرائمه في حق الفلسطينيين.

في الوقت الذي كانت فيه كل الفصائل تُدين ما يحدث وتتحدث عن ضرورة تدخل العالم لإيقاف المأساة التي تحدث بالمخيم، كانت داعش والنظام يتناوبان على إسقاط المخيم، من أسمت نفسها بالدولة الإسلامية والتي قالت إنها تسعى لتطهير الصف الإسلامي من أجل تحرير الأقصى كانت تذبح وتقتل ما يقرب من 20 شخصًا ممن هُجروا وعاشوا حياتهم كلها كلاجئين وقامت بتسميتهم بالـ”مرتدين”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد