في 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، تحل ذكرى وفاة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، ويعيد ذلك طرح الكثير من الأسئلة، واجترار الذكريات حول حقبة عرفات وما رافقها من تطورات سياسية جوهرية في القضية الفلسطينية، بدءًا من مسار السلام الذي انتهجه بتوقيع اتفاق أوسلو، وحتى «ردّته» عن هذا المسار بتوفير دعم للانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت ضد الاحتلال بداية القرن الحالي.

ما قبل انهيار مشروع السلام «الحقيقي»

على الرغم من كل الضغوط المحيطة التي التفت حول القرار السياسي الفلسطيني، وخصوصًا الواقعة على ياسر عرفات باعتباره قائدًا للشعب الفلسطيني، وله مكانته التأثيرية الخاصة، إلا أن عرفات وجد في إسحاق رابين رئيس حكومة الاحتلال شريكًا «حقيقيًا» للسلام، وقرر المضي معه في بناء هذا المشروع، كما يقول المقربون منه.

«رابين يطمح نحو السلام الصادق»؛ هكذا كان يقول عرفات عنه،  فهو أول من اقترح فكرة بدء المحادثات السرية بين المنظمة وممثلي الحكومة الاسرائيلية في النرويج، كما يقول أمين عام مجلس الوزراء في عھد عرفات، أحمد عبد الرحمن في كتابه الذي أصدره بعنوان «عشت في زمن عرفات»، مضيفًا: «مفاوضات بین المنظمة وحكومة إسرائیل؟ هذا العرض كان رسالة ضمنية للقيادة الفلسطينية من رابين، أن الحديث حول مشروع سلام أمر جدي، وكان توجه الوفد الإسرائيلي يعني اعتراف حكومة رابين بالمنظمة ممثلًا عن الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يعني في النهاية الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني».

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات

ويضيف: «كانت عملية السلام تمشي في الجهة الصحيحة تمامًا، رابين وعرفات، آمنوا بصدق المشروع الذي مشوا فيه، وحاول كل طرف فيهم أن يترجم هذا الإيمان بخطوات فاعلة على الأرض، فكان التيسير لإنجاز كل ما يجري الاتفاق عليه، يمكن القول أنه ظهر خلال المرحلة الأولى من توقيعه التي بدأت في 13 ديسمبر (كانون الأول) 1993».

وعُقد أيضًا «اتفاق غزة-أريحا»، وسمي «الاتفاق التنفيذي لأوسلو»،  ووُقع في 4 مايو (أيار) 1994، وتضمن الخطوة الأولى لانسحاب إسرائيل من غزة وأريحا وتشكيل السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وأُتبع باتفاقين تنفيذيين: «اتفاق باريس الاقتصادي» في يوليو (تموز) عام 1994، وينظم العمالة الفلسطينية والعلاقات المالية والاقتصادية بين الطرفين، و«اتفاقية طابا أو أوسلو2» عام 1995، وعُرفت بـ«اتفاقية المرحلة الثانية من انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية»، إذ تعهدت إسرائيل بالانسحاب من ستة مدن عربية رئيسية و400 قرية في بداية عام 1996، وانتخاب 82 عضوًا للمجلس التشريعي، والإفراج عن معتقلين في السجون الإسرائيلية.

  • لكن رافق أجواء اتفاقية طابا، ارتكاب جنود ومستوطني الاحتلال الإسرائيلي، جرائم ضد الفلسطينيين، وخاصة في الضفة الغربية، أشهرها مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل جنوبي الضفة، والتي نفذها المستوطن المتطرف اليهودي باروخ جولدشتاين، فقتل 29 مصليًا فلسطينيًا وجرح 150 آخرين، إلى أن انقض عليه مصلون آخرون وقتلوه.

آثار دماء الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال مجزرة الحرم الإبراهيمي، مصدر الصورة: الجزيرة

كانت هذه الحادثة، بداية تصعيد اليمين الإسرائيلي ضد مشروع السلام الذي يقوده رابين مع عرفات، والذي كان من المفترض أن يكون اتفاق طابا هو المرحلة الثانية التي ستتلوها مفاوضات الوضع النهائي والقضايا الكبرى، مثل: القدس والمستوطنات واللاجئين والترتيبات الأمنية، والحدود، إضافة إلى التعاون المشترك.

وبالتزامن مع ذلك أيضًا، كانت العمليات الفدائية للفصائل الفلسطينية الرافضة لاتفاق السلام تتصاعد، لكن تحت رقابة أمنية صارمة من أجهزة السلطة، التي لا زالت تبدي الالتزام بمحادثات السلام.

«بالدم والنار سنطرد رابين»

بعد اتفاق طابا، صعد اليمين الإسرائيلي والمتطرفون المناهضون لعملية السلام، حملاتهم التحريضية الواسعة ضد صاحب مشروع السلام إسحاق رابين، وحاولوا قلب الشارع الإسرائيلي على رابين. فقبل شهر من عملية الاغتيال، ناقش البرلمان الإسرائيلي المرحلة الثانية من اتفاقية أوسلو، وتزامنًا مع جلسة البرلمان، عقد في القدس تجمّع إسرائيلي حاشد، دعا إلى إلغاء الاتفاقية وإيقاف خطوات الحكومة.

كان المحتجّون يرددون هتافات قاسية: «بالدم والنار سنطرد رابين، رابين الخائن، الموت لرابين»، وقيل إن  بعض المتظاهرين حملوا لافتات تُظهر رابين بزيّ جندي نازي. هذه الشعارات، هيأت الأجواء  لعملية اغتيال قادمة، لم يشهد تاريخ العلاقات الإسرائيلية الداخلية لها مثيلًا، وأمام تحريض اليمين الإسرائيلي الفج، خرج مناصرو السلام في مسيرة مضادة وسط تل أبيب «نعم للسلام، لا للعنف»، نظّمتها حركات اليسار، لدعم حكومة رابين.

خشى رابين من المشاركة في المظاهرة، ليس لأنها قد تكون خطرًا على حياته، وإنّما خوفًا من أن يكون حشد المتظاهرين قليلا، مقارنة بمظاهرة المعارضين الكبيرة التي خرجت في القدس، لكن هذا الخوف تبدد لما وصل المسيرة، ووجد عشرات الآلاف من الناس تقف إلى جانبه وتدعمه.

شعار أنصار رابين والسلام، مصدر الصورة: BBC

في نهاية المظاهرة، صعد رابين على منصة الفعالية، وقال: «آمنتُ دائمًا بأنّ معظم الشعب يريد السلام، ومستعد لتحمّل المخاطر من أجل السلام. وأنتم هنا، بوقوفكم في هذا التجمّع، تثبتون مع الكثير من غيركم، ممّن لم يأتوا، أنّ الشعب يريد السلام حقّا ويعارض العنف». وما أن أنهى الكلام، حتى ظهر صوت الرصاص، وسقط رابين وقد سكنت جسده ثلاث رصاصات، أطلقها المتطرف اليميني يغيئال عامير.

يغيئال عامير، قاتل رابين، مصدر الصورة: BBC

«عرفات: الفيلم انتهى»

«الليلة التي أُطلق فيها النار على رابين، أنا علمت من مصدر صحفي إسرائيلي مهم يدعى رومي شاكيد، حدثني وقال لي أنهم ممنوعون من تناول الحادثة، لكن أريد منك طلبًا: بلغ ياسر عرفات بالذي حدث، وما أريده هو معرفة ردة فعله.

ذهبت إلى أبو عمار وجدته لأول مرة يشاهد التلفزيون، أبو عمار لا يشاهد التلفاز أبدًا ولا يعرفه، وكان قلقًا فقلت له: بعد إذنك يا أبو عمار بدي أشوفك ثانيه واحدة، فخرج.

قلت له: رابين مات. قال لي: إيه؟ قلت له: الخبر أكيد؛ ذهل أبو عمار من الخبر، وهمس لي بكلمة واحدة: خلص الفيلم».

هكذا يروي رفيق ياسر عرفات، فريح أبو مدين والذي يعرف بمخزن أسرار عرفات، لحظة معرفة أبو عمار بحادثة اغتيال رابين. وبالرغم من أنه كان يعلم جيدًا أن اسرائيل لن تعطيه شيئًا، وأنها ستضع له كافة العقبات، لكنه كان مقتنعًا أن هناك بارقة أمل يحملها رابين، لكن غادر معه.

«كامب ديفيد 2» .. إعلان موت أوسلو وولادة الانتفاضة

بعد 14 يومًا من المفاوضات المكثفة بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني تحت الرعاية الأمريكية، في منتجع كامب ديفيد الأمريكي، والتي جمعت الرئيس الأمريكي حينها بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني الجديد إيهود باراك، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، خرجت الأطراف المشاركة صفر اليدين.

وشن الإعلام الغربي حملة ضد الرئيس عرفات لرفضه ما وصفوه بـ «العرض الأمريكي الإسرائيلي السخي»، ووسم الإعلام الإسرائيلي اليميني عرفات، بأنه رجل حرب لا سلام. كان الصدام على مفاصل القضية الفلسطينية: القدس، والاستيطان، واللاجئين، ولم ينجح عرفات في اختراق هذه الملفات.

Embed from Getty Images

يحكي أبو مدين: «كثير من الناس تساءلت، هل كان العرض الأمريكي الإسرائيلي، الذي ظل سريًا، سخيًا فعلًا لأبو عمار؟ وأنه  أضاع فرصة كامب ديفيد مع كلينتون أم لا، أنا أجيب بـ: لا لم يضيع الفرصة، وأبو عمار لم يرض القبول، لأنه رفض أن يكون خائنًا لوطنه، كما أن القادة العرب كافة، أقفلوا هواتفهم ولم يرد عليه أحد، لا ملك ولا رئيس، خصوصًا في قضية القدس التي اقترح باراك ضمها لإسرائيل، فشعر أنه وحيد هناك مع فريقه الذي كان معظمه غير مؤمن بما يقوله أبو عمار-بالإشارة إلى فريق أوسلو حينها- ولكن أولاً وأخيرًا كان هو صاحب القرار».

قال كلينتون  له حينها: «TAKE IT OR LEAVE IT،  هذا ما لدينا ، كاملاً غير قابل للتجزئة» فكان رد أبو عمار عليه: «إذا قبلت فما عليك وقتها سوى حضور جنازتي، بعد كل ذلك، لا يمكن أن أقبل بذلك الاتفاق».

كان العرض الذي قدّمه إيهود باراك، هو وضع القدس تحت السيادة الإسرائيلية تمامًا، وضمّ تجمعات استيطانية كبرى هي: معاليه أدوميم وغِفعات زئيف وغوش عتصيون، إلى القدس، والاكتفاء بمنح السيادة للفلسطينيين على بعض القرى التي جرى ضمّها إلى القدس بعد العام 1967.

«نار أوسلو لا يُطفئها إلا شلالات الدم»

بعد قمة «كامب ديفيد 2»، عاد أبو عمار دون الوصول إلى اتفاق، وكان مملوءًا في هذا بهاجس مقاومة حزب الله التي كبدت إسرائيل خسائر كما يقول أبو مدين، فقرر أن يسعى إلى النضال وغير خط سيره تمامًا، وكان تقديره: «مقتل يهودي واحد منهم، مقابل خمسة فلسطينيين منا يستشهدوا، نحن الرابحين، أوسلو ما يطفيهاش غير الدم».

خلال هذه الفترة، جمدت المحادثات نوعًا ما بين المنظمة والاحتلال الإسرائيلي، لكن الميدان حطم هذا الجمود، وصارت العمليات  الفلسطينية الفردية والمنظمة تتصاعد، وكذلك القتل والقمع الإسرائيلي، حتى تفجرت الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر 2000.

في البداية؛ حذر الرئيس الحالي محمود عباس، من الانتفاضة بقوله إنها «ستقودنا إلى الضياع»، ولكن أبو عمار لم يوافقه، بعدما أدرك عقم أوسلو مبكرًا، وعلم أن الاتفاق وصل إلى طريق مسدود، إذ رأى عرفات أن تصعيد العمل المقاوم ضد إسرائيل، يمكن أن يشكل ورقة قوة يخاطب بها أمريكا واسرائيل، لذلك أرخى القبضة الأمنية التي أطبقت على المقاومين خلال سنوات محادثات أوسلو.

لماذا لم تندلع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة حتى اليوم.. بالرغم من كل ما حدث؟

وسمح عرفات -بحسب أبو مدين- بتسهيل تصعيد العمل العسكري للانتفاضة، عبر الدعم ماديًا ومعنويًا، كذلك تحالف مع حركة حماس التي كانت أكثر المعارضين للاتفاق، إلى جانب باقي الفصائل الأخرى، وبدأت نتائج الانتفاضة تتصاعد يومًا بعد آخر. لا يعني ذلك، أن خيار الانتفاضة كان خيارًا متفردًا ضَبَطَه عرفات، ورضخّت الفصائل من خلفه له، بل كانت الفصائل والجماهير مستعدّة لهكذا خيار وهكذا وجهة، ودور عرفات الحقيقي خلالها كان وقف المضايقات الأمنية للمقاومين وإطلاق سراح بعضهم  من سجون السلطة.

ازدادت الانتفاضة زخمًا في أعقاب حادثة اقتحام شارون للمسجد الأقصى، ومن هنا أمر عرفات بتشكيل كتائب شهداء الأقصى، ذراعًا عسكريًا لحركة فتح، وشارك من خلالها في قيادة خطّ الانتفاضة العام، إلى جانب عناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة.

وفي شهر يونيو (حزيران) من العام 2001، وأمام ما خلفته الانتفاضة، جاءت خطة «تينت» لوقف إطلاق النار، والتي بمقتضاها تلتزم كلّ من الأجهزة الأمنية الاسرائيلية والفلسطينية الهدوء، وتضمنت الخطة ثلاثة محاور رئيسة؛ وضع حدٍ للعنف، وإعادة بناء الثقة بين الطرفين، واستئناف المفاوضات. غير أن عرفات، رفض تفاهمات «تينت»، والموافقة على وقف إطلاق النار دون حصد أي من المكاسب الحقيقية، على مستوى السياسة والتسوية مع إسرائيل، والتي كانت دافع الرجل في دعم الانتفاضة، واستمر في تسهيل العمل العسكري.

صورة من انتفاضة الأقصى، المصدر: رام الله نيوز

«سفينة نوح».. إعلان الحرب الذي قتل عرفات

أيقن ياسر عرفات، أن مستوى التسليح والعسكرة للمقاتلين الفلسطينيين، لن يمكنه من الخوض أكثر في المعركة المفتوحة مع الاحتلال، خصوصًا أمام ترسانة إسرائيل العسكرية، ليشكل عرفات  شبكة تضم قيادات، تتولى مهمة جلب الدعم وشراء السلاح من الخارج وإيصاله إلى الأراضي المحتلة.

وفي صبیحة الرابع من يناير (كانون الثاني) 2002، خرجت الصحف الإسرائیلیة بعناوین صاعقة لعملیة أطلقت عليها إسرائيل، سفینة نوح، أعلنت خلالها ضبط سفینة أسلحة ضخمة تحمل اسم «كارین إيه» في البحر الأحمر على بعد 500 كيلومتر من ميناء إيلات. كانت السفينة آتية من إيران محملة بمعدات عسكرية يصل وزنها 50 طنًا من الأسلحة المختلفة، صواریخ وقاذفات وراجمات وقنابل وألغام مختلفة، وصواريخ مضادة للدروع بینھا صواریخ من نوع «ساغر»، ومواد متفجرة متطورة من نوع «C4» وقوارب مطاطية وأدوات غوص وأسلحة رشاشة وصاروخية.

إشارات الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية.. هل تشبه ما يجري في القدس اليوم؟

ورغم بعد المسافة الفاصلة بین السفینة والأراضي الفلسطینیة المحتلة، كان الإسرائيليون على یقین بأن الحمولة متّجھة إلى قطاع غزة، لا إلى الشواطئ اللبنانية. قناعة كشف عنھا تقریر نشرته «إي إف إي ریسیرتش» المختصة بموضوع الاستخبارات والأمن، والتي أشارت إلى أن الاستخبارات الأمريكیة الإسرائیلیة، كانت تراقب السفينة من لحظة انتقالھا من میناء بندر عبّاس الإیراني، ظنًا منها أن الحمولة موجھة إلى حزب الله. غیر أن أحد أفراد الطاقم تحدث عن الوجھة في أجھزة الاتصال اللاسلكیة، والتيّ كان یتنصت علیھا رجال الاستخبارات الأمريكیون، خارقًا الإرشادات الواضحة التي حذرت الطاقم من التكلم في ھذا الموضوع والحفاظ على «صمت تام في أجھزة الاتصالات».

إسرائیل سارعت إلى اتھام عرفات بالوقوف وراء شحنة الأسلحة، التي قال مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائیلیة عنها، إنھا لو وصلت إلى هدفها لشكلت نقلة نوعیة في تاریخ الصراع الفلسطیني-الإسرائيلي.

عرفات بدوره، نفى  مسؤولیته متّھمًا إسرائیل بالمناورة، فيما اعتبرت الإدارة الأمريكية، آنذاك، أن «كارين إيه» ودخول عرفات في مسار نقيض السلام، نسفٌ لجهودها في إحلال السلام في الشرق الأوسط بشكلٍ عامٍ. ووجّه حينها جورج بوش انتقاداتٍ حادةً لعرفات، واتهمه بقيادة الانتفاضة، وطالبه بتهدئة الأوضاع من طرفه بدايةً، والإدلاء بتصريحات تطمئن الرأي العام الإسرائيلي.

لحق ذلك أيضًا، موجة من المطالبات والاشتراطات الدولية بضرورة تغيير القيادة الفلسطينية الراهنة، واستبدالها بقيادة جديدة ومختلفة. وبالتزامن مع ذلك، مورست خلال هذه الفترة ضغوطاتٌ ماليةٌ على عرفات، وحجز الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) 2002 على تمويل مخصص للسلطة لحين معرفة طرق استعماله.

وليخفّف عرفات من حدة الضغط الإسرائيلي والأمريكي عليه، في مناورة سياسية، كان قد أوعز لمروان البرغوثي بعقد مؤتمر صحافي مع ممثلي الصحافة الإسرائيلية، لإرسال إشارات طمأنة إلى المجتمع الإسرائيلي. إلّا أن الاحتلال سبق ذلك باغتيال القيادي في كتائب شهداء الأقصى في مدينة طولكرم، رائد الكرمي.

تلك العملية شكلة نقطةً مفصليةً في سقوط وقف إطلاق النار من الجانب الفلسطيني، وبعث الانتفاضة من جديد؛ إذ خرج البرغوثي في المؤتمر يومها، لكن الرسائل تبدلت، فقال «إن لم يكن هناك أمنٌ لسكان طولكرم، فلن يكون هناك أمنٌ لسكان تل أبيب، الهدنة ملغاة وشارون فتح على الإسرائيليين أبواب جهنم».

صعّد الفلسطينيون الهجمات والعمليات الفدائية، حتى وصل عدد القتلى الإسرائيليين في العمليات الفدائية خلال شهر مارس (آذار) عام 2002، ما يقارب 133 قتيلًا، وهو ما لم يحدث من قبل. في مقابل ذلك؛ استغلت حكومة اليمين بقيادة شارون، حادثة «كارين إيه» وطوعتها لتشويه صورة عرفات، لإضعافه سياسيًا، تمهيدًا للتحرك العسكري القادم.

«السور الواقي».. حان وقت القضاء على عرفات

حادثة السفينة، تحولت لصالح خصوم عرفات داخل السلطة، فحتى ما قبل «كارين إيه» كانت تنظر الإدارة الأمريكية بأنها تستطيع تبديل موقف عرفات، لكن السفينة شكلت دليلًا لا يقبل الشك أن عرفات لن يسير في المسار الذي رسموه له، وبالتالي حان وقت استبداله، تمهيدًا  للقضاء عليه.

نمور المرحلة تلك، كان التيار الناعم الذي نشأ ضمن فريق عرفات، دحلان-عباس، الثنائي  الذين كانا محط الأنظار، إذ كانت مواقف هذا الحلف تتعارض مع عرفات، وكانا على خلافٍ حقيقيٍ مع عرفات من ناحية موقفهما من المقاومة وعسكرة الانتفاضة وعملية التسوية، و بدأ هذا الخلاف يأخذ منحىً تصاعديًا، وبدأ كل من دحلان وعباس يزاحمان رئيس السلطة والمنظمة في صلاحياته واختصاصاته، بفيتو أمريكي وإسرائيلي.

أعجزت العوامل الدولية والإسرائيلية وكذلك الفلسطينية الداخلية الضاغطة، عرفات عن الإبقاء على دوره الفاعل في التأثير  بالانتفاضة، وتجلى ذلك على الأرض من خلال إجراءات رقابة مالية صارمة وتقويض لصلاحيات عرفات الأمنية. وافتقد عرفات قدرته في السيطرة على مسار الانتفاضة، لصالح فصائل المقاومة المسلحة التي أخذت الانتفاضة على عاتقها.

كل هذه العوامل التي ذكرت عمومًا، وتصاعد وهج الانتفاضة على وجه الخصوص، دفعت حكومة الاحتلال لتنفيذ عملية اجتياحٍ بريٍّ للضفة الغربية أطلقت عليها «السور الواقي»، وفرض حصار على عرفات في مقر إقامته في مقاطعة في رام الله.

شارون كان قد قال في إحدى تصريحاته، إبان هذه العملية: «سننهي مرحلة عرفات، ونمسخ صورته أمام شعبه». بدأ عدوان السور الواقي، في 29 مارس (آذار) من 2002 وانتهى في يوليو (تموز) من العام نفسه، وخلص بارتكاب جيش الاحتلال مجازر بحق الفلسطينيين. لكن على الجهة الأخرى، دفع ثمن هذه العملية تكلفة باهظة، من خلال عمليات المقاومة الفلسطينية، وخسر  عددًا بشريًا وآليًا لم يكن في حسبان حكومته.

بعد عام من العدوان، طرأ تغير مفاجئ على صحة الرئيس عرفات وتحديدا في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2004، إذ أعلن أطباؤه، بعد التشخيص أنه مصاب بمرض في الجهاز الهضمي. وبعد ذلك تدهورت حالته الصحية سريعًا، وعلى إثر ذلك نقلته طائرة مروحية إلى الأردن ومن ثم أقلته طائرة أخرى إلى مستشفى بيرسي في فرنسا في 29 أكتوبر 2004، إلى أن تم الإعلان الرسمي عن وفاته من قبل السلطة الفلسطينية في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004.

صندوق «كارين إيه» الأسود.. يحكي أسرار العملية

لم يبق سر التنسيق للسفينة مخبوءًا لفترة طويلةً، فبعد وفاة أبو عمار اقتحمت قوات الاحتلال في مارس 2006، سجن أريحا المركزي، الذي كان يضم فؤاد الشوبكي وأحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية، وقادتهم إلى معتقلات «الشاباك»، وبدأ الضغط على الشوبكي لرواية تفاصيل العملية.

فقد علمت إسرائيل أن الشوبكي الذي شغل المسؤول المالي،  طرفًا رئيسًا للعملية، بعدما توصلت المخابرات الأمريكية لطرف القضية، فاعتقلته فورًا وحكمت عليه بالسجن 25 عام. اعترف الشوبكي، أن أبو عمار المسؤول تمامًا عن السفينة، وذلك في تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 18 مايو (أيار) حمل عنوانًا عريضًا: «الصندوق الأسود في مكتب عرفات يفتح أبوابه لجهاز الشاباك».

أبرز زعماء المقاومة الفلسطينية منذ قيام دولة إسرائيل

تضمّن التقرير، بحسب الصحيفة، اعترافات الشوبكي بـ«استخدام أبو عمّار ملايين الدولارات لتمويل صفقات كبيرة لشراء السلاح والمعدات القتالية». وذكرت الصحيفة أيضًا أن الشوبكي أكد في التحقيقات أن من يقف وراء تهريب السلاح على متن سفينة «كارين إيه» كان «حرس الثورة الإيرانية» وحزب الله، مشيرًا إلى أنه التقى مع مبعوثين إيرانيين في دبي خلال عام 2001، واقترحوا مساعدة عسكرية للسلطة الفلسطينية، تضم بناء مصانع أسلحة وتكنولوجيا صنع معدات قتالية وتدريبات عسكرية. وأضاف أن «الأسلحة التي كانت على متن السفينة جرى تمويلها من جانب عرفات شخصيًا، الذي أمر بنقل 125 ألف دولار لتغطية أجرة السفينة».

فؤاد الشوبكي و ياسر عرفات- مصدر الصورة: شاشة نيوز

اعترافات الشوبكي لم تقف عند حدود «كارين إيه» بل تعدتها إلى تفاصيل عن بداية انتفاضة الأقصى، التي تشير إلى الخيار الذي اتخذه أبو عمار حينها. وقال إنه: «مع بداية الانتفاضة وصله أمر من الرئيس ياسر عرفات بأن يشتري أكبر كمية ممكنة من السلاح ومن مصادر مختلفة. وأنه أسس جهاز تنسيق بين الأجهزة الأمنية وممثلين عن السلطة في دول مختلفة أهمها ايران والمقاومة في لبنان حزب الله وعملوا منفذين لصفقات شراء السلاح واستجلابه».

وكَشفت حكومة الاحتلال في وقت لاحق عن أسماء عدد من الخلية التي شكلها عرفات لتحصيل الدعم العسكري، واتهمتهم بعقد صفقات سلاح والتواصل مع إيران وحزب الله، وجلب السلاح وتهريبه إلى غزة إضافة إلى الشوبكي، إذ كان عادل المغربي المسؤول عن المشتريات في السلطة، وجمعة غالي قائد سلاح البحرية في السلطة، ومساعده فتحي عازم، بالإضافة إلى المسؤول المباشر عن شراء الأسلحة الضابط في سلاح البحرية عمر عكاوي، ومن خلفهم جميعًا يقف ياسر عرفات.

بعد ربع قرن على توقيعها.. لماذا فشلت أوسلو؟

يشير الكاتب السياسي أكرم عطالله في مقاله الذي كتبه بعنوان: «أوسلو حرب الاستنزاف السياسي»، إلى  أن أوسلو التي أراد عرفات إطفاءها بخراطيم الدم حملت عوامل الفشل لثلاثة أسباب؛ الأول: أن الفلسطينيين اعترفوا بإسرائيل دون أن يأخذوا اعترافًا مشابهًا من إسرائيل، وكل ما حصلوا عليه هو اعتراف بأحقيّة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية وصلاحيتها للمفاوضات، وتلك كانت سقطة اعترف بها مسؤول ملف المفاوضات الدكتور صائب عريقات.

Embed from Getty Images

الثاني: مرحلية الاتفاق وترك القضايا الأكثر أهمية للمفاوضات النهائية، مثل القدس واللاجئين، مما مكّن إسرائيل من فرض وقائع على الأرض، تمكنت خلالها من سد الطريق على فكرة حل الدولتين بسبب ثغرة أوجدتها تلك المرحلية وتأجيل تلك الملفات. والثالث: طول الفترة الزمنية، مما مكّن اليمين الإسرائيلي من الوصول للحكم وتنفيذ أجندته الرافضة تمامًا لأوسلو تطبيقًا لتعهده بإسقاطه، وهو ما حصل بعد ثلاثة أعوام من الاتفاق ووصول بنيامين نتنياهو للسلطة عام 1996.
أما على الجانب الفلسطيني، فيلخص عطالله الوضع في مقاله؛ قائلا: «ظل السؤال محيرًا، فهذا اتفاق محكوم بسقف زمني محدد لخمس سنوات فكيف تحول هذا المؤقت إلى دائم؟ الجواب ليس بتلك الصعوبة لأن إسرائيل تمكنت من تكبيل النظام الفلسطيني الوليد الخديج، الذي لم يكتمل بعد ويحتاج إلى عناية وأنابيب تغذية ولا يمكن الخروج وحده نحو الحياة، ولم تكن تلك الأنابيب سوى إسرائيلية وفي مستشفى إسرائيلي».

«واشنطن بوست»: بعد 25 عامًا على إبرامها.. ماذا قدمت اتفاقية أوسلو للفلسطينيين؟

المصادر

تحميل المزيد