سُلِّطت الأضواء بعد أحداث ما يعرف بالربيع العربي على اختلاف كبير وتضارب في وجهات النظر في العالم العربي، على وجه الخصوص فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا؛ إذ ذهب البعض إلى اعتبار أن الحزب يركز اهتمامه على الإسلاميين العرب، فيما ذهب آخرون إلى اعتبار ذلك غير دقيق، وأن العالم الإسلامي بكافة ألوانه يأخذ المكانة نفسها في السياسة الخارجية للحزب، وهذا بدوره أيضًا أثار بعض الجدل لدى حلفاء تركيا الأوروبيين.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

ومما لا شك فيه أن قضايا العرب تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل وجهات نظر حزب العدالة والتنمية حول الشرق الأوسط. ففي السابق، ولفترة دامت عقودًا؛ كان واضعو السياسة الخارجية التركية يدرسون في المدارس الغربية، أو التركية العلمانية، ويتكلمون اللغات الأوروبية، ويتطلعون إلى أوروبا لالتهام الأفكار السياسية وتأكيد هوية تركيا الغربية، أما اليوم فيحمل العديد من قادة الحزب شهادات من جامعات في الدول العربية ودول إسلامية أخرى، ويتكلم معظمهم اللغة العربية.

استطـاع «حزب العدالة والتنمية» في تركيا من تاريـخ تأسيسـه عـام 2001 المحافظة على سلطتـه، وذلك بزيـادة أصـوات المنتخــبين لـه في ثــلاث فترات انتخابية متتالية، كما أنه فاز بجميع الانتخابات التي خاضها إلى الآن، ونجح في استفتاءين شعبيين.

التقت «الحياة» البروفسور “ياسين أقطاي” نائب رئيس «حزب العدالة والتنمية»، ومسؤول العلاقات الخارجية في الحزب، ومستشار رئيس الوزراء، وناقشته في العديد من القضايا التي تعد مثار جدل لدى كثيرين.

 

ياسين أقطاي

بخصوص ما إذا كانت تركيا تعلم من سيصل إلى السلطة عندما دعمت الثورات في عدد من الدول العربية، قال القيادي في «العدالة والتنمية» التركي: «لم تكن تركيا تعلم نهائيًا، من سيصل إلى السلطة عندما بدأت الثورات العربية، لأن تركيا دعمتها بالقول وليس بالفعل، يعني وقفت تركيا مع الشعوب وأيدتها، ولم تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، لأن الأمر متعلق بالإرادة الشعبية، من خلال حركة اجتماعية طبيعية. وطلبت تركيا من قيادات هذه الدول، احترام إرادة شعوبها، ولم تطلب منهم التنحي في بداية الاحتجاجات، وكان طلب أنقرة ألا يتعامل القادة مع إرادة الشعوب بشكل عنيف، وأن يتم احترام حقوق الإنسان، واحترام الحياة، لأن ذلك من مبادئ الإسلام».

وأضاف أقطاي: »أيًا كان من وصل إلى السلطة، فقد احترمناه، وقلنا أهلًا سهلًا، على سبيل المثال، وصل إلى السلطة في تونس حزب «نداء تونس»، والذي يعتبر علمانيًا، لكنه أتى من طريق ديمقراطي، وإرادة شعبية، فرحبت تركيا به، وعندما وصلت «النهضة»، أيضًا قلنا لها أهلًا وسهلًا، وعندما جاءت إرادة الشعب في مصر بـ”محمد مرسي”، قالت تركيا أهلًا وسهلًا، ولو وصل أحد غيره إلى السلطة لقالت تركيا له أهلًا وسهلًا. الشيء نفسه بالنسبة لتركيا، لأن ما نحترمه هو حقوق الإنسان وإرادة الشعب في هذه البلاد».

وردًا على سؤالنا، عما إذا كانت تركيا ستتواصل مع بعض الدول العربية، لو لم تصل التيارات الإسلامية إلى السلطة فيها بعد الثورات مباشرة، قال أقطاي: «نعم ستتواصل تركيا مع أية جهة تحكم، إذا كان وصولها للسلطة بطريقة فيها احترام لحقوق الإنسان، وإرادة الشعب، فالله أمرنا أن نكون متواصلين ومتصالحين مع إخواننا، ومعظم الشعب المصري مسلم، وكذلك في تونس، وليس المفروض أن يكون كله إسلاميًا».

وأشار أقطاي أن “حزب العدالة والتنمية في تركيا، مكون من العلمانيين، والليبراليين، والمحافظين من الإسلاميين، وليس كل أعضاء الحزب من الإسلاميين”، وأكد المسؤول التركي أنه «ليس من المهم بالنسبة لتركيا أن تدار كل بلاد المسلمين من قبل الإسلاميين، وفي حال تصرف الإسلاميون بطريقة غير ديمقراطية، أو فيها انتهاك لحقوق الإنسان، فستعترض تركيا على هذا، فنحن نهتم بالمبادئ، ولا نهتم بالأشخاص أو الطوائف».

وأضاف أقطاي: “إن وجود علاقات طيبة بين حزب العدالة والتنمية والإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية أمر صحيح، إلا أن الظن بأن حسن العلاقات هو الذي بات يقرر من سيصل إلى السلطة، هو وهمٌ قد استغله البعض، وفي المحصلة، ما المانع من أن تدعم تركيا حزبًا قد اختير برضا من شعبه؟”

وإذا كان تقدم «نداء تونس» على «حزب النهضة» في انتخابات تونس مؤخرًا، قد أزعج تركيا، قال: «لا، هذا تنافس، والشعب يقرر في هذه المسابقة من هو الفائز، وباركنا للسبسي فوزه في الانتخابات، وكذلك باركنا للنهضة قبولها وموافقتها على نتائج الانتخابات، وقد قامت النهضة بعمل جيد باحترامها نتيجة الانتخابات، فمن يقبل بالانتخابات لابد أن يقبل بكل نتائجها».

ولفت القيادي التركي إلى أنه “كما هي الحال في تركيا، نجح حزب العدالة والتنمية في إدارة البلد، وله الكثير من الإنجازات؛ فرفع مستوى المعيشة، والتنمية، والتطور، ولهذا كان رد الشعب التركي على الحزب في الانتخابات، بأن صوَّتَ له، ولو لم ينجح الحزب في إدارة البلاد، لخسر في صناديق الاقتراع، وعندها علينا أن نحترم إرادة الشعب، ولا يجب أن نكون (إلى الأبد في السلطة). فحين ننجح في الانتخابات، يعطينا الشعب فرصة جديدة للعمل، وإلا فعلينا تجديد أنفسنا، وعلينا أن نرى أنفسنا في المرايا الديمقراطية، من خلال الأصوات في الانتخابات».

 

وفسر القيادي في «حزب العدالة والتنمية» لـ «الحياة» ما ذكره في إحدى مقالاته، لجهة أن جميع اللاعبين في المنطقة بمن فيهم إيران وإسرائيل يعيشون حالة تخبط في الأدوار، وقال أقطاي: «نعم، تظن هذه الدول أنها رابحة، ويعتقد البعض كذلك أنها رابحة في اللعبة الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، ولكن الحقيقة أن إيران وإسرائيل خاسرتان، فبعد الذي جرى في الشرق الأوسط، كلتا الدولتين في حالة حرجة للغاية، ولو تصرفت طهران وتل أبيب بشكل إيجابي في أحداث المنطقة، لربحتا أكثر»، وتابع «كانت إيران قبل أحداث الشرق الأوسط، تخاطب قرابة مليار ونصف مليار إنسان، أي تخاطب كل المسلمين في العالم، لكن الآن ضيقت طهران المجال أمامها، بعدما لعبت هذه الأدوار، في دعم أطراف محددة». وأضاف «يعتقد بعض الناس أن إيران فازت في سوريا واليمن ولبنان والعراق، لكنها في الحقيقة خاسرة، وساحتها انحسرت إلى 120 مليون مسلم شيعي فقط، هذا ليس بمكسب وإنما خسارة، والشيء نفسه مع إسرائيل، بعد أن أصبحت تتصرف وتظن بأن الكل أعداء لها، ولا تستطيع أن تتعامل مع أي نوع من الشعوب الإسلامية، وجوارها من شعوب المنطقة. إسرائيل الآن في سجن، وهي ليست رابحة، ولو تعاملت بطريقة أخرى، أي بالسلم والتقارب مع الشعوب، واحترام حقوق الآخرين، لكانت حالها أفضل».

 

وتحدث أقطاي حول محادثات بلاده في شأن المنطقة العازلة مع سوريا، وقال: «تصر تركيا على إقامة المنطقة العازلة، في حال طلب منها الدخول في الائتلاف ضد داعش، أو ضد ما يحصل في العراق وسوريا، فتركيا لها شروط لأنها تتضرر مما يجري في سوريا، وفي حال شن أية عملية عسكرية هناك، فلابد من منطقة عازلة تحمي بعض اللاجئين في داخل الأراضي السورية، لأن العمليات الجوية غير كافية، وليست مقبولة، وينتج عنها خطر أكبر في النهاية، وتجبر الناس على اللجوء إلى تركيا«.

وفيما يخص الاتفاق الأوروبي الأخير مع تركيا، ومدى تأثيره على اللاجئين السوريين، قال أقطاي: «لا يؤثر على وضع اللاجئين، فما تقوم به تركيا يعجب الدول الأوروبية، لأن تركيا تتحمل مسؤولية إنسانية، وهي مسؤولية تتجاهلها أوروبا، بينما تأخذها أنقرة على عاتقها، وتشكر أوروبا تركيا على هذا العمل مع اللاجئين»، وأشار السياسي التركي إلى «أنه تحدث الكثير من المشاكل، بسبب سهولة الدخول إلى تركيا، حيث يتدفق الكثير من الناس، من كل الأنواع، وربما يكون بين اللاجئين إرهابيون، وربما رجال الأسد وآخرون». أضاف: «لا نستطيع التمييز بين كل الأطياف، فتركيا تهتم بالمسؤولية الإنسانية، عندما يأتي الناس من الخارج ويطلبون إنقاذ حياتهم، تستضيفهم، وتعطيهم هذا الحق بشكل كامل، ولا تعتبرهم لاجئين. إنهم ضيوف، ضيوف الرحمن».

صحيفة الحياة

عرض التعليقات
تحميل المزيد