في الوقت الذي يعاني فيه كوكب الأرض من جائحة عالمية أجبرت البشر على التباعد الاجتماعي للحد من آثار انتشار الفيروس التاجي «كوفيد-19»؛ تدخل الشمس هي الأخرى حجرها الصحي الخاص؛ وهو حالة «السبات الشمسي»؛ والتي تعني أن ما يصل إلى الأرض هو الحد الأدنى من الطاقة الشمسية، نتيجة لضعف المجال المغناطيسي للشمس؛ مما جعل الخبراء يتنبأون بعامٍ بلا صيف، تنتشر فيه المجاعات والانفجارات البركانية. فما هو السبات الشمسي؟ وهل سنشهد عامًا مماثلًا لـ1816 عندما عانت الأرض من موجات برودة قارسة وتساقطت الثلوج في شهر يوليو (تموز)؟

ما هي ظاهرة «السبات الشمسي» وكيف ستؤثر علينا؟

تمر الشمس كل 11 عام في دورتها بمرحلة هدوء نسبي، تعرف بظاهرة تراجع النشاط الشمسي؛ وفيها تطلق الشمس طاقة أقل من المعتاد وقد شهدنا الحد الأدني الأخير من الطاقة الشمسية عام 2009، ومن بعده ابتكر العلماء طرق جديدة يمكنهم بها قياس النشاط الشمسي، منها «مسبار باركر» الشمسي – التابع لوكالة ناسا، الذي يدور حول الشمس منذ 2018 الفائت.

في الأيام القليلة الماضية، حذر علماء ناسا من دخول الشمس مرحلة «سبات» كبرى؛ إذ شهد عام 2020 بالفعل 100 يوم خالية من البقع الشمسية، وبذلك يعتبر هو العام الثاني على التوالي الذي تسجل فيه البقع الشمسية أقل معدل لها؛ وذلك بعدما انخفض معدلها في 2019 بنسبة 77%، وسجل هذا العام شمسًا خالية من البقع بنسبة 76%.

(تأثير النشاط الشمسي على الأرض)

عادةً تتكون البقع الشمسية على سطح الشمس نتيجة خطوط المجال المغناطيسي القادمة من داخل الشمس، لتنعكس على سطحها في صورة بقع داكنة، يمكنك أن تراها عن كثب إن استخدمت أدوات فلكية بسيطة، ويؤثر نشاط البقع الشمسية على مناخ كوكب الأرض بشكلٍ ملحوظ؛ إذ تمر تلك البقع بدوراتٍ يختلف فيها نشاطها بالزيادة أو النقصان، حتى تصل إلى ذروتها كل 11 عامًا لتنهي دورتها، فيما يعرف بـ«الحد الشمسي الأدنى».

تؤثر تلك البقع على قوة الإشعاع القادم إلى الغلاف الجوي؛ مما يلعب دورًا في التغيرات المناخية؛ إذ يعمل زيادة عدد البقع الشمسية على توفير طاقة أكبر للغلاف الجوي، وبالتالي تزداد درجة الحرارة العالمية في المناطق المجاورة للبقع الشمسية، أما خلو الشمس من البقع الداكنة فقد يشي بأعوامٍ أكثر برودة، وشتاء طويل قارس؛ وهو ما يطلق عليه العلماء اسم ظاهرة «السبات الشمسي».

علوم

منذ 3 سنوات
العالم على أعتاب ثورة تكنولوجية بعد نجاح علماء في خفض سرعة الضوء

بحسب صحيفة «ذي صن» البريطانية اليومية، فإن حالة السبات الكبرى التي من المتوقع أن نشهدها في 2020، ظاهرة لم تحدث منذ 400 سنة؛ إذ سجلت الشمس أقل معدل لها من البقع الشمسية على الإطلاق: «صفر».

«سنة بلا صيف».. كيف عاش العالم عام البرد والموت 1816؟

عام 2018، نشرت «Live Science» تقريرًا عن الاحتباس الحراري والسبات الشمسي، وفيه توقع الخبراء أن تشهد الشمس مرحلة سبات كبرى بدايةً من 2020 وحتى 2070؛ وفيها يعيش كوكب الأرض فترة شديدة البرودة؛ قد يكون لها تأثيراتها على التغيرات المناخية.

بينما تستعد الشمس لإنهاء دورتها الحالية في ديسمبر (كانون الأول) القادم لتسجل أقل معدل لها من المجال المغناطيسي، يخشى العلماء من تكرار الأحداث المأسوية للفترة من 1790 وحتى 1830؛ إذ وصلت الشمس إلى حالة سبات عميق، عانى على إثرها العالم من قلة المحاصيل والمجاعات والزلازل والبراكين، وأطلق عليه العلماء «انخفاض دالتون»، والذي اعتبر واحدًا من الفترات قارسة البرودة التي مرت على الكرة الأرضية.

(المجال المغناطيسي للشمس)

في الخامس من أبريل (نيسان) عام 1815 شهد بركان جبل تامبورا بإندونيسيا حركة نشاط غير عادية، وخلال أربعة أشهر انفجر البركان الأكبر في تاريخ البشرية منذ 2000 عام، وراح ضحيته أكثر من 71 ألف شخص. حينذاك تعبأ الغلاف الجوي بـ«سحب» الرماد البركاني التي حجبت أشعة الشمس عن الرؤية وأظلمت السماء، وغطت المحيط بطبقاٍت رمادية كان على السفن أن تجدف خلالها للانتقال من مكانٍ إلى آخر.

نتيجة لهذا الثوران البركاني، بحلول عام 1816، قضى العالم «سنة بلا صيف»؛ تراوحت أيامها بين المطر المستمر والسماء القاتمة؛ مما تسبب في فساد المحاصيل الزراعية وندرة الطعام وارتفاع أسعار المواد الغذائية، فعانى البشر من المجاعة. الجدير بالذكر أن سبات «دالتون» هو الأخير من ناحية القرب الزمني لعصرنا الحالي، إلا أنه لم يكن الأول.

هل سنشهد خلال ثلاثين عامًا «عصر جليدي مصغر»؟

في فبراير (شباط) الماضي، قال علماء بارزون أن الأرض على وشك الدخول في «عصر جليدي مصغر»، قد يستمر مدة 30 عامًا؛ وقد أدى هذا التصريح إلى إثارة الذعر في النفوس من احتمالية نقص الغذاء وصعوبة التعايش في درجات الحرارة المنخفضة؛ كانت تلك التكهنات قائمة على دراسة فترات خاصة في التاريخ شهدت فيها الشمس حالة من انخفاض المجال المغناطيسي، أدت في النهاية إلى عقود من الطقس المتجمد.

عرفت الفترة ما بين عام 1300 وحتى 1850 باسم «العصر الجليدي الصغير»؛ وذلك لما شهده العالم من انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة خلال هذا العصر الذي بلغ ذروته بين عامي 1645 و1715، نتيجة اختفاء البقع الشمسية تمامًا، فيما أطلق عليه «سبات ماوندر»؛ والذي يعد واحدًا من أقسى الفترات التي مرت على الكوكب.

اعتبر هذا العصر هو الأبرد في تاريخ البشرية الحديث؛ إذ انخفض متوسط درجات الحرارة العالمية حتى درجتين مئويتين وتساقطت الثلوج في فصل الصيف حتى تجمدت بعض البحار والمحيطات، وتأثرت الزراعة نتيجة للتغيرات المناخية. وعلى الرغم من التوقعات التي تشير إلى احتمالية التعايش خلال فترة صعبة نستبدل فيها الاحتباس الحراري بالبرودة، إلا أن العلماء يؤكدون على مبالغة الصحف في تقدير مساوئ تلك الفترة من أجل إشعال «عناوين الأخبار» العاجلة الخاصة بالكوارث.

نسبت المقالة تكهنات العصر الجليدي القادم إلى عالمة الفيزياء الفلكية، فالنتينا زاركوفا، بجامعة نورثمبريا في بريطانيا، إلا أنها بحسب موقع المناخ «Climate Feedback»، قد اقتبست مما شهده العالم إبان القرن السابع عشر من سبات «ماوندر»، دون الأخذ في الاعتبار بتأثيرات الثوران البركاني التي كان لها بالغ الأثرِ على الطقس المتجمد.

في ديسمبر 2019 تنبأت اللجنة الدولية لعلماء الطاقة الشمسية بأن الدورة القادمة – وهي الدورة رقم 25 – ستكون مماثلة في الكثافة الشمسية للدورة السابقة رقم 24 والتي تنتهي إبان العام الحالي.

علوم

منذ سنة واحدة
«السماء تمطر ماسًا في زحل».. تعرف إلى تلك الظاهرة وأسبابها

عن ذلك يشير العلماء إلى أن الاحتباس الحراري الناجم عن النشاط الإنساني المتمثل في انبعاثات الكربون وغيره من المخلفات قد يساعد على تلطيف درجات الحرارة إبان تلك الفترة الباردة، إذ يأتي هذا التجمد على خلفية «الموجات الحارة» التي تبلغ أكثر من 10 أضعاف البرودة، وبالتالي قد يكون له أثره الجيد على ما يعانيه الكوكب من ذوبان الجليد وارتفاع درجة حرارة الأرض.

الجدير بالذكر أن الشمس ستبدأ الدخول في المجال المغناطيسي الضعيف بدءًا من ديسمبر 2020، إلا أن المجتمع العلمي لا يستطيع التكهن الآن على وجه التحديد بميعاد دقيق تكون خلاله الشمس في أدنى مستوياتها. 

المصادر

تحميل المزيد