هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

في 2017 دشَّنت الإمارات منصب وزير التسامح والتعايش، وسمَّت عام 2019 بـ«عام التسامح»، الذي انتهى مساره بالتطبيع مع إسرائيل. في هذا التقرير يطلُّ علينا بطلٌ طويل القامة، بوجهٍ بشوش مرتديًا قُبَّعته اليهودية، من ولاية نيويورك إلى الإمارات، ليعمل بمنصب كبير حاخامات المجتمع اليهودي في الإمارات.

في هذا التقرير نتعرف على يهودا سارنا، حاخام في جامعة نيويورك بأمريكا، ونتتبع رحلته إلى الإمارات وجهود اللوبي الإماراتي لتنسيقها، رحلة عنوانها العريض «التعددية الدينية والفهم المشترك»، وعنوانها الخفي، طمس أي نقاشٍ سياسي أو حقوقي في منطقة الشرق الأوسط.

يهودا سارنا

يهودا سارنا، كبير حاخامات المجتمع اليهودي في الإمارات. مصدر الصورة: يوتيوب

لم يكن يعرف أين تقع الإمارات.. لمحة عن حياة الحاخام سارنا

لم يكن يعرف سارنا أين تقع الإمارات بالضبط على الخريطة قبل أن يذهب إليها. فقد كانت حياته مقتصرةً على عمله في جامعة نيويورك التي دخلها بعد تخرجه من جامعة يشيفا الخاصة في نيويورك، وفيها درس الرسامة الحاخامية والقانون والطقوس اليهودية. وفي عام 2004، ترسَّم سارنا لرتبة حاخام رسميًّا.

انتقل بعدها سارنا للعمل في مركز «برونفمان لحياة الطالب اليهودي في جامعة نيويورك»، مديرًا للحياة الدينية وحاخامًا لتوجيه الحياة الروحية للطلاب اليهود، ومن ثم ارتفع في منصبه في المركز ليصبح «مسؤولًا دينيًّا» (Chaplain) في أغسطس (آب) 2007.

يعمل سارنا مسؤولًا دينيًّا للطلاب اليهود في جامعة نيويورك، ويحاول مساعدتهم في حياتهم الطلابية، فمثلًا إذا ما أراد طالبٌ يهوديٌّ حضور طقس دينيٍّ ويحتاج أخذ عذرٍ من أستاذه لعدم الحضور، في غالب الأمر تستشير الجامعة سارنا في مثل هذه القضايا. ومن جهة أخرى، إذا سمع طالبٌ يهودي أستاذًا ينتقد في محاضراته إسرائيل بطريقةٍ ما تُزعجه، فمن الممكن أن يستعين الطالب بسارنا ليخبره عما يزعجه، ويجد سارنا حلًّا له، إما بإقناعه، وإما بالحديث مع أستاذه.

وأثناء عمله في المركز، حصل سارنا على عدة شهادات تقدير وجوائز بسبب مبادراته التعليمية في الجامعة، وفي عام 2009، صنَّفته صحيفة «الأسبوع اليهودي في نيويورك» واحدًا من صُنَّاع التغيير الشباب.

وفي عام 2009، ومع توسُّع جامعة نيويورك وافتتاح فرعٍ لها في تل أبيب وأبوظبي، دُعي سارنا إلى أبوظبي ليُقابل طلاب الثانوية الراغبين بالالتحاق بجامعة نيويورك، ومن هُناك بدأ بالسفر إلى أبوظبي وزيارة الجامعة، عدة مرات خلال السنة.

وعندما دُعي سارنا لزيارة جامعة نيويورك في أبوظبي، كان شرطه الوحيد للذهاب هو وجود الأمان الذي يسمح له بإظهار هويته اليهودية. زار سارنا الإمارات مرتين كل عام، وفي كل زيارة يقيم من خمسة إلى عشرة أيام يعمل فيها على وضع استراتيجيات لتعزيز «ثقافة التعبير الديني» في الجامعة.

Embed from Getty Images

يهودا سارنا والإمام خالد لطيف في مهرجان تريبيكا السينمائي عام 2014.

وفي زياراته لأبوظبي، يقول سارنا إنَّه «اكتشف» مجموعة من اليهود في دبي يلتقون خفية، كل يوم سبت في بيوتهم، لممارسة الطقوس الدينية. وعندما ذهب سارنا للقائهم في عيد الحانوكا، انضم معه زميله في جامعة نيويورك، المسؤول الديني المسلم الإمام خالد لطيف، الداعية المشهور في جامعة نيويورك.

ونوقشت في ذلك اليوم إمكانية تأسيس مكان لليهود للعبادة، وقد تحدث لطيف عن صعوبة تأسيس مسجد ما بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001 في أمريكا، وأخبرهم لطيف: «الكثير من الناس لا يريدون أن تُبنى المساجد، وعندما تُبنى حاول بعض الناس إحراقها. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ علينا التوقف عن المحاولة».

في 2008، تأسست الجالية اليهودية في دبي، من تجمع للمقيمين والزائرين اليهود.

واحد من قيادات الجالية، روس كريل، سعى لتنشيط وزيادة الترابط بين المجتمع اليهودي في الإمارات. وهو يهودي أرثوذوكسي، جاء من جنوب أفريقيا للعيش في دبي عام 2012، وبعد عدَّة زيارات لسارنا، أسس كريل مكانًا سماه «الفيلا»، وهو بيتٌ تجتمع فيه الجالية لقضاء أيام السبت، وللصلاة وتنسيق فعاليات اجتماعية ودينية.

وفي هذه الأعوام، سافرت اللجنة اليهودية الأمريكية إلى الإمارات سنويًّا وبشكل سري، والتقت مسؤولين إماراتيين بغرض التطبيع الثقافي الناعم، الذي مهَّد في نهاية الأمر للتطبيع الذي يشهده العالم العربي اليوم.

عام التسامح الإماراتي.. حفل تعيين حاخام الإمارات الأول

في «عام التسامح» الإماراتي، عملت الإمارات على حملات علاقات عامة وترويجية دولية، أبرز ما فيها زيارة بابا الفاتيكان فرانسيس للإمارات، واستقبله فيها ولي عهد إمارة أبو ظبي محمد بن زايد، مع شيخ الأزهر أحمد الطيب. وأعلن ابن زايد خلال زيارة البابا عن مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية»، المشروع الذي يجمع أماكن عبادة للمسيحيين، واليهود، والمسلمين في تجمُّعٍ واحد.

وفي فبراير (شباط) 2019، صرح الحاخام، مارك شناير، باعتراف الإمارات رسميًّا بالجالية اليهودية، وبوجود قرابة 150 أسرة تقيم في أبوظبي ودبي. وفي مايو (أيَّار) 2019، نظمت السفارة الإمارات فعاليةً بمشاركة رابطة مكافحة التشهير، المنظمة اليهودية المناصرة لإسرائيل، أعلن فيها تعيين سارنا كبيرًا للحاخامات اليهود في الإمارات.

ووفقًا لسارنا، فعمله كبيرًا للحاخامات بلا مقابل، وسيتطلب منه السفر إلى دبي أربع مرات سنويًّا، ليقود الطقوس الدينية.

يرد اسم يهودا سارنا في وثائق الضغط السياسي «لمجموعة هاربور»، أهم الشركات العاملة للإمارات في واشنطن منذ عام 2007. تواصلت الشركة مع سارنا في مايو 2019، واستمر التواصل من 22 مايو إلى 4 يونيو (حزيران) 2019. وكان التواصل لنقاش قضايا تخص «المجتمع اليهودي في الإمارات»، ولدعوة سارانا لعشاءٍ تنظمه السفارة الإماراتية.

 

الصورة من وثائق «مجموعة هاربور»، إحدى الشركات العاملة لصالح اللوبي الإماراتي في واشنطن، وتُظهر اتصالاتها مع الحاخام يهودا سارنا. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

ومع تأسيس هذه البنية للمجتمع اليهودي في الإمارات، أسس المجلس اليهودي في الإمارات، ممثلًا أساسيًّا للجالية، ومقرها في دبي. وفي سبتمبر (أيلول)، أعلن المجلس انضمامه للمؤتمر اليهودي العالمي الذي يمثل ويضم المجتمعات اليهودية في أكثر من 100 دولة، وكبير حاخامات المجلس هو سارنا، ورئيسه روس كريل، الذي يعمل رئيسًا لشركة «الإمارات لتموين الطائرات»، التابعة لمجموعة طيران الإمارات.

ويظهر الفيديو التالي دعاءً باللغة العبرية للإمارات وحُكامها، من الشيخ خليفة بن زايد وأخيه محمد، حتى محمد آل مكتوم حاكم إمارة دبي. وحمَّل الفيديو حساب باسم «JCC JewishUAE»، وهذه منظمة يهودية أخرى في دبي، اسمها «مجلس المجتمع اليهودي في الإمارات – Jewish Community Council»، يترأسه سولي وولف، والحاخام ليفي دوشمان. وتحاول المنظمة منافسة المجلس اليهودي في تمثيل المجتمع اليهودي في الإمارات، ولكنَّ السلطات في دبي ترفض هذا الادعاء.

وفي إحدى المقابلات التي استضافت سارنا في سبتمبر 2020، ذكرَ أنَّ الإمارات وإسرائيل تتشاركان القلاقل السياسية نفسها، فكلا الدولتين لديهما قلق من انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، وكلاهما لديهما قلق من الدور الإيراني ومن دور «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ومن جماعة الإخوان المسلمين و«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)».

وكلاهما لديهما رغبة مشتركة في بناء اقتصاد مزدهر. ولكن لم يذكر الحاخام أي مشتركات ثقافية بين الدولتين، رغم اهتمامه بالشؤون الدينية والثقافية.

حاخام ثابت وحاخام «فريلانس»

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أعلن المجلس اليهودي في الإمارات تعيين الحاخام إيلي عبادي، الذي سيعمل حاخامًا للمجتمع اليهودي في الإمارات بـ«دوام كامل»، وسيبقى سارنا في الولايات المتحدة، وسيكون على تواصل دوري مع المجتمع اليهودي في الإمارات، وستكون مهمته الأساسية «بناء جسور التواصل بين السلطات الإماراتية وأصحاب المصلحة الدوليين».

إيلي عبادي ويوسف العتيبة. مصدر الصورة: تويتر

ولد عبادي لعائلة سورية عام 1960، انتقلت للعيش في لبنان، وغادروه عام 1971 قبل اندلاع الحرب الأهلية. وانتقل بعدها مع عائلته للعيش في المكسيك، ثم نيويورك، حيث درس في جامعة يشيفا. وعمل رئيسًا ثانيًا في منظمة العدل من أجل اليهود العرب، وهي منظمة تدافع عن حقوق المهاجرين اليهود من الشرق الأوسط.

ويظهر حساب «تويتر» الخاص لعبادي، لقاءات له مع عبد الله بن زايد، وزير الخارجية الإماراتي، ويوسف العتيبة، السفير الإماراتي في واشنطن. ورحلات أخرى إلى أذربيجان وسريلانكا.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد