( 1 ) فلاش بـاك الثــورة

واحدة من أكثر بلاد الأرض التي ينتشر فيها السلاح، يحكمها أحد أكثر الأنظمة الفاسدة في العالم، في ذيل مؤشرات التنمية البشرية ورفاهية الشعوب التي تصدر عن مؤسسات الأمم المتحدة، ويسيطر عليها نظام أمني محكم بقبضة من حديد!

هذه هي اليمن في عهد ما قبل الثورة، قبل أن تأتي الثورة لتزيد المشهد المعقد تعقيدًا، ثورة كان ينبغي لها أن تطهر وتغير كل ذلك، لكنها دخلت في ركب الربيع العربي الذي تحول إلى صقيع يتعامل معه عشرات الأطراف بما يخدم مصالحهم فقط .

يمكن إجمال ثورة اليمن الرئيسية في العشر نقاط التاليات:

1 – حكم اليمن أحد زمرة الحكام طويلي السلطة وهو (علي عبد الله صالح) الرئيس اليمني والمشير الذي بقي رئيسًا لمدة تزيد على الثلاثة وثلاثين عامًا من توليه السلطة في عام 1978.

2 – في يناير عام 2011 كانت ضربة البداية، بإلهام من نموذج تونس ومصر التي كانت في طريق الثورة حينها، تحرك الشباب اليمني ليكونوا نواة الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في جامعة صنعاء في 15 يناير، والتي استمرت بلا احتكاكات مع النظام اليمني حتى 23 يناير، وكانت أهداف الاحتجاجات تتلخص في إنهاء منظومة حكم علي عبد الله والتي استأثر فيها هو وعائلته وعشيرته بالسلطة والجيش والمؤسسات الحكومية مع تصاعد مخيف في وتيرة الفساد.

3 – في 23 يناير بدأت ماكينة الاعتقالات تعمل لتطول عددًا من الرموز التي كانت تتحكم في الحراك الشبابي حينها؛ أملًا في تجميده، وفي 24 يناير خرج علي عبد الله بخطاب يخبر الشعب فيه أن (اليمن ليست تونس)!

4 – في 27 يناير خرج ما يزيد عن ستة عشر ألف متظاهر في استجابة للدعوات التي أطلقها النشطاء للضغط على نظام الرئيس للرحيل، وعندما رأى صالح الضغط أعلن أنه لن يرشح نفسه لفترة رئاسة أخرى، ولن ينقل السلطة لابنه الأكبر أحمد علي عبد الله قائد الحرس الجمهوري اليمني حينها.

5 – لم ينجح هذا في وأد حراك كان مطلبه الأهم والأوحد هو تفكيك نظام علي عبد الله تمامًا، بالتالي، ومع ازدياد أعداد المتظاهرين لمئات الآلاف وانتشار الثورة في ربوع اليمن، وفقدان الأمل في تهدئة الشباب بدأت مرحلة المواجهات، حيث تدخلت آلة القمع (الأمن المركزي) بقيادة شقيق صالح (العميد يحيى صالح) على مدار فبراير وقتلت وأصابت العديد، لكن الحادثة الأهم كانت تصفية عدد من المتظاهرين في بدايات مارس، وكان هذا إيذانًا ببدء عملية عنف واسعة النطاق!

6 – أمام جامعة صنعاء، وفي (ساحة التغيير) الأرض الأم والمركزية لانطلاق كافة الاحتجاجات والتي حوت خيام (المدينة اليمنية الافتراضية للتظاهر)، وأمام لافتة ضخمة للقائمة السوداء التي حوت أكثر من مائة وعشرين مسئولًا في السلطة اليمنية وجبت محاكمتهم، خرج عشرات الآلاف لأداء صلاة الجمعة والتظاهر في عدد لم تشهده اليمن من قبل وكان اسمها “جمعة الإنذار”، وبعد انتهاء الصلاة بدأت المذبحة!

    أطلق قناصون موالون للنظام الحاكم النار على المصلين، مع استهداف مباشر للرؤوس والأعناق والصدور فقط، قتل اثنان وخمسون متظاهرًا يمنيًّا أغلبهم من الطلبة الجامعيين ومنهم ثلاثة أطفال على الأقل، وأصيب أكثر من ستمائة وسبعة عشر آخرين في أكبر عملية قتل جماعي شهدتها اليمن حتى تاريخه.

7 – كانت هذه نقطة الحسم ونهاية أي مرحلة تفاوضية، حيث أصبح رحيل النظام مطلبًا لا تنازل عنه، وتم تغيير اسم الجمعة لـ (جمعة الكرامة). في الليل، خرج علي عبد الله مؤكدًا عدم مسئولية جهازه الشرطي عن المذبحة، وأنها اقتتال أهلي بين مواطنين والمتظاهرين، وأعلن حالة الطوارئ لمدة شهر في قرار وصفه الناشطون حينها بأنه مهزلة، ويمكن تلخيص الأمر في أن صالح أعلن حالة طوارئ بقانون ينتمي للستينيات في عهود ما قبل الوحدة اليمنية في 1990، وهو قانون ملغى بطبيعته، وصدق على الحالة برلمان لم يكتمل نصابه!

8 – يعرف العالم المذبحة كأحد النقاط المفصلية في تاريخ الثورة اليمنية ليس للدماء التي سالت فقط، وليس للزخم الدولي واسع النطاق الذي حدث بعدها وكله كان في صف المتظاهرين، وليس للتعاطف الشعبي الكبير الذي ناله المحتجون والمظاهرات التي انطلقت في كافة مدن اليمن وأهمها كان في عدن ومليونية مدينة “تعز”، لكن المفصلي أنها كانت ضربة أساسية في جدار النظام الحاكم اليمني، حيث بدأت الانشقاقات الرسمية من حينها، في البداية استقال وزير السياحة نبيل الفقيه، ثم تلاه وزير الأوقاف القاضي حمود الهتار، رد صالح بعنف أكبر، وأصر على عدم التنحي ونشر دبابات جيشه في العاصمة اليمنية، ليأتي حينها موعد الانشقاق الأهم والأخطر والذي أنهى النظام إكلينيكيًّا!

في 21 مارس، أعلن الرجل الثاني في اليمن، والأول في المؤسسة العسكرية اليمنية، قائد المنطقة الشمالية الغربية والمسئول عن الفرقة الأولى مدرع اللواء (علي محسن الأحمر) انشقاقه وتأييده للثوار إنقاذًا للبلاد مما سماه حينها (شفير الحرب الأهلية)، ثم نشر آلياته وقواته لحماية المدينة الافتراضية للمعتصمين والمتظاهرين في ساحة التغيير وما حولها، وكان انشقاقه بالغ التأثير على الدوائر الحكومية اليمنية، حيث تبعه وتبع الثورة عدد من كبار القادة العسكريين والسفراء والمسئولين في حزب المؤتمر الشعبي العام (الحزب الحاكم)، ثم أتت الضربة الثانية للنظام بإعلان الشيخ (صادق الأحمر) شيخ مشايخ (حاشد) القبيلة الأهم في اليمن والأكثر نفوذًا تأييده للثورة، ومن الجدير بالذكر أن اللواء الأحمر كان على خلاف تام مع علي عبد الله صالح قبيل الثورة بسبب نية الرئيس اليمني نقل السلطة لابنه العميد الركن أحمد صالح.

9 – انتقلت المواجهات لمرحلة جديدة حاول فيها صالح تصفية مراكز القوة لدى معارضيه، حيث ترك مهمة مواجهة اللواء علي الأحمر لابنه الأكبر قائد الحرس الجمهوري، وهي مواجهات امتدت على مدار أشهر وكانت ضراوتها في أبريل ومايو تحديدًا، ثم خفت الوتيرة حتى نوفمبر من 2011، وكان لقبيلة (أرحب) دور بالغ الأهمية في منع ثلث قوات الحرس الجمهوري من اجتياح صنعاء وحاصرتهم في جبال (الصمع)، أما صالح فقد تدخل شخصيًّا في مواجهة الشيخ صادق الأحمر، حيث تصاعد الخلاف بينهما بسبب دعم الشيخ للمعارضة، وفي 24 مايو من عام 2011 أمر صالح جنودًا موالين له بمهاجمة بيت الأحمر شديد الحراسة؛ مما أدى إلى اندلاع معارك لمدة تزيد على ثمانٍ وأربعين ساعة ومقتل أربعين شخصًا وإصابة أكثر من ثمانين آخرين، ثم أصدر بعدها علي عبد الله أمر اعتقال بحق الشيخ صادق وإخوته بالكامل بتهمة التمرد على السلطة الحاكمة!

10 – في الثالث من يونيو لنفس العام دعا صالح لمليونية الأمن والأمان للرد على المتظاهرين بحشد شعبي، لتتم حينها محاولة اغتياله والتي اتهم فيها آل الأحمر (زعماء حاشد) بمحاولة قتله بالغيلة وهو ما نفاه الشيخ صادق، بعدها فر صالح للسعودية التي كانت تضغط من أجل قبول المبادرة الخليجية والتي أعلن عنها في الثالث من أبريل سابقًا، والتي تراجع عنها صالح في كل مرة كانت المعارضة تقبل فيها شروطها التي تنافت مع الثورة على حد وصف نشطائها من الشباب اليمني، حيث منحت المبادرة حصانة قضائية قانونية لصالح وبطانته بقانون سيادي لا يجوز الطعن عليه، مع دمج نظامه في حكومة وحدة وطنية مع المعارضة، لتنجح السعودية في النهاية في فرض المبادرة على صالح الذي تدعمه، وليوقع عليها في الثالث والعشرين من نوفمبر وينقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي في غضون ثلاثين يومًا من تاريخه مع إجراء انتخابات رئاسية في الواحد وعشرين من فبراير 2012 مقابل الحصانة السيادية.

( 2 ) ما بعد التنحي

كان لا بد للسعودية أن تفرض المبادرة الخليجية على اليمن، وأن يتم حل الأزمة بتسوية سياسية تحفظ للسلطة المتنحية هيبتها قضائيًّا بضمان عدم الملاحقة، فالمملكة لن تخاطر بتمكين كامل للثورة حتى لا تنتقل حممها إلى أراضيها نفسها، وبالفعل تم للسعودية ما أرادت في حديقتها الخلفية كما يطلق المحللون السياسيون على الدولة التي تمسك بحدود السعودية الجنوبية.

في الواحد وعشرين من فبراير تسلم عبد ربه منصور هادي السلطة في دولة هي أبعد ما تكون عن مفهوم “الدولة”، حيث القبائل والتحالفات وفلول النظام الذي مازال فاعلًا بشدة والجيش والميليشيات المسلحة والجماعات الإسلامية ذات الثقل وعلى رأسها الإخوان المسلمين ممثلة في الإصلاح، وكان عليه مواجهة كل ذلك بمطالب ثورية أقل ما فيها هو (هيكلة الجيش)، وهو مطلب يحمل الكثير من الألغام الخفية.

يمكن التدليل على ذلك بأول قرار أصدره هادي في منظومة الهيكلة وهو عزل أحد أقوى رجال الجيش اليمني (مهدي مقولة)، اللواء الذي كان يقود المنطقة العسكرية الجنوبية، عزلٌ رفضه اللواء ليتم بعده وفي غضون ثلاثة أيام فقط هجوم شامل من جماعة أنصار الشريعة (فرع تنظيم القاعدة في اليمن) على معسكرات الجيش الجنوبية في زنجبار متسببة في مقتل 187 جنديًّا، وإصابة 135 آخرين وأسر 55، مع مقتل 32 مقاتلًا من مقاتلي القاعدة، لتؤسس بعدها قاعدة جزيرة العرب عدة إمارات إسلامية في الجنوب اليمني مثل (أبين/ وقار/ عزان).

في الخامس من ديسمبر لعام 2013 كان هادي يزور مستشفى العرضي في صنعاء، المستشفى بداخل مجمع وزارة الدفاع اليمنية، عندما جرت محاولة بالغة العنف للانقلاب عليه واغتياله، حيث اقتحم المستشفى عدد من المقاتلين المتنكرين في أزياء عسكرية مع أسلحة كاملة وسيارات محملة بمتفجرات، أغلبهم كانوا يحملون الجنسية السعودية، وأسفرت المحاولة عن مقتل 56 شخصًا أغلبهم أطباء وممرضات، وإصابة 215 آخرين بجروح مختلفة، ونجا الرئيس مع قتل جميع المهاجمين واستعادة السيطرة على مجمع الدفاع مرة أخرى، وتتالت الأنباء على أنها مسئولية تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وسط كل ذلك، هيكلة هادي كانت تسير بمعقولية تبعًا لحجم الانقسام والتفتت الداخلي، فقد نجح في تحييد وعزل الكثير من القادة العسكريين المؤثرين على مجريات الصراع والمقربين من علي عبد الله، فضلًا عن أقرباء الرئيس اليمني السابق نفسه، ومع تطهير أروقة الحكم المستمر وعمليات الإحلال والتبديل ومن ورائها الإصلاح بثقله المجتمعي، ومحاولة التعامل مع مشكلة قاعدة العرب في الجنوب، ظهر الحوثيون على الساحة من جديد!

( 3 ) ماذا تعرف عن الحوثيين؟!

الحوثيون، حركة أنصار الله التي أسسها (حسن الحوثي) في عام 1992، وهم شيعة من طائفة الزيدية ويتركزون في محافظة صعدة، خاضوا صراعًا مريرًا مع السلطة ممثلة في (علي عبد الله صالح) و (علي محسن الأحمر) على مدار سنوات، وكانت الحركة في البدء سلمية بشكل ما وجُل همها هو محاولة القضاء على تمييز النظام ضدهم، وشكلت في فترة من الفترات أهم مكون من مكونات المعارضة اليمنية، لكن صراعهم المسلح بدأ في 2003 عقب زيارة صالح لصعدة.

في يناير 2003، زار علي عبد الله المدينة ليصلي فيها الجمعة، ثم صعد المنبر ليلقي كلمة بعد الصلاة فتم استقباله بشعارات (الموت لأمريكا/ الموت لإسرائيل)، جراء ذلك اعتقل النظام ستمائة شخص عشوائيًّا، بدأت حينها الحركة في موجة من الاحتجاجات على ما حدث، واستمر التصعيد مع السلطة التي أصرت على كبح الحوثيين حتى وصلت موجة الاعتقالات الثانية في منتصف 2004، حيث تردد نفس الشعار خارج مسجد صنعاء الكبير ليعتقل النظام ستمائة وأربعين شخصًا، ثم خرج أمر اعتقال لحسين الحوثي الذي رفض تسليم نفسه لتشتعل الحرب بين الجيش وحركة أنصار الله فيما عرف بنزاع صعدة أو الحرب ذات الجولات الستة، وهي الحرب التي استمرت من يونيو 2004 وحتى 2010، وتدخلت في نهايتها السعودية بجزء من جيشها بشكل مباشر.

صراعٌ أسفر عن مقتل أكثر من خمسين ألف شخص وإصابة عشرات الآلاف، فضلًا عن تهجير قسري لنصف مليون يمني من مناطق النزاع الذي توسع من صعدة فشمل (عمران/ الجوف/ صنعاء)، فضلًا عن تدمير آلاف من المباني.

في البدء كانت الأمور في تصاعد لكن بسلمية، حيث اكتفى الحوثيون بالاحتجاجات ضد الحكومة وغلاء الأسعار والمطالبة بعدالة اقتصادية ناجزة، بينما سارت الدولة في اتجاه إنهاء المرحلة الانتقالية وتطبيق كونفدرالية يمنية، كان هذا حتى اجتاح الحوثيين العاصمة صنعاء في الصباح الباكر من الواحد وعشرين من سبتمبر لعام 2014، حيث سيطروا على أجزاء من العاصمة ومبني الإذاعة والتليفزيون وبعض المقرات العسكرية والسياسية.

( 4 ) ما هي أصول الصراع؟!

أ – في الفترة الانتقالية وعلى الرغم من عدم إتمام هيكلة الجيش وسعت القيادة السياسية عملياتها العسكرية في الجنوب اليمني بدعم أمريكي واضح للقضاء على محاضن تنظيم القاعدة هناك، الولايات المتحدة رأت في حركة أنصار الله مكافئًا قويًّا للتنظيم السني فتركته يتوغل.

بـ – تتناثر الاتهامات لجماعة الحوثي بأنها ذراع إيرانية ضاغطة في المنطقة وسيف حقيقي تواجه وتهدد به إيران المملكة العربية السعودية في إطار صراعهما الإقليمي الموسع المحاط بدائرة إعلامية اسمها (الصراع السني الشيعي)، وتنفي الجماعة في كل مناسبة تلقيها لدعم مالي أو عسكري من إيران بدون أن تقدم إجابات واضحة ومنطقية على تصاعد قدرتها العسكرية والتنظيمية بهذا الشكل.

جـ – يدور في الأفق أيضًا وجود تحالف خفي بين الحوثيين من جهة، وبين الموالين للنظام السابق بقيادة علي عبد الله صالح الذي لم يغب عن المشهد بأي شكل، وأن هدف صالح ونظامه هو منع الإخوان المسلمين ممثلين في الإصلاح من تثبيت أقدامهم في السلطة من خلال عرقلة الفترة الانتقالية.

د – منذ أغسطس 2014، أقامت جماعة الحوثي معسكرات اعتصام محيطة بصنعاء، مطالبة الرئيس عبد ربه هادي بإقالة الحكومة وإلغاء قرار رفع الدعم عن المنتجات النفطية، المعسكرات تزايدت باستمرار على مدار أغسطس مع ارتفاع وتيرة الصراع بين مقاتلي الجماعة، وقوات الجيش.

هـ – في التاسع عشر من سبتمبر كان المبعوث الأممي (جمال بن عمر) يعلن عن اتفاق وشيك بين الحوثيين والرئاسة، تتم فيه الاستجابة لكل مطالب حركة أنصار الله مع إعطائهم جزءًا من كعكة الحكومة، في نفس الوقت الذي استمر فيه الرئيس اليمني بوصف ما يحدث من الحوثيين في أرجاء العاصمة بالانقلاب الواضح مع انتشار نقاط التفتيش التابعة لهم في صنعاء.

و – في العشرين، ضرب الحوثيون مبني التليفزيون اليمني وسط انسحاب قوات الجيش المكلفة بحراسته، ثم اجتاحوا العاصمة في خلال يومين وسيطروا على معظم المقرات السيادية وعلى رأسها الحكومة ووزارة الدفاع ومعسكرات الجيش، وسط استسلام غير مفهوم من قوات الجيش اليمني، بعد أسبوعين صرحت مصادر أمنية رفيعة المستوى لم يكشف عنها أن دخول صنعاء كان بتواطؤ تام من وزير الدفاع محمد ناصر أحمد الذي ترك العاصمة بلا إسناد بري لتقع بسهولة مطلقة في يد الجماعة، وليكون هذا إيذانًا ببدء قتال واسع النطاق بين تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ممثلًا في أنصار الشريعة، وبين الحوثيين ممثلين في حركة أنصار الله.

ز – رفضت الحركة التوقيع على اتفاق السلم والشراكة، بالتحديد الملحق الأمني لأنه يقضي بانسحاب جميع المجموعات المسلحة غير الحكومية من صنعاء مع تسليم أسلحتهم للجيش، وبعد فترة قليلة بدأت المظاهرات الشعبية الرافضة للوجود الحوثي في صنعاء وواصفة ما حدث بأنه انقلاب على الثورة.

( 5 ) إسقـاط الرئيــس

7378172558_db990dd8ce_n

في التاسع عشر من يناير الماضي سيطر الحوثيون على دار الرئاسة، وفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس عبد ربه هادي في منزله الشخصي في صنعاء، ويأتي الاستيلاء على السلطة بعد استقالة هادي والحكومة تبعًا لسيطرة الحوثيين على صنعاء كما أعلاه.

بعد أن ظن الجميع أن الأمور استتبت للحوثيين وأن الرئيس استسلم، نجح هادي في الخروج من صنعاء أول أمس بعد شهر تحت الإقامة الجبرية، ووصل إلى عدن ليعلن من هناك أن ما حدث انقلابًا داعيًا الهيئة الوطنية لاجتماع عاجل في عدن، مع مطالبات بنقل العاصمة بقرار رئاسي من صنعاء لعدن لنزع الشرعية عن الحوثيين بشكل كامل.

تبدو الساحة اليمنية شديدة التعقيد، انقسام القبائل بين تأييد الرئيس، وبين تأييد واحتضان تنظيم القاعدة في الجنوب ومؤازرة ولاياته الإسلامية، وجود الحوثيين المسيطرين على السلطة بقوة السلاح وهم رأس الحربة حاليًا في اليمن، الصراع الإقليمي الواضح بين دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وبين إيران التي تدل كل المؤشرات على دعمها للحوثيين ورغبتها في صناعة حزب الله جديد في اليمن ليكون شوكة في حلق النظام الملكي السعودي. والجيش اليمني المشتت ما بين حرب في الجنوب ضد تنظيم القاعدة تستنزف قوته وأرواح جنوده، وما بين محاولة الاصطفاف لانتزاع العاصمة مرة أخرى من الحوثيين، وهو أمر يبدو بعيد المنال لاعتبارات كثيرة. والمؤتمر الشعبي قلب الثورة المضادة الذي يضع كامل ثقله في مواجهة الإصلاح، والموقف الدولي الذي يركز بشكل تام على إنهاء التنظيمات الإسلامية السنية في الجنوب بقيادة الولايات المتحدة. في وسط كل ذلك، تبدو اليمن كقنبلة حقيقية على وشك الانفجار، وانفجارها إن تم سيعيد تشكيل الخليج بالكامل ومعه المنطقة وتغيير توازنات القوى بحسب السيد القادم الغامض للساحة اليمنية.

المصادر

تحميل المزيد