شهد يوم 22 يناير حدثين جللين في تاريخ المنطقة العربية عمومًا ومنطقة الجزيرة العربية خصوصًا.

في المملكة العربية السعودية انتقل الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى رحمة الله عن سن يناهز الواحد وتسعين عامًا، بينما في اليمن أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي استقالته من الحكم.

من المستفيد؟ ومن الخاسر؟

إيران تحكم اليمن

في اليمن نجحت جماعة الحوثي الشيعية والمدعومة من إيران في تفجير الأزمات السياسية بشكل مستمر حتى وصل الأمر إلى ما يطلق عليه البعض “انقلابًا مسلحًا” من قبل ميليشيات الحوثي المسلحة على الدولة اليمنية الرسمية.

يوم الإثنين الماضي تمكن الحوثيون من تطويق مقر القصر الرئاسي في العاصمة صنعاء في أعقاب اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش اليمني والحوثيين وذلك في أعقاب اختطاف الحوثيين لمدير مكتب الرئاسة أحمد عوض بن مبارك ووسط سيطرة شبه تامة من قبل الحوثيين على العاصمة اليمنية.

وقام الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بتقديم استقالته بعد وقت قصير من تقديم الحكومة اليمنية لاستقالتها “حتى لا تكون طرفًا في ما يجري من أحداث”. الرئيس اليمني قال في كتاب استقالته أنه “لم يعد قادرًا على تحقيق الأهداف التي حمل المسؤولية من أجلها” مضيفًا أنه عانى من خذلان فرقاء العمل السياسي للخروج بالبلاد إلى بر الأمان، فيما برر أحد مستشاري الرئيس هذه الاستقالة بأنها نتيجة للضغوط التي مارستها جماعة الحوثي.

تأتي هذه الاستقالة كانتصار وتتويج للحوثيين ومن خلفهم إيران، حيث أصبحت اليمن الآن تحت قبضة الحوثيين يحددون مصيرها كما يشاءون.

اليمن حاليًا قد تتجه إلى التقسيم خصوصًا مع ترحيب الحراك الجنوبي بهذه الاستقالات وإعلان 4 محافظات جنوبية بينها محافظة عدن أنها قررت رفض تلقي أوامر تصدر من العاصمة صنعاء للوحدات العسكرية وقوات الأمن الموجودة في هذه المحافظات. وقد أعلنت قبائل مأرب عن نيتها حماية كل مصادر النفط والكهرباء في المناطق الجنوبية وأنها “لن تسمح بتدخل الجيش اليمني أو الحوثيين في هذه المناطق”.

جدير بالذكر أن تقارير صحفية عديدة أشارت إلى أن إيران كانت تدعم الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال، بل إن كلام الرئيس اليمني المستقيل نفسه أشار إلى هذا.

اليمن حاليًا واقعة تحت رحمة ثلاثة قوى رئيسية، الأولى هم جماعة الحوثيين الذين يسعون إلى تكوين مجلس رئاسي لحكم البلاد وعدم الاعتراف بالبرلمان اليمني الحالي وهو ما يعني أن إيران وجدت لها موطأ قدم قوي في جزيرة العرب على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

القوة الثانية تكمن في الحراك الجنوبي الذي يجدها فرصة لا تعوض للسعي نحو الانفصال وعدم الاعتراف بسلطة العاصمة والحوثيين خصوصًا وأن المحافظات الجنوبية مليئة بالثروات الطبيعية وفي مقدمتها النفط وهو ما يعني إمكانية الاستقلال في دولة مستقرة اقتصاديًا.

القوة الثالثة تكمن في تنظيم القاعدة الذي يملك قوة لا رأس بها في عدد من المحافظات اليمنية والذي دخل في قتال دائم ضد جماعة الحوثيين منذ الثورة اليمنية عام 2011م.

السعودية وإيران

الصراع السعودي الإيراني هو صراع سياسي مذهبي له جذور طويلة منذ سنوات عديدة. السعودية تعتبر إيران هي الخطر الأكبر الذي يهددها وتخشى من التمدد الشيعي بها مما يؤدي لتهديد وحدة المملكة وأصدقائها الخليجيين خصوصًا وأن مناطق شرق المملكة الغنية بالنفط تحوي عددًا كبيرًا من الشيعيين.

أكبر ضربة وجهتها المملكة إلى إيران مؤخرًا كانت عملية خفض أسعار النفط إلى أكثر من النصف خلال بضعة أشهر مما يتسبب في تدهور الاقتصاد الإيراني المبني على تصدير النفط.

إيران حذرت السعودية كثيرًا من هذه الخطوة وتأثيراتها المستقبلية على استقرار المنطقة، ويبدو أن رد إيران لم يتأخر كثيرًا عبر ذراعها المسلحة في اليمن وهو الحوثيون الذين سيطروا على العاصمة ومقاليد الأمور في الدولة الواقعة على الحدود الجنوبية للسعودية.

الكثير يعتبر أن الصراع في اليمن هو بمثابة حربًا بالوكالة بين قطبي الصراع في المنطقة، السعودية حاملة اللواء السني وإيران حاملة اللواء الشيعي. ويبدو أن إيران تمكنت من كسب هذه الجولة من الصراع بعدما انتزعت اليمن التي كانت بمثابة جزءًا ملحقًا بالسعودية.

السعودية أبدت رد فعل سلبي نحو صعود جماعة الحوثيين وتغلغلها في الأراضي اليمني حتى سيطرتها على العاصمة وإجبارها الرئيس على التنحي. ربما يعود ذلك إلى حسابات سياسية خاصة بالمملكة نتيجة قلقها من ثورات الربيع العربي والانشغال بالإخوان المسلمين مما ساهم في تقوية إيران لحلفائها في كل من سوريا والعراق واليمن.

وفاة الملك

من جهة أخرى فإن وفاة الملك عبد الله ستشكل منعطفًا كبيرًا وربما يكون خطيرًا في المنطقة لصالح إيران.

الصراع داخل الأسرة الملكية على الحكم يشغل الداخل السعودي كثيرًا ويسبب قلقًا واضحًا للسعوديين وحلفائهم الخليجيين من إمكانية حدوث قلاقل تتعلق بأحقية كل طرف في الحكم في المستقبل القريب خصوصًا وأن البعض يعتبر الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز شخصًا مريضًا لا يمكنه تولي مقاليد الحكم بقوة.

التقارير الصحية للملك سلمان تشير إلى أنه مصاب بالخرف وأن تفكيره مرتبك نتيجة لذلك، كما تشير التقارير إلى احتمالية إصابة الملك الجديد بداء ألزهايمر.

ملك مريض غير قوي هو آخر ما تريده السعودية في هذه الأوقات العصيبة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط بينما هذا هو أفضل ما تحلم به إيران من أجل تحقيق حلمها بفرض هيمنتها تدريجيًا في منطقة الشرق الأوسط.

السعودية تعاني

الصراعات حاليًا على أشدها قرب الحدود السعودية الشمالية والجنوبية.

رغم تراجع التحالف الشيعي بين إيران ونظام بشار الأسد وحزب الله اللبناني في سوريا إلى أن هذا التراجع (الذي لا تفضله السعودية) يأتي لحساب تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتوسع ويتمدد في العراق وسوريا حاملًا الفكر السلفي الجهادي الذي تخشاه السعودية أيضًا وبالتالي فإن طرفي الصراع الرئيسيين في العراق وسوريا تخشاهم السعودية كما تخشى طرفي الصراع في اليمن، القاعدة والحوثيين.

ويبدو أن تمدد الحوثيين في اليمن جاء كمحاولة من إيران في خلق جبهة صراع جديدة قوية يمكن أن تناور بها السعودية وحلفاءها. وقد أكد ذلك تصريح للرئيس اليمني المستقيل عندما أشار إلى رفض الحوثيين لكافة المفاوضات متهمًا إيران بالسعي لمقايضة دمشق بصنعاء.

الكفة حاليًا يبدو أنها تميل لصالح إيران على حساب السعودية خصوصًا مع تراجع الإدارة الأمريكية عن اعتبار إيران عدو رئيسي لها ومحاولة حل المشاكل معها بصورة سلمية.

السعودية حاليًا تعادي الكثير من القوى الإقليمية والدولية. السعودية عملت بجد على إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر لأنها ترى الإخوان قوة مهددة لكيان المملكة وتخشى من تمددهم خليجيًا.

السعودية تعادي التنظيمات الجهادية مثل تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وترى أن فكرهم خطر كبير عليها أو على نظام الحكم على وجه التحديد.

السعودية تتصادم مع إيران بشكل واضح تمثل في عدم تأييدها لنظام بشار الأسد في سوريا أو للحكومة العراقية الشيعية القريبة من إيران.

أضف إلى هذا ما سببت السعودية من ضرر لدول إقليمية كإيران ودولية كروسيا عندما اتخذت قرار خفض أسعار النفط بشكل غير مسبوق مما سبب ضررًا للاقتصاد الإيراني والاقتصاد الروسي.

حسنًا، إذا ما استعاد الدب الروسي عافيته هل سينسى للسعودية فعلتها هذه خصوصًا مع شكر المسؤولين الأمريكيين للسعودية على العمل على تدمير الاقتصاد الروسي.

يبدو أن كل هذا لا يكفي السعودية فتبدأ الصراعات الداخلية حول وريث العرش الملكي، الأمر الذي اضطر الملك الراحل عبد الله إلى تعيين ولي عهد لولي العهد آنذاك الأمير سلمان بن عبد العزيز لأول مرة في تاريخ المملكة في محاولة لترميم التصدعات داخل الأسرة المالكة.

لكن المحللين يرون أن مبايعة سلمان عبد العزيز كملك والأمير مقرن بن عبد العزيز كولي للعهد لا يعني هدوء الأوضاع الداخلية داخل الأسرة المالكة خصوصًا مع تطلعات الكثيرين للوصول للحكم حيث أن هؤلاء الموجودين بالسلطة حاليًا قد يميلون إلى تعيين أبنائهم في مناصب ستعزز من فرصهم في الترقية نحو العرش.

تعيين الأمير مقرن نائبًا لولي العهد جاء متخطيًا بذلك أشقاء أكبر منه سنًا في الأسرة الملكية كما أن الأمير متعب ابن الملك عبد الله ورئيس الحرس الوطني يبدو أوفر جيل الأبناء نحو الترقية.


المصادر

تحميل المزيد