في ربيع عام 1967، أبدى الرئيس المصري جمال عبد الناصر حزنه للسفير الأمريكي بالقاهرة عما ألت إليه حرب اليمن، وكيف أصبحت بمثابة حرب فيتنام بالنسبة لمصر. وقد أوضح في وقت لاحق، لأحد المؤرخين المصريين عن كيف خرج الصراع هناك عن السيطرة: «لقد أرسلت سرية واحدة في البداية، ثم انتهى الأمر بتعزيزها بـ 70,000 جندي».

على مدار خمس سنوات – فترة الحرب- منذ 1962 وحتى 1967، فقد عبد الناصر أكثر من 10,000 جندي، وأهدر مليارات الدولارات، ووضع نفسه في مأزق دبلوماسي كان المخرج الوحيد له بإشعال حرب مع إسرائيل. وكما لا بد أن عبد الناصر نفسه أدرك بنهاية الحرب، أن اليمن كانت بالنسبة لمصر بمثابة ما كانت فيتنام بالنسبة للولايات المتحدة أو أفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفيتي أو الجزائر بالنسبة لفرنسا أو لبنان بالنسبة لإسرائيل.

ليس من المستغرب أن الفكرة السائدة لدى المصريين بعد ذلك كانت: «أبدًا، لن نكرر ذلك مرة أخرى». أبدًا، لن يرسلوا أبناءهم مرة أخرى للقتال في سبيل قضية غير واضحة المعالم في أرض معركة بعيدة. أبدًا، لن يهدروا جيشهم الحديث مرة أخرى في سبيل بناء أمة من العدم. أبدًا، لن يذهبوا إلى اليمن مرة أخرى.

ربما كانت كلمة «أبدًا» مبالغًا فيها بعض الشيء. فبعد نصف قرن يفكر الرئيس عبد الفتاح السيسي في إرسال قوات برية لليمن مرة أخرى، وهذه المرة لمساندة الهجوم السعودي على الحوثيين. وقد صرح السيسي بالتزامه بإرسال البحرية والقوات الجوية المصرية، للمشاركة في الحملة، وألمح أن القوات البرية يمكن إرسالها للمشاركة «إذا كان هذا ضروريًّا». وكما تحوم السعودية ومصر وحلفاؤهما على حافة مغامرة عسكرية جديدة في اليمن، يتيح التاريخ بعض الدروس القاسية عن التحديات التي قد تعيق طريقهم للنصر.

من الأفضل ترك مسألة الدفاع عن اليمن لليمنيين

ففي خريف عام 1962، كان قائد كتيبة مشاة قوي البصيرة يُدعى صلاح الدين المحرزي يتجادل مع رؤسائه من القيادات العليا بمصر، عن أن التوقعات بحرب سريعة وسهلة في اليمن غير سليمة. وكان قد أطاح انقلاب عسكري في اليمن بالنظام الملكي حديثًا، وقام بإنشاء جمهورية على النظام المصري. لكن تلك الجمهورية كانت ما تزال ضعيفة في ذلك الوقت، بالإضافة لتهديدات القبائل الشيعية الزيدية في الشمال والموالية للإمام المعزول «محمد البدر» والمدعومة سعوديًّا بسحق تلك الجمهورية.

وقد رأى عبد الناصر – والذي كان في صراع شرس مع الملك السعودي على زعامة العالم العربي- بإمكانية زراعة بذور الثورة في شبه الجزيرة العربية، ولم يكن هناك وقت لإضاعته.

وقد توقع أحد كبار مسئولي الاستخبارات المصرية بأن حرب اليمن ستكون سهلة كأنها نزهة. وقد أكد في إحدى اللقاءات مع قادة القوات المسلحة بأن كل المطلوب لبث الرعب في قلوب القبائل اليمنية هو: إرسال مظليين يحملون مكبرات الصوت وبعض الألعاب النارية وقنابل الدخان.

وكان هذا كثيرًا جدًا على أن يتحمله محرزي، وهو الذي قد أمضى الجزء الأكبر من العقد الماضي على رأس وفد عسكري مصري في صنعاء. وعليه فقد حاول تذكير القائد بأن اليمن قد قضت على أربع فرق عسكرية تركية في القرن التاسع عشر. وأنه لا توجد قوة تكفي لذلك العمل. فمحاربي القبائل الشمالية في التضاريس الجبلية الطبيعية والمسلحين بالبنادق والسكاكين أكثر من مجرد ند للقوات المسلحة المدربة المصرية. والدبابات المصرية ستصبح بلا قيمة في الأراضي المرتفعة باليمن، وستكون القوات الجوية غير فعالة. وعلينا أن نتوقع وجود الكمائن في كل مكان، بالإضافة للمسافة البالغة ما يقارب 2,000 كيلومتر بين مصر واليمن، والتي ستجعل من الإمدادات للقوات المصرية هناك مشكلة مزمنة.

وباختصار، فقد اقترح محرزي بأن من الأفضل ترك مسألة الدفاع عن اليمن لليمنيين. وبسبب هذه الكلمات الحكيمة – والتي أرسلها في رسالة لعبد الناصر بعد ذلك- فقد تم احتجاز محرزي بتهمة العصيان في الشهور الأولى من الحرب. تلك الشهور التي أكدت صحة ما ذهب إليه فيما بعد.

في الشهور التي تلت ذلك، تدفق الرجال والعتاد المصري لليمن خلال جسر جوي تم إنشاؤه بمساعدة القائد السوفيتي نكيتا كيرشوف. في البداية أتت سرية من القوات الخاصة لحماية العاصمة، ثم سرب طائرات لتأمين الحماية الجوية لهم، وبعد ذلك كتيبة مدرعة لتأمين المنطقة الريفية المحيطة. وحتى الآن –وكما حذر محرزي من قبل- فلم يبد أن هناك قوات كافية لتأمين كل الجمهورية. ناهيك بالطبع عن ضياع القضية الأصلية للمتمردين في غضون الأحداث. وعلى مدار عامي 1963 و1964 انتشرت المعارك خلال شمال اليمن، وامتصت المزيد والمزيد من القوات المسلحة المصرية.

وقد قاد ذلك التسارع في استهلاك القوات المصرية ثلاثة عوامل.

العامل الأول: الإمدادات

كان السعوديون قادرين على إرسال الإمدادات لرجال الإمام البدر من خلال الحدود اليمنية سهلة الاختراق أسرع من قدرة القوات المصرية على اعتراض تلك الإمدادات. وللعمل على منع تلك الإمدادات من الوصول لأنصار الملكية، فقد نشر المصريون قوات جوية كثيرة في اليمن وقاموا بغارات على الحدود السعودية في شمال اليمن وعلى محمية عدن – الواقعة تحت السيطرة البريطانية- في الجنوب.

العامل الثاني: صعوبة التضاريس

فقد وفرت الطرق الجبلية المتعرجة باليمن عددًا لا نهائيًّا من الفرص لنصب الكمائن. وللعمل على الحفاظ على طرق التواصل مفتوحة أدى ذلك لنشر قوات أرضية كثيرة في المناطق الريفية المحيطة والاعتماد على الإنزال الجوي لدعم النقاط البعيدة.

العامل الثالث: إدارة الدولة

فمجرد إعلان إقامة «الجمهورية» فوق أنقاض دولة الإمام بدر شيء، وإقامة دولة حقيقية حديثة ومركزية قادرة على احتواء القوى البشرية اليمنية المتنافرة شيء آخر. مما أدى لضرورة تواجد جيش من الإداريين المصريين، والذين نجحوا فقط في استنساخ الدولة البوليسية المصرية في اليمن.

ومن عام 1964 وما بعدها، ظل عبد الناصر يبحث عن طريقة يخرج بها من اليمن، وتحفظ ماء وجهه في نفس الوقت. فابتلع كبرياءه عام 1965 وذهب إلى مدينة جدة، لعقد اتفاقية سلام مع الملك فيصل، لكنها لم تدم لوقت طويل. والسبب الرئيسي لذلك كان أتباع مصر من اليمنيين، والذين رفضوا بمنتهى العناد لعب دورهم في صفقة ستقضي على مصالحهم، بل وعلى رؤوسهم أيضًا. وبعدها بقليل، كان عبد الناصر والملك فيصل في خصومة مجددًا، وسافر الملك فيصل لإيران، ليعرض على شاه إيران القيام بعقد «صفقة إسلامية» ضد «المصريين الملاحدة».

الاختلافات الطائفية بين الأمس واليوم

والمثير للسخرية في محاولة السعوديين الحالية لتشكيل «محور سني» – وهذه المرة مع مصر كحليف وليس كعدو- ضد الخصم الحالي إيران، هو اقتراح ألا ننظر للصراع الحالي في اليمن كصراع طائفي بحت. في الماضي عام 1960، بحث الملك فيصل عن مصدر للشرعية، لتساعده في منافسة الزعيم العربي فائق الشعبية عبد الناصر. والمصدر المناسب الذي وقع عليه الاختيار هو الدين، فالسعوديون يحوزون الأماكن المقدسة في الإسلام – مكة والمدينة- بينما تبني عبد الناصر للاشتراكية العربية تركته معرضًا للاتهامات بالخروج عن الدين، وتشارك شاه إيران – حليف الملك فيصل- الإيمان الإسلامي معه ضد عبد الناصر، وإن لم يتبعا نفس الطائفة. كما لم تقف الاختلافات الطائفية في طريق التحالف بين الرياض وبين المعارضين للتدخل المصري في اليمن، وأغلبهم من الشيعة الزيدية.

لكن اليوم بالطبع تعارض السعودية العديد من تلك القبائل نفسها التي حالفتها بالأمس، ليس لكونهم شيعة، بل لأنهم متواطئون مع القوة المعادية للسعودية، والتي تهدد بزعزعة توازن القوى في المنطقة. وعلى العكس من ذلك، هناك تمسك طائفي أقل في أفعال الإيرانيين مما يبدو للعيان. فبينما يدعمون الحوثيون – والذين يتبعون بالمذهب الشيعي الزيدي- فيدعم الإيرانيون أيضًا عناصر سنية في اليمن، ممن اختاروا الاصطفاف مع الحوثيين والتابعين للرئيس المعزول علي عبد الله صالح والذي يتبع المذهب الشيعي الزيدي. ومن الجدير بالذكر أن التفريق على أساس طائفي في اليمن أقل ضراوة من الكثير من المناطق الأخرى في العالم العربي، والتفريق بين السنة والشيعة أقل حدة مما هو في العراق، على سبيل المثال.

وتسبب اعتماد عبد الناصر البالغ على الاتحاد السوفيتي، وتعميق الصراع مع السعودية وبريطانيا في إنشاء حدود أكثر في العلاقة بين مصر والولايات المتحدة. وبينما كانت إدارة الرئيس الأمريكي جون كينيدي تعمل على تخفيف حدة الصراع مع عبد الناصر – رغم إن هذا يزعج السعودية وبريطانيا- لكن استمرار الصراع في اليمن أدى لتدهور العلاقات بشكل لا مفر منه. وتحت إدارة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون تم قطع المعونات الاقتصادية عن القاهرة أخيرًا.

طريق عبد الناصر للخروج من مأزق اليمن

ولم تكن الحرب في اليمن تُسمم علاقات عبد الناصر الدولية فقط، لكنها كانت تهدد الاستقرار الداخلي أيضًا. فباستمرار الجهود المبذولة لدعم التدخل في اليمن ذهبت الأوضاع الاقتصادية في مصر من سيء لأسوأ، وقد زاد السخط الداخلي لمستويات تنذر بالخطر، وتزايدت الانتقادات العربية وبدأت تنتقص من سمعة عبد الناصر. وفي مايو 1967، أقدم عبد الناصر على مقامرة ليحل مشاكله، وقام بتحويل أنظار العالم كله باتجاه الشمال.

فقام بتحريك جيشه في اتجاه سيناء في وضح النهار، مما أدى لاشتعال أزمة دولية اندلعت في حرب الستة أيام مع إسرائيل. وكانت المحصلة هزيمة كارثية، أدت لانسحاب القوات المصرية من اليمن، مما يجعل إسرائيل مساعدة للنصر السعودي بدون قصد منها.

ومع اقتراب مصر من إعلان إفلاسها، أجبر عبد الناصر على سحب قواته من اليمن مقابل تعهد الملك فيصل بمساعدة مصر ماليًّا. وهذه التحولات التي حدثت في شهر أغسطس من عام 1976 في مؤتمر القمة العربية بالخرطوم – والمشهور بمؤتمر «اللاءات الثلاثة» ضد إسرائيل – جسدت انتقال مراكز القوى من القاهرة للرياض والتي حدثت على مدى الحرب في اليمن. فالناصرية وقتها دخلت عصر الاضمحلال.

وفي شهر نوفمبر عام 1967، غادر آخر جندي مصري شبه الجزيرة العربية، مما أنهى التهديد الوجودي للمملكة العربية السعودية لأجيال قادمة. وتم عزل رجل مصر في اليمن الرئيس عبد الله السلّال في انقلاب عسكري بمجرد مغادرة القوات المصرية لصنعاء. ومن الجدير بالذكر، أن الجمهورية نجت ولم تنتهِ بمغادرة القوات المصرية، بالرغم من أن خلفاء عبد الله السلال لم يعملوا على الوفاء بالوعود الكبرى للثورة، وقد انهار النظام الحكومي الفاسد الذي بنوه تحت ثقله الذاتي بعد نصف قرن لافتقاره للشرعية.

ثلاثة دروس من تجربة مصر باليمن للتحالف الجديد

فإذا كان الرئيس عبد الفتاح السيسي على اطلاع جيد بتاريخ بلده، فعليه أن يفكر أكثر من مرة قبل الزج بمصر في حرب برية أخرى باليمن. ومع ذلك، يظل الإغواء الموجود لاستعادة مكانة مصر في المنطقة كبير، كما كان الحال بالضبط بالنسبة لعبد الناصر عام 1962.

لكن ربما يكون هناك حل وسط. ففي ذلك الوقت، حث مستشارو عبد الناصر على اقتصار الدعم على القوات الجوية فقط مع الدعم اللوجيستي للقوات اليمنية التي تقاتل في سبيل الجمهورية. وبالتأكيد، سيناريو مشابه يدور حاليًا في أذهان القادة بالقاهرة. ولأجل مصر، فنتمنى أن يكون رأي محرزي هو المنتصر هذه المرة في مصر.

لكن إن لم يستمعوا لهذا الرأي. فما يلي ثلاثة دروس من تجربة مصر باليمن تستطيع القوى المتدخلة باليمن الآن الاستفادة منها.

أولًا: عليهم ألا ينتظروا الدعم الكامل من الولايات المتحدة. فرؤية القوى العظمى دائمًا ما تكون أشد تعقيدًا من وجهة نظر اللاعبين المحليين. وخاصة وأن وجهة نظر الإدارة الأمريكية عن الشرق الأوسط مختلفة بشكل كبير عما تتبناه القاهرة والرياض. فالسعوديون – ومعهم المصريون خصوم الأمس حلفاء اليوم- سيبذلون قصارى جهدهم لإظهار مدى حماقة الإدارة الأمريكية في مهادنة إيران، كما حدث تمامًا في الستينيات حينما كان خصمهم هو عبد الناصر. لكن من المشكوك فيه أن وجهة نظرهم سيتم الاستماع لها.

ثانيًا: على القوى المتدخلة أن تحشد جيشًا كبيرًا إذا أرادوا احتلال اليمن والسيطرة عليه. ففي الستينيات نشر المصريون 70,000 جندي وفقدوا 10,000 منهم، ومع ذلك فشلوا في السيطرة على أسلاف الحوثيين. فلقب مقبرة الأتراك لم يُطلق من فراغ على اليمن، وهذا بعدما مُنيت القوات العثمانية بخسائر فادحة في محاولة قمع الثورات المتتالية للقبائل اليمنية في القرن التاسع عشر. وربما على القوات المتدخلة خفض سقف توقعاتهم وأهدافهم، إذا كانوا على استعداد ليقبلوا باتفاقية لتقسيم السلطة تحفظ مكاسب الحوثيين ولكن تحرمهم من مكاسب استراتيجية من السيطرة على عدن وباب المندب، فيمكنهم إنجاز ذلك بقوات برية قليلة العدد مع الدعم الجوي والبحري.

ثالثًا: لا يوجد حلفاء دائمين في اليمن، وقد تلقت السعودية تذكيرًا حديثًا بهذه الحقيقة حينما ألقى بهم رجلهم في اليمن الرئيس المعزول علي عبد الله صالح في طرفة عين، واتجه للتحالف مع القوة الصاعدة للحوثيين. وبالمثل لم يكن لدى الحوثيين مانع من التحالف مع عبد الله صالح، بالرغم من أن مؤسس جماعتهم قد تم قتله عام 2004 على أيدي الجيش اليمني، بتوجيهات صالح نفسه.

النزعات التفكيكية التي دائمًا ما ابتُليت بها اليمن، اكتسبت قوة فقط منذ ضرب الربيع العربي صنعاء في عام 2011. فاليمن اليوم دولة فاشلة، تتحكم فيها الانتماءات القبلية بشكل كبير، وتتشكل وتذوب التحالفات فيها بشكل متغير ولا نهائي. فأي شخص يريد أن يستولي على اليمن لا بد له من الجرأة الشديدة لترويض النمر اليمني ومهارة كبيرة في التنقل ما بين العشائر، بالإضافة لإمدادات لا تنتهي من الأموال للعمل على استمالتهم.

إذا كان الرخاء السعودي قادر على التغلب على حركات التمرد المطولة، والتي أودت بأربع فرق عسكرية مصرية في الستينيات، فبإمكانهم الإبقاء على المجهود الحربي في اليمن إلى أجل غير مسمي.  لكن يظل السؤال الأكبر هو: إلى متى يمكن للإيرانيين – والذين ما يزالون منهكين من العقوبات الاقتصادية- المحافظة على المنافسة مع السعودية في العراق وسوريا واليمن؟ إجابة هذا السؤال قد لا تكون موجودة في القاهرة أو الرياض أو صنعاء، لكنها تعتمد على الناتج النهائي للمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد