بينما كانت الأنظار تتجه نحو قراءات حول مصير اليمن بعد محادثات السلام المقرر عقدها في الكويت في 18 أبريل(نيسان)، حدثت المفاجأة بإقالة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لنائبه خالد بحاح، وتعين بدلًا منه خصمًا لحليف من حلفائه (الإمارات) وهو علي محسن الأحمر.

بينما كانت الأنظار مُتجهة نحو مصير مُحادثات السلام اليمنية، المقرر عقدها في الكويت، في 18 أبريل (نيسان)، حدثت المفاجأة، بإقالة الرئيس اليمني «عبدربه منصور هادي»، لنائبه ورئيس وزراء حكومته، «خالد بحاح»، وتعيين علي «مُحسن الأحمر» بدلًا عنه.

ولا يبدو هذا القرار بعيدًا عن القراءات المتوقعة للمشهد السياسي اليمني، والمتعلقة بالصراع الكامن بين كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ورغبة كلٍّ منهما في فرض سيطرته الناعمة، وإقصاء الآخر من المشهد اليمني. لكن الأهم في هذا القرار الداخلي، أنّه ربما يكون سببًا في تقويض جهود السلام.

هكذا تعامل «بحاح» مع قرار إقالته

في البداية أبدى بحاح رضوخه لقرار هادي، عبر تغريدة مختصرة على التدوينات القصيرة، تويتر، قال فيها: إن «من الابتلاء أن يفقد الإنسان وطنه ويصبح مشردًا، لذلك فإن حب الوطن من الإيمان، فيجب علينا جميعًا أن نقدس تراب هذا الوطن ونحافظ عليه وندافع عنه».

إلا أن الرجل سرعان ما تراجع عن موقفه، وإيمانه بـ«الابتلاء»، مُعلنًا رفضه قرار إقالته الصادر الأحد الماضي، الثالث من أبريل (نيسان) 2016، وذلك في بيان جريء، قال فيه: «صبرت على التجاوزات لصلاحيات ومهام الحكومة، وكذا العقبات التي توضع في طريقها، على أمل الحفاظ على الوحدة الداخلية»، مُعتبرًا أن رفضه للقرار مُرتبطٌ بكون «القبول به، يُعد تخليًا صريحًا عن كل المرجعيات الحاكمة للفترة الانتقالية، وأحكام الدستور، ومخالفة لأحكام الدستور التي لا تقبل الاجتهاد أو التأويل».

أوضح بحاح، في بيانه، أنه «لا توجد أي نصوص دستورية، تفضي بتعيين رئيس للحكومة، مع بقاء أعضائها لممارسة عملهم»، لذا فإنه يرى القرار «خروجًا عن الدستور بصرف النظر عن الأشخاص المعينين».

ورغم أن قرار إقالة بحاح من منصبه، جاء لأسباب رسمية، حصرها هادي في «الإخفاق المرافق لأداء الحكومة خلال الفترة الماضية»، إلا أن أسبابًا أُخرى تُقرأ في هذا التقرير، وهي:

أولا: توجيه ضربة سياسية للإمارات

وهذه من الأمور التي يُمكن قراءتها في إقالة بحاح عن منصبه، وهو من يُعتبر ذراعًا للإمارات في اليمن. ويُنقل عنه قوله سابقًا عن الدور الإماراتي في البلاد: إن «ما قدمته الإمارات، كان فعلًا وعمًلا على أرض الواقع، وليس كلامًا أو شعارات. وفي مختلف المجالات، شملت قطاع التعليم والخدمات الصحية والأمن والشرطة والدفاع المدني، والمساعدات الإغاثية والإنسانية والعمرانية والغذائية».

الجزء الثاني مما يُعتبر ضربة سياسية للإمارات، هو تعيين القائد العسكري علي مُحسن الأحمر، بدلًا عن بحاح. والأحمر لاشك ممن لا تفضل الإمارات تمثيلهم أدوارًا أساسية في اليمن؛ كونه مؤسس حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يُعد ذراعًا سياسيًا لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن.

وعلى مدار شهور الحرب الأخيرة، كان الموقف الإماراتي رافضًا ـ وبشدة ـ لأي دور لحزب التجمع، أو المقاومة الشعبية التي يُمثل حزب التجمع وأنصاره جزءًا كبيرًا منها.

الكاتب اليمني، فارس الشهري، يرى أن قرار الإقالة والتعيين، مُتعلق أساسًا بتقليص دور الإمارات في اليمن. وبحسب الشهري فإن هذا الدور يتناقض مع الدور السعودي، وعليه يُمكن رؤية القرار أنه جاء بإيعاز سعودي. فضلًا عن ذلك، فإن لبحاح قاعدة عريضة من معارضيه، في حين إن قرار إقالته تسبب في خلق حالة من الراحة، لدى أوساط يمنية عديدة.

ثانيا «الأحمر» سيحقق أهداف السعودية

كما ذكرنا، يستبعد محللون أن يكون الرئيس اليمني عبدربه هادي منصور، هو من اتخذ قرار إقالة نائبه خالد بحاح، دون إيعاز من السعودية، التي تستضيف الرئيس ونائبه المعين والمقال. وبغض النظر عن رغبة السعودية في إقصاء أي رمز خارج دائرة نفوذها في اليمن، ما بات واضحًا منذ اندلاع أحداث الثورة اليمنية في 2011، فهي أيضًا ترى في الأحمر وحزبه حليفًا جيدًا في الفترة الحالية، بعد وقوف كلا الطرفين على أرضية مُشتركة، إمّا على مستوى السياسة الداخلية، أو رغبة كل منهما في تقليص النفوذ الإماراتي.

ويُذكر للأحمر وحزبه، تأييد عملية عاصفة الحزم مذ بدأت، كما أن للرجل موقفًا عدائيًا واضحًا من الحوثيين، وكذا الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح، نفس العداء الذي تكنه السعودية للحوثيين من جهة، ولعبد الله صالح الذي تنظر إليه نظرة الخائن بتحالفه مع الحوثيين.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب الخبرة العسكرية الواسعة للأحمر دورها في وقوع الاختيار عليه على ما يبدو، فعلى مدار ستة حروب خاضها الجيش اليمني مع الحوثيين ما بين عامي 2004 و2010، كان الأحمر قائدًا للفرقة الأولى مُدرعات، وكذا المنطقة العسكرية الشمالية الغربية، أثناء تلك الحروب.

وفي هذا الصدد، يُشار إلى أن الأحمر، قد عُيّن في 22 فبراير (شباط) الماضي، نائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية، ما يُعطي انطباعًا مُسبقًا بثقة السعودية – باعتبارها زعيمة التحرك العسكري في اليمن – في الرجل، الذي استطاع فعلًا توجيه ضربات مُوجعة للحوثيين في معارك محافظات الشمال، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي أدت في النهاية لقبول الحوثيين الجلوس على طاولة المفاوضات.

على مُستوى آخر، يتمتع الأحمر بشعبية واسعة في اليمن. وهي الشعبية التي مكنته من السيطرة على جناح هام في الجيش. ومع علاقته بالإسلاميين، يُأمّل أن يستثمر الرجل هذه الشعبية مع هذه العلاقة، لحشد شعبي أكبر، مُؤيد للعملية العسكرية التي تقودها السعودية. بطريقة أُخرى هذا ما قاله الباحث في الشأن السياسي، غاندي عنتر في مقال له على موقع «المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية»: «تعتبر السعودية محسن الأحمر، قادرًا على أن يعيد ترتيب الوضع العسكري، واستمالة عدد كبير من القبائل التي تقف على الحياد، بسبب علاقاته الوطيدة بزعماء هذه القبائل للمكانة القبلية التي يتمتع بها آل الأحمر في اليمن، ومن ثم تضمن المملكة انضمام شريحة كبيرة لشرعية هادي وإعادة تشكيل الجيش اليمني تحت هيمنة الرياض».

ثالثا: منع انقلاب بحاح على هادي

من الأسباب المذكورة أيضًا لإقالة هادي لبحاح، هو سعي الأخير لأن يحل محل الرئيس، فبحاح المُعيّن في 12 أبريل (نيسان) 2015، نائبًا للرئيس ورئيسًا للوزراء، لديه طموحه السياسي الشخصي، الذي ربما يصل إلى كُرسي الرئاسة.

وبعد عودته إلى عدن، عقب «تحريرها» من سيطرة الحوثيين، أخذ بحاح على تقديم نفسه على أنه الرجل الأوّل في اليمن، أو «منقذ اليمن»، كما تقول صحيفة فورن بوليسي الأمريكية، بخاصة لليمنيين الجنوبيين.

مع هذا، يبدو أن شكوك هادي حول الرجل، قد تعاظمت، ولم تُفده كثيرًا محاولات التعديل من حوله، كتعيين وزير خارجية جديد، وهو عبد الملك المخلافي. وتكشف بعض المصادر اليمنية، عن أن الخلاف بين الرجلين، وصل إلى حد الشجار، في واقعة تشاور حول الأسماء المقترحة لمثل وفد الحكومة في مشاورات جنيف، وقد كان هادي رافضًا بشدة للأسماء التي اقترحها بحاح.

رابعًا: اختلاف المصالح بين السعودية والإمارات في اليمن

رغم المُعلن من اتفاق الدولتين حول مصلحة واحدة في اليمن، إلا أن الواقع يكشف عن غير ذلك. وتبرز نقطتا الخلاف الأساسيتين، في رفض الإمارات لأي دور لحزب التجمع اليمني، الذي تعتبره امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين «الإرهابية المحظورة» كما يسن قانونها. لذا يتضح أن تعيين الأحمر، يأتي على خلاف رغبة الإمارات.

على ما يبدو كذلك، يأتي تفضيل السعودية للأحمر عسكريًا بدايةً، ثم سياسيًا، بعد تأكد الأولى من تخلي الإمارات عنها، وتركها وحدها تتحمل مسؤولية الحسم في اليمن، وذلك حين سحبت عددًا كبيرًا من جنودها في اليمن، واستبدلت بهم قوات مُرتزقة، لذا أرادت الرياض بسط سيطرتها على المشهد اليمني لصالحها بشكل كامل، بإزاحة أحد أهم رجالات الإمارات، خالد بحاح.

وحسب تقرير نشره موقع» ميدل إيست آي»البريطاني، فإنه «سيقع الجنوب، وعاصمته عدن، تحت دائرة النفوذ الإماراتي، بينما يرزح الشمال تحت نير السعوديين«.اقتصاديًا، يتعلق الأمر بميناء دبي، فوفقًا للتقرير لطالما كانت عين الإمارات على عدن، بصفتها امتدادًا طبيعيًا لموانئ دبي، كما أنّها تمثل طريقًا سهلًا للمحيط الهندي، وبديلًا عن مضيق هرمز، الذي تشاركه دول الخليج مع إيران.

عرض التعليقات
تحميل المزيد