عندما أرادت الإمارات تحقيق مصالحها على الأرض اليمنية، أدركت أن أهل «اليمن السعيد» هم أدرى بشعابها الجبلية وعقلية أهلها القبلية، ولذلك اختارت الوزير المُقال والداعية الذي خلع ثوب السلفية اليمنية «هاني بن بريك» ليكون أحد أهم أذرعها في تحقيق أغراضها في اليمن.

من هو «هاني بن بريك»؟

خلع ثيابه السلفية وارتدي بزة عسكرية، لكن ما يزال يتمسك بالقول إنه قيادي سلفي، أو «نائب رئيس هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي»، وهو المجلس المناهض للحكومة اليمنية المعترف بها، وفي القول الأحق هو  أبرز الموالين للإمارات ويدها الطولى في الصراع على الأرض اليمنية.

بن زايد مع بن بريك (المصدر: موقع ايلاف)

إنه «هاني بن بريك» الذي ظهر على الساحة اليمنية كمقاتل يواجه الحوثيين، ثم على الساحة السياسية كوزير تفرضه القوة الإماراتية، ويحدث بقاؤه في المنصب، ثم إقالته، الكثير من اللبس؛ وذلك بسبب نفوذه المحقق بفضل الدعم السخي من أبو ظبي، فقد تمرد على قرارات الحكومة اليمنية برئاسة «عبد ربه منصور هادي» التي تخالف المصلحة الإماراتية، ولم يكتف برفض تلك القرارات، بل عمل جاهدًا بخطوات متعددة نحو انفصال الجنوب اليمني، فأسس ما يعرف بقوات «الحزام الأمني»، وهي الميليشيا المدعومة علنًا من دولة الإمارات في جنوب اليمن.

وصل أمر بـ«بن بريك» إلى تهديده باستخدام القوة لمواجهة قرارات هادي، كما حدث بعد قيام الأخير بإقالة محافظي شبوة وسقطرى وحضرموت، فقال «بن بريك»: «لم نضع سلاحنا بعد، ولم تجف دماء شهدائنا، ولم تبرأ جراح جرحانا، ومن أدمن ساحات القتال واستنشق البارود مستعد للذود عن كرامته، وذاك عشقه وإدمانه».

بن بريك يتوسط اليمنيين (المصدر: موقع العربي)

يقول المحلل السياسي اليمني «محمود الطاهر» إن «بن بريك» هو الرجل الأول في جنوب اليمن الذي لديه أفكار متطرفة وعنصرية مناطقية، ويضيف: «بن بريك وأبو العباس – الذي تم تصنيفه إرهابيًا من قبل الخزانة الأمريكية – زملاء، ولديهما هدف واحد، وهو نشر التطرف والإرهاب»، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «هاني بن بريك وجوده خطر على اليمن وعلى الدين الإسلامي نتيجة تطرفه ونزهته العنصرية والطائفية، وهو يدعم مليشيا جهادية في مختلف محافظات اليمن».

«بن بريك» يخلع ثوب السلفية.. وينتقم من مشائخها

«الرجوع إلى منهج السلفية، وترك تجييش الشباب للقتال ضمن القوات التي تدعمها الإمارات»، جزء مما طالب به  إمام «جامع زايد» الشيخ ياسين العدني، هاني بن بريك، قبل أن يُغتال في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بتفجير سيارته، والمطالب به  هو «بن بريك».

«بن بريك» (المصدر: سكاي نيوز)

لقد كان العدني أحد المشائخ السلفيين الذين بقوا مقربين من «بن بريك» حتى وقت قريب، وهو من ساعده  كمسؤول لقوات «الحزام الأمني» على استقطاب الشباب السلفيين للانخراط ضمن هذه القوات، وذلك قبل تراجعه وخلافه مع «بن بريك»، الذي وصل لحد إعلان وقف التأييد، والحديث عن انحراف بن بريك  عن السلفية وإرسال «رسائل مناصحة» له.

كان «العدني» آخر السلفيين الذين اختلفوا مع «بن بريك»، فقد سبق خلافه سلسلة كبيرة مع المشائخ الأهم في اليمن، الذين أعلنوا في 24 من أغسطس (آب) عام 2016 تمرد هذا بن بريك على السلفية، ومخالفته لمبادئها، وخلق سلفية تمرر مشاريع الإمارات في الجنوب، دون أي اعتراض، ليعلن في هذا التاريخ تبرؤ تيار السلفيين في اليمن من «بن بريك»، فحسب بيان التبرؤ، فإن «هاني بن بريك يدعو إلى الفتن، وإلى تفريق أهل السنة«، وتابع البيان: «ننصح من تأثر به وبطريقته الابتعاد عنه، فإن هذا الرجل يجر من معه إلى الهاوية»، وواصلوا الحديث عن خطورة الرجل عبر المنابر، وفي الجلسات الخاصة.

بيان براءة سلفيي اليمن من بن بريك

هذا الخلاف الديني والفكري ومن ثم السياسي، دفع «بن بريك» للانتقام من سلفيي اليمن، الذين أظهروا مناهضة للمدرسة السلفية التي يقودها فكريًا «بن بريك»، ولمشروع الإمارات في اليمن، فحاول في البداية السيطرة على كافة مساجد عدن التي أعلن أنها «تفرخ إرهابيين وطالب بضرورة السيطرة عليها« بإخراج الأئمة الذين يناهضونه، وتمكن بجهود الإمارات من حظر جمعيات لهم مثل جمعية «الحكمة اليمانية» وجمعية «الإحسان» الخيرية، وأعلن الحرب على جماعة «الإخوان المسلمون»، لينتقل بعد ذلك لاستهداف المشائخ الذين يرتبطون بتلك الجمعيات، سواء بالاعتقال أو النفي عن الجنوب أو الاغتيال.

بن بريك يلتقي مع جريحة يمنية (المصدر: صفحته على تويتر)

ويمكن تسجيل شهر يناير (كانون الثاني) من العام الماضي كتاريخ بداية سلسلة لم تنته من الاغتيالات للسلفيين في اليمن، فقد اغتيل إمام «جامع ابن القيّم»، الشيخ رآوي العريقي، بعد خطبة حذر فيها من «تنفيذ الأجندة الخارجية التي تسعى إلى جرّ عدن للفوضى والصراع »، إذ تستمر هذه الاغتيالات دون اكتراث من الحكومة اليمنية أو التحالف الدولي، فلم يسجل أية حالات قبض على مرتكبي هذه الجرائم، فعندما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على قاتل الشيخ «العدني»، نُقل القاتل إلى الإمارات، واختفى تمامًا.
وينقل موقع «العربي» اليمني عن محللين قولهم: «أن عمليات الاغتيال التي تطال السلفيين في عدن، هي نسخة التحالف الأخرى من عمليات الاعتقال التي تطال رجال دين وعلماء ودعاة في المملكة العربية السعودية»، ويقول المحلل السياسي اليمني «ياسين التميمي» إن بريك دأب على سلوك خط سياسي صادم ومثير للجدل، فقد كسر النمط المألوف عن دعاة السلفية الذين يطيعون ولي الأمر في المنشط والمكره، وخالف كل ما كان قد عرف عنه من تأييد لوحدة اليمن وطاعة لولي الأمر ليتحول اليوم إلى أحد أبرز دعاة الانفصال عن شمال اليمن، وأحد أبرز معارضي الرئيس هادي وحكومته.

ويشير «التميمي» إلى «بن بريك» كرس جل وقته لتمكين الإمارات من تكريس نفوذها عبر الأدوات العسكرية التي أنشأها في عدن وبقية المحافظات الجنوبية، وتشمل الأحزمة الأمنية في عدن ولحج وأبين والنخب الحضرمية والشبوانية، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «يكاد اليوم يتصرف ضد إرادة الرئيس هادي في كل المواقف بما في ذلك اصطفافه ضمن ما يسمى المجلس الانتقالي الذي تهيئه الإمارات ليكون بديلًا سياسيًا للقادة الجنوبيون الذي يحتلون واجهة السلطة الشرعية للدولة اليمنية».

هل يقود «بن بريك» حملة اغتيالات منظمة ضد مشائخ عدن؟

سيُمنع من يقدح في السعودية والإمارات والبحرين والسودان ومصر من دخول الجنوب بقوة الشعب الجنوبي، وإن كان جنوبيًا سيحاسب. *«بن بريك» في إحدى تغريداته.

  الشيخ «فهد اليونسي» الذي اغتيل مؤخرًا في عدن (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وبالوقوف عند قوله «إن كان جنوبيًا سيحاسب» يحكي الجنوبيون عن دور الرجل ضد المخالفين له ولحلفائه بقيامه بزج المئات من اليمنيين في السجون، ففي عدن قامت قواته المدعومة من الإمارات، بحملة اعتقالات واسعة لرجال دين ودعاة مناوئين له، وهو الذي سعى دائمًا لتهجير لأبناء المحافظات الشمالية من عدن.

ويتمثل الأخطر في نقل فتوى له تجيز تصفية المخالفين، وبدء بآخر عمليات الاغتيال للأئمة وخطباء المساجد في عدن، قام بن بريك فور تسلم مهمته بالتحريض على دعاة المساجد في عدن، ووجه اتهامات صريحة بأن هذه المساجد تعمل على «تفريخ الإرهابيين»، لتثار الآن حوله الاتهامات بالوقوف وراء اغتيالات عدة، آخرها مسئوليته عن اغتيال خطيب جامع «سعد بن أبي وقاص» الشيخ «عادل الشهري»، الذي أطلق مسلحون النار عليه قبل أيام أثناء توجهه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر في المنصورة بمحافظة عدن.

اغتيل «الشهري» بعد عشرة أيام من اغتيال زميله في «جمعية الحكمة اليمانية» الشيخ «فهد اليونسي»، الذي قتل بعد رفضه تلبية طلب «بن بريك» بتسليم الجامع الذي يتوالي الأمامة به والخروج من عدن، وتشهد اليمن بشكل متواصل اغتيالات لأئمة المساجد المناوئين للإمارات؛ مما يدفع نحو الاعتقاد بوجود حملة منظمة لتطهير عدة من مشائخ السلفيين، وتؤكد مصادر مقربة من التيار السلفي أن الإمارات بإيعاز من «بن بريك» حاولت السيطرة على عدد من جوامع المدينة، وتقوم بتعيين أئمة موالين خلفًا المشايخ الذين تم اغتيالهم مباشرة، مقابل مبالغ مالية شهرية.

ويعتبر المحلل السياسي اليمني «ياسين التميمي» أن أخطر ما ارتبط بهاني بن بريك هو انخراطه في مهمة شيطنة المساجد والدعاة في عدن، واتهام المساجد بأنها تفرخ الإرهابيين وهي المواقف التي جعلت بعض أهم رموز السلفية يتهمونه بالتحريض ويطالبون الحكومة بالتحقيق معه عن سلسلة جرائم القتل تستهدف خطباء وأئمة مساجد مدينة عدن، مضيفًا: «لا يتردد بن بريك في إظهار ولائه لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، الأمر الذي عزا إليه البعض سلوكه العدواني ضد التيارات الدينية والأحزاب السياسية الإسلامية، وفي المقدمة منها التجمع اليمني للإصلاح».

بن بريك.. هل هو داعم وممول للإرهاب

«عهد الله قطعناه وأمام شعبنا أمضيناه أن ثأرنا سنأخذ به، ونحن وإياهم حياة أو موت، وقري عينا أم الشهيد؛ فولدك حي عند ربه يرزق»، بهذه التغريدة هدد بن بريك حزب التجمع اليمني للإصلاح بالاجتثاث، متهمًا إياهم بالمسؤولية عن التفجير الإرهابي الذي استهدف تجمعًا لطالبي التجنيد في عدن، في أغسطس (آب) عام 2016، ليعلن بعد ذلك «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) تبنيه للتفجير.

 الانتحاري «أحمد سيف» مع بن بريك (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

بعد حادثة التفجير تناول نشطاء يمنيون صورة تجمع بن بريك مع انتحاري مركز تجنيد ويدعى «أحمد سيف»، وشكلت هذه الصورة – في نظر البعض – دليلًا على دعم «بن بريك» لعناصر متطرفة جيشها لصالحه.

وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم بالأمس، ظهرت حادثة جديدة تؤيد دعم «بن بريك» للإرهاب، وذلك عندما صنفت وزارة الخزانة الأمريكية والمملكة العربية السعودية حليف الإمارات الرئيس بتعز السلفي اليمني «عادل عبده فارع الذبحاني» كداعم وممول للإرهاب مع عشرة يمانيين آخرين، وردًا على هذا التصنيف لم يتردد بن بريك عن إعلان دعمه لـ«الذبحاني» الملقب بأبو العباس، ليقرأ المحللون في هذا الدعم دفاعًا لـبن بريك عن نفسه، وليس عن «أبو العباس».

وينقل موقع «يمن برس» عن مصادر يمنية قولها إن «بن بريك متهم باستغلال عناصر متطرفة وتمويلها وتوجيهها لضرب خصوم محتملين لـهاني بن بريك والمجلس الانتقالي الجنوبي وتنفيذ عمليات اغتيالات لخصومه ومنافسيه»، ويضيف الموقع أن هناك «تواجد عدد غير بسيط من العناصر الإرهابية المتطرفة ضمن قوة الحزام الأمني التي يشرف عليها هاني بن بريك،
وتتلقى تمويلًا من دولة الإمارات، وجاء تجنيد تلك العناصر بناء على توجيهات هاني بن بريك».

بن بريك مع العسكري اليمني نبيل المشوشي (المصدر: الصفحة الشخصية لبن بريك على تويتر)

لذلك يتوقع رئيس المركز العربي لحقوق الإنسان ومناهضة الإرهاب – آشا، «خالد الشيباني» خلال الفترات القادمة احتمال أن يتم تصنيف بن بريك كداعم وممول للإرهاب، ضمن قوائم الإرهاب لدي المجتمع الغربي، ويوضح: «بن بريك لا يختلف كثيرًا عن أبي العباس المتواجد في تعز؛ إذ تقوم مهامه الآن على شراء الولاء واستقطاب المقاتلين في صفوفه، وقد تم إيكال عدد من المهام الأمنية إليهم لتصفية خصوم الإمارات»، وهذا ما يتوافق معه المحلل السياسي، محمود الطاهر، فيقول: «الإمارات تتخذه بشكل مؤقت، وقريبًا ستدرجه في لائحتها الإرهابية؛ لأنها لا تريد أي رجل دين له تأثير على جماعة معينة خشية منها أن يسحب البساط الجماهيري من تحت أضوائها، لذلك أعتقد أن مسالة تصنيفه إرهابيًا هي مسألة وقت، وهو يقوم بتصفية الدعاة أو رجال الدين المحسوبين على السعودية أو على الإخوان المسلمون».

ويضيف «الشيباني» لـ«ساسة بوست»: «هناك مؤشرات تتحدث عن هناك فصيل قتالي متشدد يقوم بعملية تصفية حسابات لصالح الإمارات، هناك تجنيد لعدد من الشباب من قبل بن بريك تم استغلالهم دينيًا أو ماليًا، في عدد من المناطق لإحداث أعمال عنف وفوضي»، ويختم بالقول: «بن بريك يخدم أجندة معينة خلال فترة زمنية محددة، وربما المقاتلين الذين يتبعونه في الوقت الحالي سيتم تفكيك ربما في وقت لاحق، فهذه طبيعة الإمارات تقوم باستخدام هؤلاء ومن ثم تقوم بتصنيفهم في القوائم المصنفة للإرهاب، سواء عن طريقها أو عن طريق دول أخرى».

المصادر

تحميل المزيد